من “العقاب الذهبي” إلى “نسر الأناضول”.. مسار التقارب العسكري المصري التركي يتسارع

تشهد العلاقات العسكرية بين مصر وتركيا زخمًا متصاعدًا، في إطار مسار متسارع لتعزيز التعاون الدفاعي بين البلدين، شمل خلال الأشهر الأخيرة تدريبات مشتركة مكثفة، وزيارات رفيعة المستوى، وتوقيع اتفاقيات تؤسس لشراكة استراتيجية طويلة الأمد.

زيارة تاريخية لوزير الدفاع المصري إلى أنقرة

جاءت أحدث محطات هذا التقارب مع الزيارة الرسمية التي أجراها الفريق أشرف سالم زاهر، القائد العام للقوات المسلحة المصرية ووزير الدفاع والإنتاج الحربي، إلى العاصمة التركية أنقرة في 13 يوليو/ تموز 2026، حيث استقبله نظيره التركي يشار غولر بمراسم عسكرية رسمية في مقر وزارة الدفاع الوطني التركية.

وعقد الوزيران مباحثات مغلقة تناولت سبل توسيع التعاون بين الجيشين في مجالات التدريب وتبادل الخبرات والصناعات الدفاعية، إضافة إلى قضايا إقليمية ذات اهتمام مشترك، قبل أن يوقع الجانبان مذكرة تفاهم للتعاون الدفاعي تضع إطارًا مؤسسيًا لتطوير العلاقات العسكرية بين البلدين خلال المرحلة المقبلة.

وتمثل هذه الزيارة أول زيارة لوزير دفاع مصري إلى تركيا منذ عام 2013، وأول زيارة خارجية للفريق زاهر منذ توليه منصبه في 11 فبراير/ شباط 2026 خلفًا للفريق عبد المجيد صقر.

توقيع خطاب نوايا للتعاون في الصناعات الدفاعية

شملت الزيارة أيضًا لقاءً مع رئيس هيئة الصناعات الدفاعية التركية خلوق غورغون، جرى خلاله بحث فرص التعاون في مجال التصنيع العسكري وتطوير القدرات المشتركة، تُوّج بتوقيع خطاب نوايا بين هيئة الصناعات الدفاعية التركية وهيئة الاستخبارات العسكرية المصرية لتعزيز التعاون في هذا المجال. كما اطّلع الوفد المصري على أحدث التقنيات العسكرية التركية خلال زيارات ميدانية لعدد من كبرى الشركات الوطنية للصناعات الدفاعية.

وعلّق غورغون على الخطوة بالقول إن خطاب النوايا “سيحدد إطار التعاون بين الطرفين خلال المرحلة المقبلة”، مؤكدًا أن التعاون في مجال الصناعات الدفاعية سيسهم في تعزيز الأمن الإقليمي وتطوير القدرات المتبادلة للبلدين.

تعاون عسكري متعدد المسارات

وفي الشهر الماضي، استضافت القاهرة الاجتماع الخامس للجنة التعاون العسكري المصرية التركية، بمشاركة رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية الفريق أحمد خليفة، ورئيس هيئة الأركان العامة التركية الفريق أول سلجوق بيرقدار أوغلو، حيث ناقش الجانبان آليات توسيع التعاون العسكري ووقّعا محضر اجتماع تضمن تنفيذ عدد من الأنشطة المشتركة في مجالات التدريب ونقل الخبرات.

وعلى صعيد التدريبات المشتركة، نفذت القوات المسلحة في البلدين خلال الأشهر الماضية سلسلة مناورات، أبرزها تدريب “العقاب الذهبي” (Golden Eagle) بمشاركة قوات المظلات والصاعقة المصرية والقوات الخاصة التركية، الذي ركز على توحيد المفاهيم العملياتية وتبادل الخبرات التكتيكية. كما نفذت القوتان الجويتان في البلدين تدريبًا جويًا مشتركًا فوق الأراضي المصرية شمل طلعات جوية بمقاتلات متعددة المهام، في أول تحليق لمقاتلات تركية فوق القاهرة ضمن تدريبات مشتركة منذ أكثر من عقد.

