دول الخليج تسارع وتيرة التسلح مع تجدد التوترات حول الحرب الإيرانية

منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في فبراير/ شباط 2026، دخلت دول مجلس التعاون الخليجي، وهي أصلاً من بين الدول الأكثر إنفاقاً على التسلح في العالم نسبة إلى حجم اقتصاداتها، مرحلة غير مسبوقة من إعادة بناء منظوماتها الدفاعية. فمنذ مارس/ آذار الماضي وحتى اليوم، تسارعت وتيرة صفقات الشراء والانتشار العسكري في المنطقة إلى حد وصفه محللون بأنه “أوسع إعادة تقييم لاستراتيجية الدفاع الجوي الخليجي منذ عقود”، في مسعى جماعي لردع أي هجمات مستقبلية وسد الثغرات التي كشفتها الحرب في منظومات دفاع كانت مصممة أساساً لمواجهة تهديدات أقل حدة.

خلفية التصعيد: من مضيق هرمز إلى ميناء الفجيرة

لم تكن دول الخليج بمنأى عن تداعيات الحرب منذ اندلاعها. ففي 4 مارس/ آذار 2026، أعلنت وزارة الخارجية القطرية أنها رصدت، عبر تقارير وزارة الدفاع، ثلاثة صواريخ كروز و101 صاروخ باليستي و39 طائرة مسيّرة استهدفت المنطقة. وبعد عشرة أيام، في 14 مارس/ آذار، أفادت وسائل إعلام إماراتية باعتراض ناجح لهجوم استهدف ميناء الفجيرة، أعقبه اندلاع حريق نتيجة سقوط حطام إحدى المسيّرات المعترَضة. هذه الحوادث المتلاحقة، إلى جانب استمرار طهران في استهداف بنى تحتية مدنية وطاقوية عبر المنطقة، دفعت دول الخليج إلى إعادة النظر جذرياً في هندسة دفاعها الجوي والصاروخي.

الصفقة السعودية: تعزيز القدرة على مواجهة المسيّرات

وافقت وزارة الخارجية الأميركية في 15 يوليو/ تموز 2026 على صفقة بيع عسكري محتملة للسعودية بقيمة 1.96 مليار دولار (نحو 2 مليار دولار)، شملت ما يصل إلى 20 ألف مجموعة توجيه من طراز «إيه بي كيه دبليو إس 2» (APKWS-II)، موزعة بالتساوي بين نسخة جو-جو المخصصة لاعتراض المسيّرات ونسخة جو-أرض. ويحوّل نظام «إيه بي كيه دبليو إس 2» صواريخ «هايدرا 70» غير الموجَّهة عيار 70 ملم إلى ذخائر دقيقة موجَّهة بالليزر، عبر إدراج وحدة توجيه بين محرك الصاروخ والرأس الحربي، دون الحاجة لصاروخ جديد بالكامل.

وتضمنت الصفقة أيضاً منصات إطلاق طراز «LAU-131»، ورؤوساً حربية شديدة الانفجار طراز «Mk-152»، ومحركات صاروخية طراز «Mk66»، إضافة إلى صمامات تقارب وقطع غيار وتدريب. وتتولى شركة بي إيه إي سيستمز (BAE Systems)، ومقرها ناشوا في ولاية نيوهامبشير الأميركية، دور المقاول الرئيسي للصفقة. ووفق تقارير متعددة، فإن هذه ليست الصفقة الأولى من نوعها للرياض؛ إذ سبق أن حصلت على عقد بقيمة 10.7 مليون دولار عام 2019 لتزويد 23 مروحية هجوم خفيف طراز «إيه إتش-6 إس إيه»، ثم صفقة أخرى بقيمة 100 مليون دولار في مارس/ آذار 2025 شملت 2000 نظام، ما يجعل صفقة يوليو/ تموز 2026 توسعاً بعشرة أضعاف تقريباً مقارنة بالصفقة السابقة.

