العميد صلاح الدين الزيداني الأنصاري
فرضت طبيعة الحروب خلال العقود الأخيرة تحولات جوهرية في نوعية الأسلحة والعتاد المستخدم، إذ لم تعد معظم الصراعات تقتصر على نمط تقليدي واحد، بل أصبحت تتسم بطابع يجمع بين الحرب النظامية، ومكافحة التمرد، ومكافحة الإرهاب، والحرب غير النظامية , ونتيجة لذلك، لم تعد معظم الجيوش تواجه خصوماً يمتلكون قوات جوية متطورة أو منظومات دفاع جوي معقدة، بل أصبحت تخوض عمليات عسكرية طويلة ضد جماعات إرهابية مسلحة تعتمد على الانتشار السريع، واستغلال التضاريس الصحراوية والجبلية والغابات، إلى جانب توظيف المركبات الخفيفة والطائرات المسيّرة التجارية ووسائل الاتصال الحديثة.
وقد فرض هذا الواقع على القوات الجوية إعادة النظر في أولوياتها العملياتية، والبحث عن منصات جوية أكثر ملاءمة لطبيعة هذه التهديدات، تتميز بسرعة الاستجابة، والقدرة على البقاء فوق ميدان العمليات لفترات طويلة، والعمل من قواعد محدودة التجهيز، مع المحافظة على انخفاض تكاليف التشغيل بما يسمح بتنفيذ عدد كبير من الطلعات اليومية بكفاءة واستدامة.
وفي هذا السياق برزت المقاتلة البرازيلية سوبر توكانوA-29 Super Tucano بوصفها واحدة من أنجح الطائرات الهجومية الخفيفة في العالم، بعدما أثبتت كفاءتها في مهام مكافحة الإرهاب، والإسناد الجوي القريب، والاستطلاع المسلح، وحماية الحدود.
وبعد تجاوز أكثر من عقدين في الخدمة، لم تعد سوبر توكانو مجرد طائرة تدريب متقدم، بل أصبحت منصة قتالية متكاملة تعمل اليوم في أكثر من عشرين دولة، مسجلة مئات الآلاف من ساعات الطيران الناجحة ، بينها آلاف الساعات في عمليات قتالية حقيقية.

من طائرة تدريب إلى مقاتلة أثبتت نفسها في الحروب.
بدأ تطوير طائرة السوبر توكانو في نهاية تسعينيات القرن الماضي شرعت شركة إمبراير في تطوير نسخة جديدة كلياً من طائرة توكانو السابقة المتقادمة والتي لم تعد تلبي المتطلبات الحديثة حملت اسم EMB-314 Super Tucano أو A-29، ولم يكن الهدف مجرد تحسين الأداء، بل تصميم منصة قادرة على تنفيذ مهام متعددة تشمل بشكل أساسي التدريب المتقدم للطيارين وعمليات مكافحة التمرد ومكافحة الإرهاب ومهام الإسناد الجوي القريب وعمليات الاستطلاع المسلح ومراقبة الحدود الى جانب القدرة على تنفيذ ضربات جوية دقيقة ومؤثرة.
ولتحقيق ذلك، زُودت الطائرة بمحرك أكثر قوة، وهيكل مدرع يتحمل إصابات الأسلحة الخفيفة، وإلكترونيات طيران رقمية، وقدرة على استخدام ذخائر موجهة بدقة، مع المحافظة على أهم ميزة فيها، وهي انخفاض تكلفة التشغيل مقارنة بالمقاتلات النفاثة.
لماذا عادت الطائرات الهجومية الخفيفة؟
أنفقت دول عديدة مليارات الدولارات على مقاتلات حديثة متعددة المهام، إلا أن التجارب العملياتية في ميادين الصراع في أفغانستان والعراق ومنطقة الساحل الأفريقي أظهرت أن استخدام هذه الطائرات في ملاحقة مجموعات إرهابية صغيرة يمثل استنزافاً مالياً ولوجستياً كبيراً , فالمقاتلات النفاثة تحتاج إلى قواعد متطورة ببنية تحتية متكاملة ( مهبط ومدارج مجهزة وفرق صيانة وقطع غيار وفنيين متخصصين في مختلف التخصصات الجوية القتالية والفنية ) ، في حين تستطيع طائرة مثل السوبر توكانو تنفيذ المهمة نفسها بكلفة أقل كثيراً، مع قدرة على البقاء فوق الهدف لفترات أطول والعمل من مدارج قصيرة أو غير ممهدة.
ومن هنا عادت الطائرات الهجومية الخفيفة إلى الواجهة، ليس باعتبارها بديلاً عن المقاتلات النفاثة، وإنما كحل عملي واقتصادي للعمليات منخفضة ومتوسطة الشدة في البيئات منخفضة التهديد الجوي حيث تكون الاستمرارية والمرونة أهم من السرعة فوق الصوتية بعد أن أثبتت أن فعاليتها في مكافحة التمرد والإرهاب.
