الرئيس التنفيذي لشركة “لوكهيد مارتن الشرق الأوسط” لـ”دفاع العرب”: القدرة السيادية تبدأ بالأفراد لا بخطوط التجميع

ستة عقود من الشراكة في الشرق الأوسط كانت كفيلة بأن تثبت لشركة لوكهيد مارتن بأن الثقة تبنى من خلال الوقت لا بالصفقات فقط، بل من خلال الأفراد والمخاطرة المشتركة والمتابعة المستمرة. تسلّم دانيال موتون، نائب الرئيس والرئيس التنفيذي لشركة لوكهيد مارتن الشرق الأوسط، مهامه في يناير/كانون الثاني 2026 وهو يضع هذا المبدأ نصب عينيه. فبدلاً من افتتاح ولايته بعرض تقديمي عن منتجات الشركة، نظّم أسبوعاً صناعياً في أبوظبي جمع شركات التكنولوجيا المحلية والشركاء الحكوميين ومهندسي لوكهيد مارتن لبحث سبل التطوير المشترك، في إشارة تعكس تحولاً أوسع يشهده قطاع الدفاع في المنطقة.

تتجه دول الخليج كافة، من الإمارات إلى قطر والكويت، نحو بناء القدرات السيادية وعدم الاكتفاء بمجرّد اقتنائها. فهي تسعى إلى تدريب مهندسيها وبناء مورّديها المحليين، وصولاً إلى تشكيل الأنظمة التي تشغّلها لا مجرد اقتنائها. وفي هذا الحوار مع “دفاع العرب”، يتحدث موتون عن كيفية تكيّف لوكهيد مارتن مع هذا التحول من خلال مبادرات عدة، من بينها مركز الابتكار وحلول الأمن في أبوظبي، واتفاقية تصميم الشرائح الموقعة مع توازن ومجموعة “إيدج”، ومركز التميز في الأمن السيبراني الجديد مع “داتا7″، وخطاب النوايا الموقّع مع مجموعة برزان القطرية. كما يوضح ما تتطلبه عملية التوطين الحقيقية بما يتجاوز خطوط التجميع، والفرص قريبة المدى في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل والفضاء والأمن السيبراني والأنظمة المستقلة، إضافة إلى الصورة التي ينبغي أن يكون عليها حضور لوكهيد مارتن الموطّن في المنطقة بعد 5 سنوات من الآن.

1. تتمتّع لوكهيد مارتن بحضور في المنطقة يمتدّ لأكثر من ستة عقود. كيف أسهم هذا الإرث في بناء علاقاتها اليوم؟؟

اتخذت قراراً واعياً بشأن كيفية بدء مهامي عندما تولّيت قيادة لوكهيد مارتن الشرق الأوسط في يناير/كانون الثاني 2026. لم أختر الانطلاق بعرض تقديمي عن منتج، ولم أركّز على بيع منصة رئيسية. بل استضفت أسبوعاً صناعياً في أبوظبي، جمعت خلاله شركات التكنولوجيا المحلية والشركاء الحكوميين ومهندسي لوكهيد مارتن لبحث سبل البناء المشترك.

وتحمل هذه الخطوة رسالة واضحة: لا يريد شركاؤنا في المنطقة شراء الأنظمة الدفاعية فحسب، بل يسعون إلى بناء القدرة على صيانتها وتطويرها، والمساهمة عند الاقتضاء في تطويرها محلياً. وعلى دور لوكهيد مارتن في هذه المنطقة أن يتطور تبعاً لذلك، من مورّد إلى شريك صناعي حقيقي.

ويستند هذا النهج إلى أكثر من ستة عقود من الشراكة عبر أنحاء الشرق الأوسط. وبالنسبة لي، لا يمثّل هذا التاريخ مفهوماً مجرداً، إذ أمضيت جزءاً كبيراً من مسيرتي المهنية في هذا الجزء من العالم، وعاينت هذه العلاقة من أكثر من زاوية. فقد نضجت علاقاتنا على مدى هذه الفترة من مجرد تسليم المنصات إلى تعاون أعمق يشمل التدريب والصيانة والتكنولوجيا والمشاركة الصناعية وتطوير القوى العاملة.