C-17
طائرة النقل الاستراتيجي C-17 غلوبماستر III

الكويت: صيانة أسطول النقل الاستراتيجي وتعزيز الدفاع الجوي

في اليوم ذاته، أقرّت الخارجية الأميركية حزمة منفصلة بقيمة 484 مليون دولار لصالح الكويت، لتغطية صيانة أسطولها من طائرات النقل العسكري «سي-17 غلوبماستر 3»، شملت مكونات للطائرات وقطع غيار ومعدات مناولة أرضية وأنظمة اتصالات ودعم برمجي ووقود طائرات وخدمات تدريب ولوجستيات، بهدف الحفاظ على جاهزية القدرة الكويتية على النقل الجوي الاستراتيجي التي تدعم، بحسب المسؤولين الأميركيين، العمليات الأميركية والتحالفية في المنطقة.

وتأتي هذه الصفقة في سياق أوسع من التسلح الكويتي؛ إذ كانت واشنطن قد وافقت في يناير/ كانون الثاني 2026 على حزمة صيانة ودعم فني لمنظومة الدفاع الجوي والصاروخي «باتريوت» الكويتية بقيمة 800 مليون دولار. ووفق ما أورده منتدى الخليج الدولي (Gulf International Forum)، فإن الحرب مع إيران أعادت رسم ملامح البنية الدفاعية الكويتية منذ اندلاعها في فبراير/ شباط 2026، عبر سلسلة من عمليات الاقتناء الكبرى.

عشرون صفقة على الأقل منذ مارس/ آذار

بحسب ما ذكره منتدى الخليج الدولي، ومقره واشنطن، فإن الصفقتين السعودية والكويتية تضافان إلى ما لا يقل عن 20 عملية شراء ونشر دفاعي كبرى نفذتها دول الخليج منذ مارس/ آذار الماضي، من بينها شراء قطر لأنظمة الدفاع الجوي «باتريوت»، وصفقات ذخائر وتحديثات لأسطول مقاتلات «إف-16» الإماراتي، واتفاقيات للدفاع المضاد للمسيّرات بين عدد من الدول الخليجية وأوكرانيا. ولم يفصّل التقرير الأصلي القيم المالية أو التواريخ الدقيقة لكل هذه الصفقات على حدة، ما يفتح الباب أمام تغطية لاحقة أكثر تفصيلاً لكل عملية شراء على حدة.

وفي هذا السياق، أشارت بعض التقارير المتخصصة، ومنها بحسب أحد المصادر المتابعة لملف التسلح الخليجي، إلى أن إجمالي صفقات البيع العسكري الأميركي القياسية للسعودية وحدها بلغ نحو 14 مليار دولار خلال عام 2026، فيما رخّصت واشنطن بما يقارب 25.8 مليار دولار كتحويلات أسلحة طارئة لكل من قطر والإمارات والكويت والأردن وإسرائيل مجتمعة. وهذه الأرقام التجميعية لم ترد في المصادر الرسمية المباشرة، لذا تبقى بحاجة إلى تحقق إضافي قبل اعتمادها كأرقام نهائية.

التكامل الدفاعي الجماعي: من “النسر الحازم” إلى الإنذار المبكر المشترك

لا يقتصر التحول الخليجي على التسلح الفردي لكل دولة على حدة، بل يمتد إلى تعميق التنسيق الجماعي في مجال الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل. فقد أكدت بيانات مشتركة بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون، صدرت في الأعوام الأخيرة، على أهمية العمل متعدد الأطراف في هذا المجال، بما في ذلك ما يُعرف بدراسة الإنذار المبكر الخليجية كخطوة تمهيدية نحو تكامل إقليمي أشمل. كما تُستخدم تدريبات مثل “النسر الحازم” (Eagle Resolve) كأداة لتطوير مقاربة إقليمية موحدة للدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، توصف بأنها ركيزة أساسية لحماية السكان والبنى التحتية في المنطقة.

إيدج وأكاير: الخليج يبني صناعته الدفاعية الذاتية

في موازاة موجة الاستيراد، تتحرك دول الخليج أيضاً لتعزيز قدراتها الصناعية الدفاعية المحلية. فقد أعلنت مجموعة إيدج الإماراتية، أكبر تكتل دفاعي وتقني متقدم في الدولة، في 16 يوليو/ تموز 2026، عن اتفاق للاستحواذ على كامل حصة (100%) شركة أكاير (Grupo Akaer) البرازيلية للهندسة الجوفضائية، ومقرها مدينة ساو خوسيه دوس كامبوس، مركز الصناعة الجوفضائية البرازيلية ومقر شركة إمبراير.

