البعد الخامس، عندما تحكم الأيديولوجيا الصراع

العقيد الركن م. ظافر مراد

رغم التطور الكبير في تصنيف مجالات العمليات العسكرية في البر والبحر والجو والفضاء والمجال السيبراني، فإن هذا التصنيف لا يفسر وحده كيفية تشكيل الصراعات المعاصرة أو أسباب إستمرارها وتحوّلها، فهناك مستوى آخر وبعدًا إضافيًا لا يتحرك فيه السلاح، بل تتحرك فيه الافكار والوعي والإرادة والهوية والإنتماء،…. ، بعدًا خامسًا بدأت ملامحه تتوضح بشكلٍ حاسم، وبدأ بتكوين تفاصيله ومحدداته منذ عقود، من خلال نماذج الحروب والصراعات الحديثة.

البعد الخامس في الصراع ليس بعدًا ماديًا أو إفتراضيًا معرَّفًا بشكلٍ محدد، بل هو بعد فكري تتواجه فيه الوقائع والنظريات والأفكار والخبرات والإبتكارات والفرص والتهديدات في بيئة الصراع، أي أنه كل العوامل والظروف التي يجب فهمها وقراءتها جيدًا، للتعامل معها وإدارتها والإستفادة من فرصها وإبعاد تهديداتها، ولكن ليس ضمن منظور تقليدي، بل من خلال نوع فريد من الإدراك والوعي المُهجَّن، الذي يتفوق على كل المعايير والإعتبارات التقليدية السياسية والعسكرية والعلمية والإقتصادية المعروفة، والجدير ذكره هنا، أن القوة في هذا البعد تتمثَّل بخليط من العوامل الأيديولوجية والدينية والحضارية والثقافية، والتي تشكِّل المزيج الذي لا يقهر معنويًا ولو هزم ماديًا، وهزيمة العدو في هذا البعد قد تحتاج إلى عملية تاريخية مفصلية وطويلة الأمد لفكفكة عناصر قوته، وتدميرها، وجعلها بلا قيمة في الوعي الجماهيري ولوقتٍ طويل.

كان البعد الخامس حاضرًا في معظم الصراعات الكبرى عبر التاريخ، لكنه كان موزعًا بين مفاهيم متفرقة، ولم يتم تنظيمه وضبطه وجمعه ضمن نظرية واحدة تفسِّر آلية عملة، لقد كان هناك مؤشرات مبكرة للبعد الخامس، وبصمات تاريخية لم تكن واضحة حينها، مع ذلك يمكن ملاحظة تجليات هذا البعد في العديد من الصراعات والحروب المشهورة، مثل الفتوحات الإسلامية، الحروب الصليبية، حتى أيضًا في الحرب العالمية الثانية وأثناء الحرب الباردة. 

لقد قارب “صموئيل هنتغتون” هذا البعد في كتابه الشهير”صدام الحضارات” حين اعتبر أن الإقتصاد لم يعد التفسير الوحيد للصراع، وأن الثقافة والهوية والحضارة هم من أقوى محركاته، وافترض هنتغتون أن خطوط الصدع الحضارية ثابتة وواضحة، بينما البعد الخامس فيفترض أنه من غير المنطقي أن تكون خطوط وحدود الصراع ثابتة، بل يعاد رسمها وصياغتها بشكلٍ مستمر، وفقًا للخلافات والإختلافات والتي قد تنشأ بين الحضارات أو ضمن الحضارة نفسها.

بعد “هنتنغتون”، اعتبر “فرانسيس فوكوياما” في كتابه “نهاية التاريخ  والإنسان الاخير” أن التاريخ بوصفه صراعًا بين النماذج الايديولوجية الكبرى قد وصل إلى نهايته بإنتصار الديموقراطية الليبيرالية والرأسمالية على منافسيهما، وقد تأكَّد ذلك بعد تفكك الإتحاد السوفياتي، وهو يرى أن البشرية عبر التاريخ قد جربت نماذج كبرى للحكم، ولكنها سقطت جميعها حين تفوقت عليها الديموقراطية الليبيرالية، والتي أصبحت النموذج النهائي الذي لا يتفوق عليه أو ينافسه أي بديل ايديولوجي آخر. أما البعد الخامس فلا يعترف بأن الصراع قد انتهى، إنما تغير شكله أو انتقل إلى ميادين أخرى، مثل الإدراك والوعي، التكنولوجيا، الإعلام، الروايات والسرديات….. وخير دليل على ذلك، عودة هذا الصراع في أوكرانيا ومناطق أخرى  من العالم، منقادًا بنماذج جديدة من الروايات والاسباب على الرغم من سقوط الشيوعية، (وأقصد بالنماذج الجديدة الحديث عن الذاكرة التاريخية، الكنيسة الارثوذكسية الشرقية، القومية السلافية …. كعناوين لأسباب الحرب).