ننظر اليوم إلى المنطقة لا بوصفها سوقاً فحسب، بل مجتمعاً من الشركاء طويلي الأمد الذين يشكّلون معنا مستقبل الأمن. ونركّز، من الإمارات إلى قطر والكويت وما بعدهما، على بناء شراكات راسخة تدعم أولويات الدفاع الوطني والتنمية الاقتصادية والقدرات السيادية. وتتسم الثقة في هذه المنطقة بطابع شخصي، وتُكتسب عبر الوقت لا بمجرد توقيع عقد. وهذا هو الأساس الذي نبني عليه.

ويمثّل هذا المبدأ جوهر رؤيتنا لـ”أمن القرن الحادي والعشرين”، القائمة على ربط التقنيات المتقدمة والعلاقات الموثوقة والشراكات الصناعية لتعزيز الردع والجاهزية.

2. تستثمر لوكهيد مارتن في تنمية الكفاءات البشرية والقدرات التصنيعية والتكنولوجيا، أيٌّ من هذه الرّكائز يمثّل، برأيكم، الأساس في بناء صناعة دفاعيّة وطنيّة قويّة؟

تكتسب العناصر الثلاثة جميعها أهمية، غير أن الأفراد يمثّلون عامل المضاعفة الذي يتجاوز أثره أي مشروع بعينه. فالتكنولوجيا توفّر الميزة التشغيلية، والتصنيع يوفّر الأساس الصناعي، لكن لا يمكن الحفاظ على أي منهما بمرور الوقت من دون قوى عاملة وطنية ماهرة.

وتعتمد الصناعة الدفاعية الوطنية القوية على مهندسين وفنيين ومطوّري برمجيات ومشغّلين وقادة قادرين على استيعاب التقنيات المتقدمة وصيانتها وتكييفها، وتطويرها لاحقاً. وهنا يصبح التوطين حقيقياً واقعياً، فهو لا يقتصر على مكان تجميع المنتج، بل يتعلق بمدى امتلاك الدولة المواهب والبنية التحتية والثقة المؤسسية اللازمة لصون القدرات الحيوية وتطويرها عبر عقود.

وقد اعتمدنا هذا النهج في الإمارات من خلال مركز الابتكار وحلول الأمن في أبوظبي، الذي دعم التدريب العملي والإرشاد والابتكار التطبيقي في مجالات عدة، من بينها التحليل العملياتي والتعلّم الآلي والذكاء الاصطناعي وتطبيقات الطيران والدفاع. والجدير بالذكر أن نقل المعرفة ليس اتجاهاً واحداً، إذ ساهمت المشاريع التي طورها المتدربون والمهندسون الشباب في المنطقة في إثراء تفكير لوكهيد مارتن وتطبيقاتها في الولايات المتحدة.

ونطبّق النموذج ذاته في مواقع أخرى من المنطقة. ووقّعنا خلال معرض “ديمدكس 2026” في قطر خطاب نوايا مع مجموعة برزان يعكس تركيزاً مشتركاً على تطوير المهارات والتعلّم التطبيقي وتبادل المعرفة كأساس لبناء القدرات السيادية طويلة الأمد، بما يتماشى مع أولويات القوات المسلحة القطرية وأهداف قطر الأمنية بعيدة المدى.

لا بدّ للتكنولوجيا والتصنيع والأفراد من التحرك معًا. ولكن إن سألتني عمّا يجعل الصناعة الدفاعية الوطنية قادرة على الصمود، فإجابتي واضحة: يبدأ الأمر بالأفراد.