لماذا أصبحت أفريقيا أكبر سوق للسوبر توكانو؟
إن معظم الدول الأفريقية تخصص نسباً محدودة من موازناتها للدفاع مقارنة بالقوى الكبرى، الأمر الذي يجعل الاستدامة التشغيلية عاملاً مؤثراً في قرارات التسليح، وليس فقط الأداء الفني للمنصة.
تشير التقديرات إلى أن القارة الأفريقية مرشحة لتصبح أكبر سوق عالمي لطائرة A-29 خلال السنوات المقبلة، بما يتناسب مع امكاناتها الاقتصادية وموازناتها الدفاعية وبما يعكس طبيعة التهديدات الأمنية التي تواجهها دول القارة فقد أدركت العديد من القوات الجوية الأفريقية أن احتياجاتها العملياتية تختلف عن احتياجات القوى العسكرية الكبرى، إذ إن معظمها يخوض حرباً يومية ضد جماعات إرهابية ومتمردة، وليس ضد جيوش نظامية تمتلك مقاتلات حديثة أو دفاعات جوية متطورة.
ولهذا اتجهت عدة دول، منها نيجيريا ومالي وموريتانيا وأنغولا وبوركينا فاسو، إلى تشغيل السوبر توكانو، بينما تدرس دول أخرى اقتناءها، لأنها وفرت حلاً عملياً جمع بين الكفاءة القتالية وانخفاض تكاليف التشغيل وسهولة الصيانة، مع القدرة على تنفيذ مهام متعددة باستخدام منصة واحدة، الأمر الذي يقلل من أعباء التدريب والدعم الفني وسلاسل الإمداد.
القدرات التي صنعت نجاحها.
يعتمد نجاح السوبر توكانو على تصميمها المختلف عن المقاتلات التقليدية، فهي ليست الأسرع، لكنها صُممت لتبقى فوق منطقة العمليات أطول فترة ممكنة، مع قدرة على العمل في البيئات الحارة والصحراوية ومن قواعد جوية محدودة التجهيز.
كما أنها تتميز بهيكل مدرع، وقمرة قيادة محمية، وخزانات وقود مقاومة للاشتعال، إضافة إلى منظومة إلكترونية حديثة تشمل لوحات رقمية متكاملة ، وأنظمة ملاحة واتصالات متطورة، مع إمكانية تنفيذ العمليات ليلاً ونهاراً.
وتستطيع سوبر توكانو حمل طيف واسع من الذخائر، من القنابل التقليدية والموجهة إلى الصواريخ والمدافع الرشاشة وحواضن بودات الاستطلاع، وهو ما يمنحها مرونة كبيرة في تنفيذ الإسناد الجوي القريب، والاستطلاع المسلح، وضرب الأهداف بدقة عالية مع تقليل الأضرار الجانبية.
ويضاف كل ذلك إلى ذلك قدرتها على التحليق لساعات طويلة، واستهلاكها المنخفض للوقود، وسهولة صيانتها، وهي مزايا تجعلها مناسبة جداً للحملات العسكرية الممتدة ضد الجماعات الإرهابية.
نجاح ميداني في أفريقيا.
إن الانتشار المتزايد للسوبر توكانو في أفريقيا لا يمكن تفسيره بانخفاض سعرها وحده، بل لأنها تلبي بصورة دقيقة متطلبات البيئة العملياتية في القارة , فمعظم الجيوش الأفريقية تحتاج بطبيعة الصراعات القائمة إلى منصة تستطيع التحليق لساعات طويلة، والعمل من قواعد بسيطة، وتنفيذ طلعات متكررة بكلفة منخفضة، وتقديم دعم جوي دقيق للقوات البرية، وهي خصائص تتوافر في هذه الطائرة أكثر مما تتوافر في كثير من المقاتلات الثقيلة المصممة لحروب مختلفة تماماً.
خاصة بعد أن أثبتت العمليات العسكرية أن نجاح أي طائرة يقاس بما تحققه في ميدان القتال، وليس بما تتضمنه مواصفاتها الفنية فقط، وقد نجحت السوبر توكانو في إثبات كفاءتها داخل عدد من الدول الأفريقية, فالانتشار المتزايد للطائرة لا يمكن تفسيره بانخفاض سعرها وحده، بل لأنها تلبي بصورة دقيقة متطلبات البيئة العملياتية في القارة , خاصة وأن معظم الجيوش الأفريقية تحتاج إلى منصة تستطيع التحليق لساعات طويلة، والعمل من قواعد بسيطة، وتنفيذ طلعات متكررة بكلفة منخفضة، وتقديم دعم جوي دقيق للقوات البرية، وهي خصائص تتوافر في هذه الطائرة أكثر مما تتوافر في كثير من المقاتلات الثقيلة المصممة لحروب مختلفة تماماً.