تقود الأيديولوجيا المواجهة في البعد الخامس، كونها العامل الاقوى ولكن ليس الوحيد، ومن لا يدرك أو يعترف بذلك، سيجد نفسه محاطًا بكثير من الوقائع الغامضة والنتائج غير المرضية التي لن يجد لها تفسيرًا بعد كل جولة، فالأيديولوجيا لا تُختزل في كونها منظومة أفكار أو معتقدات سياسية، بل هي مجال إدراكي مستقل يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالواقع، ويُعيد تعريف إلتزاماته ومفاهيمه الأخلاقية عن الحق والباطل، والخوف والشجاعة، والهزيمة والنصر، والحياة والموت. إنها ليست فكرة يسكنها الإنسان، بل فضاء ذهني ونفسي وأخلاقي يحتويه ويصقل تفكيره، حيث تعمل القوانين الاجتماعية والنفسية بمعايير مختلفة عن تلك التي تحكم الإنسان خارج هذا المجال.

داخل هذا المجال، قد لا يعبر الموت عن الخسارة، ولا تكون الحياة دومًا هي الهدف، وتكون التضحيات والمعاناة جزءًا مهما من الرسالة والقضية الكبرى، فلا يُقاس النجاح بالإعتبارات المادية والسلامة الجسدية، بل وفق نظرة خاصة تُعيد ترتيب الأولويات، وتمنح الأفعال وردات الفعل معاني مختلفة، لذلك فإن الأيديولوجيا لا تغيّر ما يفكر به الإنسان فحسب، بل تغيّر كيف يدرك الواقع، وكيف يفسر الأحداث، وكيف يتقبل النتائج ويحوّلها إلى خلاصات وجدانية سامية. وتحتاج الأيديولوجية إلى “جاذبية إستراتيجية” حيث يتم دمج تفاصيلها ومكنوناتها ومفاهيمها بأفكار وممارسات حضارية وفلسفية وفنية وثقافية وإجتماعية، تشكِّل الوعاء الذي يميّزها ويحميها من أي دخيل فكري أو مادي.    

من خلال فهم البعد الخامس، قد نجد تفسيرًا لماذا أخطأت قوى عسكرية عظمى عبر التاريخ عندما قدَّرت قوة خصومها بإعتبارات مادية، بينما تجاهلت الأيديولوجيا التي تعتبر العامل الأكثر تأثيرًا، فقد تستطيع دولة أن تقدِّر عدد الدبابات والطائرات والصواريخ عند العدو، ولكنها تعجز عن قياس فعالية فكرة واحدة في تشكيل سلوك وردات فعل ملايين البشر، وتحديد قدرتهم على الصمود والثبات.

لقد غيرت الأيديولوجيات مجرى التاريخ مرارًا، فالثورات الكبرى لم تبدأ بتفوق عسكري، بل بتحول كبير وجريء في الوعي الجماعي، والإمبراطوريات لم تتوسع بالقوة وحدها، بل بقوة الفكرة التي منحت أتباعها شرعية وأعطتهم رسالة، كما أن حركات التحرر الوطني، والثورات السياسية، وحتى التنظيمات المتطرفة، استمدت جانبًا كبيرًا من قدرتها على الإستمرار من منظومات أيديولوجية أعادت تعريف التضحية والولاء والغاية والأهداف النهائية.

إن أخطر ما في الأيديولوجيا أنها لا تضيف دافعًا جديدًا للإنسان، بل تعيد ترتيب جميع دوافعه، فهي قد تحول الخوف إلى شجاعة، واليأس إلى صمود، والخسارة إلى تضحية، وقد تُسخّر المعرفة للبناء أو للهدم بحسب مضمونها، ولهذا السبب لا يمكن تصنيف الأيديولوجيا بأنها خير مطلق أو شر مطلق، فهي أداة تضخيم هائلة، يتحدد أثرها بطبيعة الأفكار والقيم التي تحملها. لذلك، فإن فهم الصراعات المعاصرة لا يكتمل عبر دراسة موازين القوى العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية وحدها، فهذه العناصر تفسر قدرة الأطراف على القتال، لكنها لا تفسر دائمًا إرادة القتال، وبين القدرة والإرادة تجد الأيديولوجيا دورها بوصفها القوة الكامنة غير المرئية، والتي قد تدفع مجتمعًا إلى الصمود رغم الكلفة الباهظة، أو تدفع أفرادًا إلى الإبداع في التضحية، أو تُستغل لتبرير أقصى درجات العنف وإلغاء إنسانية الخصم.