3. يتجه الشركاء الإقليميون بشكل متزايد نحو التصنيع على أراضيهم لا الاكتفاء بالمنتجات النهائية. كيف تعرّف لوكهيد مارتن التوطين الحقيقي؟ وكيف تتجاوزون التجميع نحو قدرة محلية فعلية؟

نعني بالتوطين الحقيقي، من وجهة نظرنا، بناء قدرة قابلة للنقل تشمل المواهب المحلية والموردين المحليين وقدرات الصيانة المحلية والعمق الهندسي، إضافة إلى التصنيع المتقدم والتعاون التكنولوجي حيثما توفّر أساس استراتيجي وتجاري وتنظيمي واضح.

وتتقارب الاستراتيجيات الوطنية عبر دول مجلس التعاون الخليجي حول التحول الاقتصادي القائم على بناء قدرة صناعية محلية. ويمثّل هذا تحولاً كبيراً في ما يتوقعه شركاؤنا من علاقاتهم الدفاعية. فلم يعد النموذج التقليدي، القائم على اقتناء الدولة نظاماً جاهزاً واعتمادها على الصيانة الخارجية، يلبي احتياجات عملائنا بشكل كامل، ولا يتلاءم مع تعقيد بيئة التهديدات التي يواجهونها.

ونعمل استجابةً لذلك مع شركائنا لتحديد المواضع التي يمكن أن تقدم فيها لوكهيد مارتن قيمة صناعية حقيقية، وقد تشمل التدريب والصيانة وتطوير الموردين والدعم الهندسي وقدرات البرمجيات والتصنيع المتقدم أو مسارات منظمة نحو الإنتاج المشترك.

وتمثّل الإمارات مثالاً جيداً على ذلك. فقد أعلنت لوكهيد مارتن وتوازن، في معرض “اصنع في الإمارات” في أبوظبي، عن مبادرتين مهمتين: اتفاقية استراتيجية مع مجموعة إيدج وجامعة خليفة لإنشاء منشأة لتصميم وتجميع الشرائح، ومركز تميز في الأمن السيبراني تم تطويره بالتعاون مع “داتا7” بالتنسيق مع مجلس الأمن السيبراني الإماراتي. وتمثّل هذه الشراكات بالضبط النوع الذي يتجاوز تسليم المنصات نحو تكنولوجيا عالية القيمة وتطوير للقوى العاملة وقدرة سيادية.

وهذا هو المعيار الذي نعتمده: يجب أن يبني التوطين قدرة دائمة، لا نشاطاً مؤقتاً.

4. أين ترون أقوى الفرص القريبة المدى لتوسيع حضور لوكهيد مارتن عبر أسواقكم، من الخليج إلى الأردن والعراق وغيرهما؟

تكمن أقوى الفرص قريبة المدى عبر الشرق الأوسط في الابتكار والقدرات المتقدمة التي تستجيب مباشرة لبيئة التهديدات المتطورة في المنطقة. ويركّز شركاؤنا على الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل والقوة الجوية والقيادة والسيطرة والأمن البحري والصمود السيبراني والقدرات المعتمدة على الفضاء، إضافة إلى تقنيات ناشئة كالذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة.

ولا تمثّل هذه المتطلبات احتياجات منعزلة، بل قدرات مترابطة يجب أن تعمل عبر البر والجو والبحر والفضاء الإلكتروني والفضاء الخارجي، مع الحفاظ على قابلية التشغيل البيني بين القوات المسلحة الوطنية والشركاء الإقليميين والقوات الحليفة. ويكتسب هذا الأمر أهمية متزايدة مع مواجهة المنطقة تهديدات صاروخية ومسيّرة وسيبرانية غير متماثلة أكثر تعقيداً، تتطلب صنع قرار أسرع وتكاملاً أكبر وشبكات تشغيلية أكثر صموداً.

ولا يعني توسيع حضورنا، بالنسبة للوكهيد مارتن، مجرد زيادة حضورنا المؤسسي، بل يعني مساعدة الشركاء على تشغيل القدرات المتقدمة وصيانتها وتكييفها، بما يعزز ردعهم وجاهزيتهم. ويخدم هذا العمل أولويات شركائنا أولاً، أي أمنهم وسيادتهم وحرية عملهم في بيئة معقّدة. ويتسق ذلك أيضاً مع الالتزام الأمريكي التاريخي بتعزيز قدرات الشركاء وقابلية التشغيل البيني، إلا أن نقطة الانطلاق تظل دوماً ما تسعى كل دولة إلى تحقيقه لنفسها.