وفي يونيو/ حزيران الماضي أيضًا، شاركت القوات الجوية المصرية في تدريب “نسر الأناضول 2026” الذي استضافته تركيا بمشاركة أذربيجان وطائرة إنذار مبكر تابعة لحلف الناتو، وتضمن عمليات هجومية ودفاعية والتزود بالوقود جوًا واعتراض الطائرات المسيّرة وتقديم الإسناد الجوي للقوات البرية. كما شاركت قوات خاصة من البلدين، إلى جانب دول أخرى، في تدريب “فلينتلوك 2026” بمدينة سرت الليبية.

تصريحات رسمية تركية

وأكدت وزارة الدفاع التركية أن التدريبات المشتركة والزيارات المتبادلة أسهمت في تعزيز قابلية التشغيل البيني بين القوات المسلحة المصرية والتركية، وزيادة القدرات العملياتية المشتركة، وتوسيع مجالات التعاون في الدفاع والأمن والصناعات العسكرية. وقال المتحدث باسم الوزارة زكي آق تورك، في إحاطة إعلامية الخميس، إن التعاون العسكري “اكتسب زخمًا كبيرًا” نتيجة الزيارات المتبادلة الرفيعة المستوى بين البلدين مؤخرًا، موضحًا أن جهود التوسع تستهدف تعزيز الحوار في مجال الدفاع والأمن، وأنه جرى اتخاذ خطوات ملموسة في مجالات التدريب والعمليات المشتركة والصناعات الدفاعية.

من الإطار السياسي إلى الصفقات الملموسة

يأتي هذا التقارب العسكري امتدادًا لما شهدته العلاقات الثنائية خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة في فبراير/ شباط 2026، حيث وقّع الرئيسان عبد الفتاح السيسي وأردوغان اتفاقية عسكرية إطارية لتطوير التعاون الدفاعي.

وتُرجمت تلك الاتفاقية إلى صفقة دفاعية موقعة بين هيئة الصناعات الميكانيكية والكيميائية التركية (MKE) ووزارة الدفاع المصرية بقيمة إجمالية بلغت 350 مليون دولار، تتضمن تصدير نظام الدفاع الجوي قصير المدى “TOLGA” بقيمة 130 مليون دولار، وهو نظام معياري (Modular) مصمم لكشف وتتبع واعتراض التهديدات الجوية المتنوعة، وبخاصة الطائرات المسيّرة والأهداف منخفضة الارتفاع، وسبق أن صدّرته تركيا إلى قطر مطلع 2026. أما القيمة المتبقية من الصفقة، البالغة 220 مليون دولار، فتُخصص لإنشاء مصنع مشترك لإنتاج ذخائر المدفعية عيار 155 ملم طويلة المدى، إلى جانب خطوط إنتاج لذخائر عيار 7.62 و12.7 ملم داخل مصر، عبر شركة مشتركة تُدار من الجانبين بهدف “تعزيز القدرة التصديرية في مصر والمنطقة المحيطة”.

كما أشارت تقارير إلى مباحثات إضافية بين الجانبين للتعاون في تصنيع الطائرات المسيّرة، من بينها منظومة “تورخا” العمودية الإقلاع التابعة لشركة هافيلسان، إلى جانب دراسة فرص المشاركة المصرية في تطوير وإنتاج المقاتلة التركية الشبحية من الجيل الخامس “قآن” (KAAN)، فضلًا عن اتفاقات موازية تشمل افتتاح شركة أسيلسان التركية مقرًا لها بالقاهرة لأنشطة الحرب الإلكترونية وتحديث الدبابات — في خطوة تعكس اتساع آفاق الشراكة الدفاعية بين القاهرة وأنقرة إلى ما هو أبعد من التبادل التجاري التقليدي، نحو تصنيع مشترك وتكامل صناعي طويل الأمد.