وعليه، فإن أي تقدير استراتيجي يتجاهل البنية الأيديولوجية للخصم يبقى تقديرًا ناقصًا، لأنه يقيس ما يملكه الخصم، ولا يقيس ما يؤمن به، وفي كثير من محطات التاريخ، لم تكن الكفة تميل لمن امتلك أكبر ترسانة، بل لمن امتلك الفكرة الأكثر قدرة على تشكيل السلوك الجماعي والمحافظة على الإرادة تحت الضغط. كان من المفيد أن تُصنّف “الايديولوجيا” كأحد أهم عناصر وأدوات القوة الوطنية، وربما جرى إستبعادها كونها قيمة غامضة غير موجودة لدى الغرب، لذلك لم يتم الإعتراف بها.

لم يُضعف القرن الحادي والعشرين دور الأيديولوجيا، رغم هيمنة الذكاء الاصطناعي ووجود الحرب السيبرانية والتقنيات المتقدمة في التأثير في الوعي الجماهيري والقدرة على قلب الحقائق، بل منحها أدوات انتشار وتأثير غير مسبوقة. ولذلك قد تكون الأيديولوجيا اليوم أحد أهم المتغيرات الاستراتيجية التي ينبغي أن تُدرج في نماذج تحليل القوة وصناعة القرار، ليس باعتبارها مجرد فكر، بل باعتبارها مجالًا يعيد تشكيل الإنسان نفسه، فيستطيع التكيُّف مع كل هزيمة أو نصر، باعتبار أن أي من النتيجتين هما قدر مكتوب، وربما غاية، تزيد من عظمة الرسالة والمهمة وتُضفي عليها سحر ورومانسية عقائدية. 

لم تعد المواجهة في صراعات القرن الحادي والعشرين بين قوتين ماديتين فقط، بل مواجهة بين البعد المادي للصراع والبعد الوجداني الذي يمنح القوة معناها واتجاهها وقدرتها على الصمود، فالبعد المادي يحدد القدرة على القتال والبعد الوجداني يحدد القدرة على الاستمرار، البعد المادي يفرض الواقع ويظهر الحقائق المادية، بينما البعد الوجداني يفسر الواقع ويمنح التضحية مبرره،. لكن القوة الكبرى تظهر عندما يتحالف البعدان، فالمادة تمنح الأيديولوجيا القدرة، والأيديولوجيا تمنح المادة الإرادة والإستمرارية.

في البعد الخامس، تحتاج كل قوة إلى فلسفة الصراع، وهنا يكمن السر في التفوق، فهذا البعد ليس فقط مجرد مجال إضافي للصراع، بل هو المستوى الذي يحدد ماهية الصراع نفسه، أي القدرة على إنتاج المعنى، وتحديد طبيعة المواجهة، وصياغة الرواية التي تفسّر لماذا يُقاتل الأطراف، وما الهدف النهائي الذي يسعون إليه، ومن ينجح في التفوق في هذا البعد لا يملك فقط قوة المواجهة، بل يملك القدرة على ضمان استمرارية مشروعه عبر الزمن.

هناك عدة عوامل وشروط لبناء القوة في البعد الخامس، ولطرح فلسفة صراع وغاية تستطيع الصمود في وجه القوة المادية المتفوقة، فهذا البعد هو المجال الذي تتصارع فيه الأطراف على إرادة الإنسان وإدراكه ومعنى الصراع بالنسبة له، وليس فقط على الأرض أو الموارد، وهناك عدة أعمدة تدعم وتعزز فلسفة الصراع عند أي جهة، وهذه الأعمدة هي:

  1. وجود الرسول، المرشد، القائد، الرمز.
  2. وجود الرسالة، والتي يجب أن تتِّسم بالشرعية، وهي الأسمى والتي تسقط حولها كافة معايير الخسارة والهزيمة.
  3. وجود عدو أو تهديد، كونه المحفّز لكل الجهود والتضحيات المقدمة.
  4. الالتزام كنقاء فكري وليس كعامل قسري.
  5. التضحية مع ما يرافقها مع مشاعر بطولية ووجدانية، كنموذج مثالي للإنضباط، كونها بحد ذاتها أحد الغايات لتحقيق الذات في مجتمع معين.