وتتركز أكثر الفرص إلحاحاً في الخليج، حيث يتقدم التحديث الدفاعي المتقدم والطموح الصناعي جنباً إلى جنب. وتتطلع أسواق مهمة أخرى إلى دعمنا لتعزيز الجاهزية والصيانة والتدريب والتحديث الشامل.

ونرى في الإمارات فرصاً كبيرة في التعاون التكنولوجي المتقدم، بما يشمل أشباه الموصلات والأمن السيبراني والصمود الرقمي. وتعكس الاتفاقيات الموقعة مع توازن في معرض “اصنع في الإمارات”، التي تنتقل الآن من التوقيع إلى التنفيذ، هذا التوجه وتُظهر كيف يمكن للشراكات الصناعية الدفاعية أن تدعم الأمن والأولويات الاقتصادية معاً.

ويبقى القاسم المشترك هو القدرة. إذ يبحث عملاؤنا عن شركاء موثوقين قادرين على تقديم تقنيات متقدمة، ودمجها في بيئات تشغيلية معقّدة، والمساهمة في بناء المهارات المحلية والقاعدة الصناعية اللازمة لصونها بمرور الوقت.

5. بعد خمس سنوات من اليوم، كيف تتصورون حضور لوكهيد مارتن في الشرق الأوسط؟

ينبغي، بعد خمس سنوات من الآن، ألا يُقاس حضور لوكهيد مارتن الأكثر توطناً في الشرق الأوسط بالأنظمة التي نسلّمها فقط، بل بالقدرات التي نساهم في بنائها.

ويعني ذلك مزيداً من المواهب الإقليمية المدربة على التقنيات المتقدمة، ومزيداً من الشركات المحلية المندمجة في سلاسل التوريد ذات الصلة، ومزيداً من أعمال الصيانة والدعم الهندسي والابتكار التطبيقي التي تجري داخل المنطقة، ومزيداً من الشراكات التي تساعد الدول على تعزيز جاهزيتها مع النهوض بطموحاتها الصناعية الخاصة.

ويعني ذلك أيضاً شكلاً أعمق وأكثر واقعية من التعاون. فلم يعد شركاؤنا يكتفون بدور المشغّل وحده، إذ يعتزمون بمرور الوقت تشكيل القدرات التي يشغّلونها والمساهمة في تطويرها. ويمثّل هذا حقاً ومسؤولية، الأمر الذي يتطلب استثماراً طويل الأمد وعلاقات موثوقة وفهماً واضحاً لأولويات كل دولة وإطارها المؤسسي.

وسيُقاس نجاح لوكهيد مارتن بعدد المهندسين المدرَّبين والقدرات المنقولة والطاقة المحلية المبنية والشراكات المعزَّزة. وهذا ما يمكّننا من تجاوز البرامج الفردية وبناء الأساس للجيل المقبل من التعاون الدفاعي الأمريكي الشرق أوسطي.

ولا يتمثّل هدفنا في نهاية المطاف بالحفاظ على مجرد حضور في المنطقة، بل بالبقاء شريكاً موثوقاً يساعد الدول على حل التحديات الأمنية المعقّدة، وتعزيز جاهزيتها الدفاعية، وبناء منظومات صناعية قادرة على الصمود تحقق قيمة تتجاوز أي منصة بمفردها. لقد أمضيت جزءاً كبيراً من حياتي في هذا الجزء من العالم، وتعلّمت درساً واحداً ظل ثابتاً طوال الوقت: تدوم الشراكات التي تُبنى على الاحترام والحضور والمتابعة. وهذا هو المعيار الذي أريد أن تُقاس لوكهيد مارتن وفقه هنا.