السويد تمنح أوكرانيا 16 مقاتلة “غريبن” وتبيعها 20 أخرى بـ2.9 مليار دولار: بداية أسطول قد يصل إلى 150 طائرة

أعلنت السويد عن أضخم حزمة دعم جوي تقدمها لأوكرانيا منذ اندلاع الحرب، إذ قررت التبرع بـ16 مقاتلة من طراز “غريبن سي/دي” (Gripen C/D)، مع فتح الباب أمام شراء ما يصل إلى 20 مقاتلة أحدث من طراز “غريبن إي/إف” (Gripen E/F) بتمويل من قرض أوروبي قيمته 2.5 مليار يورو (نحو 2.9 مليار دولار)، وسط طموحات تمتد على المدى البعيد لتزويد كييف بأسطول قوامه ما بين 100 و150 مقاتلة، فيما بدأ تدريب الطيارين والفنيين الأوكرانيين فعلياً على أرض سويدية.

جاء هذا الإعلان التاريخي على لسان رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترشون إلى جانب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، خلال مؤتمر صحفي مشترك في قاعدة “أوبلاند” الجوية قرب مدينة أوبسالا، ووصفه البيان الرئاسي المشترك بأنه “أول التزام عملي حقيقي” بتسليم مقاتلات “غريبن” لأوكرانيا، بعد أكثر من عام من التفاوض والترقب.

ولم يُخفِ وزير الدفاع السويدي بول يونسون ثقل هذا القرار ورمزيته، إذ صرّح: “روسيا حاولت كسر أوكرانيا من السماء، وأوكرانيا الآن تبني قوتها الجوية بمقاتلات سويدية الصنع.” وأوضح أن تسليم طائرات “غريبن سي/دي” سيبدأ مطلع عام 2026، رهناً بصدور الموافقات الحكومية والتصاريح التصديرية اللازمة، فيما سيتوسع برنامج التدريب الميداني خلال فصل الخريف.


هيكل ثنائي لاحتياجات متباينة

يعكس بناء هذا الإعلان احتياجات أوكرانيا على مستويين متكاملين: فمسار التبرع بـ”غريبن سي/دي” يُلبّي ما وصفه يونسون بـ”الاحتياجات العاجلة”، من خلال توفير طائرات جاهزة للنشر الفوري بزمن أقصر بكثير مما يستلزمه تصنيع مقاتلات جديدة. في المقابل، يجسّد مسار شراء “غريبن إي/إف” مقاربة “بناء المستقبل”، نحو تأسيس أسطول جوي حديث ومستدام عبر العقد القادم.

أما التمويل المرصود للدفعة الأولى من “غريبن إي/إف”، البالغ 2.9 مليار دولار، فيستند إلى قرض دعم أوكرانيا التابع للاتحاد الأوروبي بقيمة إجمالية 90 مليار يورو، والذي أُفرج عنه في أعقاب رفع المجر حق النقض (الفيتو)، إثر خسارة رئيس الوزراء السابق فيكتور أوربان للانتخابات.


“غريبن”… مقاتلة وُلدت من رحم الحرب غير المتكافئة

تُعدّ “غريبن” طائرة متعددة المهام من إنتاج شركة “ساب” السويدية، صُمّمت أصلاً للعمل تحت ضغط عسكري مستمر وفي ظروف تشتيت قسري، وهو ما ارتبط ارتباطاً عضوياً بالعقيدة الدفاعية السويدية إبان الحرب الباردة، حيث كان يُفترض أن تتعرض القواعد الجوية الثابتة للتدمير في الساعات الأولى من أي نزاع. من هذه الفلسفة وُلدت طائرة مصممة للعمل من مدارج بديلة —بما فيها الطرق العامة— مع قدرة على الإقلاع والهبوط القصير، وزمن إعادة تسليح وتزوّد بالوقود لا يتجاوز عشر دقائق بطاقم أرضي صغير، إضافة إلى نظام صيانة ميداني غير معقد.


ميزة “ميتيور” الفارقة: ما لا تستطيعه الـ”إف-16″

لا تقل منظومة التسليح أهميةً عن المنصة ذاتها؛ فـ”غريبن سي/دي” قادر على حمل صواريخ “آيريس-تي” (IRIS-T) قصيرة المدى، وصواريخ “أمرام” (AMRAAM) متوسطة المدى، إلى جانب صاروخ “ميتيور” (Meteor) بعيد المدى الذي يتجاوز مداه الفعّال 100 كيلومتر —وهي قدرة تعجز عنها مقاتلات “إف-16” الأوكرانية حتى اللحظة. وفي معادلة الاشتباك الجوي، يمنح “ميتيور” الطيارين الأوكرانيين تفوقاً نوعياً في مواجهة المقاتلات الروسية خارج مدى الرؤية البصرية.

وفيما يخص طراز “غريبن إي/إف”، فهو يمثّل قفزة نوعية متكاملة، إذ يتضمن رادار “إيسا” (AESA) من إنتاج “ليوناردو بريطانيا”، ومنظومة حرب إلكترونية متقدمة، وطاقة تسليحية أوسع، ما يجعله منافساً مباشراً لمقاتلات الجيل الرابع المتطور المنتشرة في الخدمة الروسية. وبحسب رئيس شركة “ساب” مكايل يوهانسون، تستطيع الشركة تسليم ما بين 20 و30 طائرة سنوياً مع وجود خطط لتصعيد الإنتاج، فيما تطمح أوكرانيا إلى نقل جزء من خط التصنيع إلى أراضيها ابتداءً من عام 2033.


11.8 مليار يورو… والسويد في مقدمة الداعمين الأوروبيين

يندرج هذا الإعلان ضمن الحزمة العسكرية السويدية رقم 22 لأوكرانيا، البالغة قيمتها الإجمالية 2.3 مليار يورو، ليرتفع مجموع ما قدمته ستوكهولم من دعم عسكري منذ بداية الحرب إلى نحو 11.8 مليار يورو (13.7 مليار دولار)، ما يُرسّخ مكانة السويد بين أكبر المانحين العسكريين الأوروبيين لأوكرانيا.

وتمتلك أوكرانيا حالياً أسطولاً من مقاتلات “إف-16” المُقدَّمة من دول أوروبية عدة، إضافة إلى مقاتلات “ميراج 2000” الفرنسية. ومع دخول “غريبن” على الخط، ستصبح في حوزة القوات الجوية الأوكرانية ثلاثة أنواع مختلفة من المقاتلات الغربية، وهو ما يمنحها مرونة عملياتية متعددة الأوجه، غير أنه يُضاعف في الآن ذاته التعقيد اللوجستي المتعلق بالتدريب والصيانة وسلاسل الإمداد.

في نهاية المطاف، صمّمت السويد “غريبن” لدولة تتوقع خوض حربٍ مفروضة عليها وهي أقل عدداً وأضعف إمكانات، محاطة بالتهديدات من كل صوب. ووجدت أوكرانيا في هذه المقاتلة ما يشبه المرآة —طائرة صُنعت عملياً لمعاركها الراهنة.