إضافةً إلى هذه الأعمدة الخمسة، هناك عناصر إضافية يمكن أن تقوّي البناء النظري للبعد الخامس، وهي ليست بديلة عنها، لكنها تشرح كيف تنتقل الفلسفة من فكرة إلى قوة استراتيجية مستمرة، ونعطي مثلًا:

  1. الذاكرة التاريخية، أي إسترجاع الماضي بإسلوب هادف لصناعة الحاضر والمستقبل، ماذا حدث واين تكمن القضية الكبرى، وما الدروس والحقائق التي لا يجب أن تُنتسى.
  2. قوة الرواية، والسيطرة على تفسير الأحداث والنتائج، أي قلب الحقائق وتشكيل واقع قد يكون مخالفًا للحقيقة، ولكنه يتناسب مع السياق العام الذي يراد تعميمه، ومن يفرض الرواية يؤثر في الإدراك والوعي.
  3. الوعد، أي المستقبل المتخيل الذي يبرر الحاضر، إن أي مشروع طويل الأمد يحتاج إلى صورة للمستقبل، ماذا سنصبح؟ ما العالم الذي نريد بناءه؟ لماذا نتحمل كلفة وتضحيات اليوم؟
  4. الطقوس والرموز الجماعية، حيث أن الجموع الغفيرة تبرز القوة والشمولية والتسليم النهائي، فيتم دمج الفكرة مع سلوك جماعي يصبح عادة متأصلة، خاصة وفريدة، ولكن بنفس الوقت لها جاذبيتها ومذاقها المميز، فالافكار تبقى ضعيفة إن لم تحول إلى ممارسات ورموز وشعارات وسلوكيات تعزز الوحدة والإنتماء والفرادة، وتضمن البقاء عبر الزمن من خلال الممارسات والسلوكيات المتوارثة عبر التاريخ.

تحتاج القوة في البعد الخامس إلى حاضنة إستراتيجية تاريخية، وحالة وعي مزمنة متأصلة في الوجدان والضمير، ولم يعد مقبولًا إستثناء أو تجاهل هذا البعد في التخطيط للحروب وشن الحملات، وينبغي أن يصبح البعد الخامس جزءًا أصيلًا من عمليات تقدير الموقف، وصياغة الاستراتيجيات الوطنية، والتخطيط للحملات العسكرية، وإدارة الصراعات، بحيث تُقاس القدرة القتالية للدولة ليس فقط بما تمتلكه من وسائل القوة المادية، بل أيضًا بما تمتلكه من قدرة على بناء السردية، وتعزيز التماسك المجتمعي، وإدارة الإدراك، وتحويل الإرادة الوطنية إلى عنصر قوة مستدام.

يبقى السؤال الأخير والأهم بالنسبة لصناع القرار، كيف يمكن أن نهزم العدو في البعد الخامس إذا امتلك أيديولوجيا وعناصر قوة متفوقة؟ إن هزيمة الخصم في هذا البعد، لا تتحقق بمحاولة تدمير أفكاره وقناعاته بالقوة العسكرية وحدها، لأن الأفكار لا تُهزم بالنار والحديد، بل تُهزم عندما تفقد قدرتها على الإقناع والتعبئة واكتساب الشرعية. ومن هنا، فإن الانتصار في البعد الخامس يتطلب بناء أيديولوجيا وطنية أكثر جاذبية، وسردية أكثر مصداقية، ونموذجًا سياسيًا واجتماعيًا أكثر قدرة على استقطاب الإنسان من منافسيه. فالصراع الحقيقي لم يعد يدور فقط على الحياة، بل على معناها، ولم يعد يدور فقط على الإنسان، بل على قناعاته وهويته ومستقبله.

إن التحدي الأكبر أمام الجيوش وخبراء الأمن والدفاع وصنّاع القرار خلال العقود القادمة، لن يكون امتلاك أسلحة أكثر تطورًا، بل امتلاك القدرة على فهم هذا البعد وإدارته والخوض في غماره والعبث بتفاصيله، فالدولة التي تتقن إدارة البعد الخامس تستطيع أن تحقق أهدافها بأقل كلفة، وأن تُضعف خصومها قبل اندلاع الحرب، وأن تجعل النصر السياسي والفكري يسبق النصر العسكري، وربما يكون هذا هو التحول الأكبر في علم الصراع خلال القرن الحادي والعشرين، حيث يصبح العقل ساحة المعركة الأولى، وتصبح الإرادة مركز الثقل الحقيقي، ويغدو البعد الخامس الإطار الذي يعيد تعريف مفهوم القوة والانتصار من خلال إعادة تعريف الغايات النهائية التي تضمن النصر وحماية المصالح في الحروب الحديثة.