طائرة التدريب النفاثة "حرجيت" (Hürjet)
طائرة التدريب النفاثة “حرجيت” (Hürjet)

وتأسست أكاير عام 1992، ويعمل بها نحو 770 موظفاً، وهي معتمَدة كشركة دفاعية استراتيجية من قِبل أمانة المنتجات الدفاعية التابعة لوزارة الدفاع البرازيلية منذ عام 2013. وتراكمت لدى الشركة على مدى ثلاثة عقود أكثر من 10 ملايين ساعة هندسية، شملت مشاركتها في برامج مقاتلة «غريبن إن جي» لشركة ساب السويدية، وطائرة التدريب «هورجيت» التابعة لشركة الصناعات الجوفضائية التركية، إضافة إلى برامج «سوبر توكانو» و«كي سي-390» وطائرات «إي آر جيه» التابعة لشركة إمبراير، وطائرتي الأعمال «ليغاسي 450» و«ليغاسي 500»، فضلاً عن دعم هندسي قدّمته لبرنامج طائرة بوينغ «747-8» ولطائرة «بي-250» التابعة لشركة كاليدوس، وأسطول طائرات الاستطلاع البحري «بي-3 أورايون» التابع لسلاح الجو البرازيلي.

وقال حمد المرر، الرئيس التنفيذي والمدير الإداري لمجموعة إيدج، إن الاستحواذ يمنح المجموعة عمقاً هندسياً حقيقياً عبر فريق متخصص يمتلك خبرة ثلاثة عقود في تنفيذ برامج جوفضائية معقّدة، مؤكداً أن الأولوية تنصبّ على استمرارية عمل موظفي أكاير وبرامجها وعملائها، مع إرساء الأساس لنمو طويل الأمد. وسبق أن وقّعت المجموعتان مذكرة تفاهم في أبريل/ نيسان 2023 أرست إطاراً للتعاون المشترك في تطوير الأنظمة الجوية غير المأهولة، وهو تعاون قائم بالفعل قبل إعلان الاستحواذ.

ولا يُعد هذا الاستحواذ خطوة معزولة، بل يأتي استكمالاً لتوسع خليجي أوسع في البرازيل تحديداً؛ فقد استحوذت مجموعة إيدج على حصة 50% من شركة سيات (SIATT) المتخصصة في الأسلحة الذكية، الصانعة لصاروخ «مانسوب» المضاد للسفن وأنظمة المراقبة الساحلية والأمن البحري، في سبتمبر/ أيلول 2023، ثم استحوذت لاحقاً على كامل ملكية شركة أنافيا (ANAVIA) السويسرية المصنّعة للمروحيات غير المأهولة، قبل أن توسّع في عام 2025 منشآت إنتاج سيات عبر مقر جديد ومنشأة إنتاج تبلغ مساحتها 6000 متر مربع في ساو خوسيه دوس كامبوس ذاتها. وبضم أكاير، تُجمّع المجموعة استثماراتها البرازيلية، ما بين صواريخ سيات وهندسة أكاير، حول مدينة واحدة، لتكرّس موقعها كمركز إقليمي لبرامجها في أميركا الجنوبية.

وتعكس هذه السلسلة من الاستحواذات، التي بدأتها المجموعة الإماراتية منذ تأسيسها عام 2019، توجهاً استراتيجياً نحو تجاوز مرحلة التصنيع المرخَّص وتجميع المكونات، والانتقال إلى بناء قدرات تصميم سيادية عبر قطاعات الصواريخ والأنظمة ذاتية التشغيل والحرب الإلكترونية والتقنيات السيبرانية وبرامج الفضاء، وهو ما يتقاطع مع التوجه الخليجي الأوسع نحو تقليل الاعتماد على الاستيراد وحده وبناء قاعدة صناعية دفاعية محلية أكثر استقلالية.