ففي نيجيريا شاركت المقاتلة بفاعلية في الحرب ضد جماعتي بوكو حرام وتنظيم داعش في غرب أفريقيا، ونفذت عددا كبير من المهام القتالية (الاستطلاع المسلح والإسناد الجوي القريب وحماية القوافل العسكرية واستهداف معسكرات الإرهابيين) ، وأسهمت قدرتها على البقاء فوق منطقة العمليات لفترات طويلة في زيادة دقة الضربات وسرعة الاستجابة للأهداف المتحركة.
وفي مالي أثبتت كفاءتها في ملاحقة الجماعات المسلحة عبر الصحارى الشاسعة، حيث لا تكون السرعة العالية هي العنصر الحاسم، بل القدرة على اكتشاف الهدف وتعقبه حتى لحظة الاشتباك.
أما في موريتانيا، فقد استُخدمت في مراقبة الحدود وتعزيز الردع من خلال الدوريات الجوية المستمرة، وهو ما يؤكد أنها ليست مجرد منصة هجومية، بل وسيلة فعالة للمراقبة والإنذار المبكر والاستجابة السريعة.
ولهذا أصبحت السوبر توكانو نموذجاً ناجحاً لما يمكن تسميته بـ”القوة الجوية المستدامة”، إذ تجمع بين الكفاءة القتالية، والمرونة التشغيلية، والاستدامة الاقتصادية.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن مستقبل القوة الجوية في أفريقيا لن يعتمد على امتلاك أكبر عدد من المقاتلات المتقدمة، وإنما على اختيار المنصات الأكثر توافقاً مع طبيعة التهديدات الفعلية.
حدود الاستخدام ومتطلبات النجاح العملياتي.
على الرغم من النجاحات العملياتية التي حققتها المقاتلة A-29 Super Tucano في العديد من مسارح العمليات، فإن فعاليتها ترتبط بطبيعة البيئة القتالية التي تعمل فيها، ولا ينبغي النظر إليها باعتبارها حلاً شاملاً لجميع التهديدات الجوية. فهي صُممت أساساً للعمل في بيئات منخفضة أو محدودة التهديد الجوي، الأمر الذي يجعل استخدامها في مواجهة خصم يمتلك منظومات دفاع جوي متطورة أو قوات جوية حديثة محفوفاً بمخاطر كبيرة. لذلك فإنها لا تصلح للقيام بمهام اختراق الدفاعات الجوية أو فرض السيادة الجوية، وهي مهام تظل من اختصاص المقاتلات متعددة المهام والمقاتلات المتخصصة في التفوق الجوي.
كما أن السوبر توكانو ليست بديلاً عن المقاتلات النفاثة، بل تمثل منصة مكملة لها ضمن منظومة القوة الجوية المتكاملة، حيث تتولى تنفيذ مهام مكافحة الإرهاب، والإسناد الجوي القريب، والاستطلاع المسلح، ومراقبة الحدود، بينما تحتفظ المقاتلات المتقدمة بمهام الردع والسيطرة الجوية والتعامل مع التهديدات التقليدية عالية الكثافة.
وتعتمد كفاءة السوبر توكانو بدرجة كبيرة على توافر معلومات استخبارية دقيقة وحديثة عن أماكن انتشار الأهداف وتحركاتها، إذ إن نجاح عمليات مكافحة الإرهاب يرتبط بسرعة اكتشاف الأهداف وتحديدها قبل تنفيذ الضربات الجوية. كما أن التطور المتسارع في ميدان الحرب الجوية الحديثة يجعل من الضروري دمجها ضمن منظومة عمليات مشتركة تضم الطائرات المسيّرة، ومنصات الاستطلاع والمراقبة، وأنظمة القيادة والسيطرة، بما يضمن تبادل المعلومات في الزمن الحقيقي ورفع مستوى الوعي الميداني. ومن هذا المنطلق، فإن القيمة الحقيقية للسوبر توكانو لا تكمن في قدراتها الذاتية فحسب، وإنما في قدرتها على العمل كجزء من منظومة قتالية متكاملة توظف مختلف الوسائط الجوية والمعلوماتية لتحقيق أفضل النتائج العملياتية.

التطوير لمواجهة تحديات المستقبل.
رغم نجاحها الكبير، تدرك شركة إمبراير أن تطور الحروب يفرض تحديات جديدة، خصوصاً مع الانتشار الواسع للطائرات المسيّرة والقتال الشبكي والذكاء الاصطناعي ولذلك تعمل الشركة على تطوير نسخ حديثة من الطائرة، تتضمن تحسينات في أنظمة الاستشعار والاتصالات وإدارة المهام، مع تعزيز قدرتها على العمل ضمن منظومات قيادة وسيطرة متكاملة، والتعاون مع الطائرات غير المأهولة، ودمج تطبيقات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تحليل البيانات وترتيب أولويات الأهداف ورفع الوعي الميداني للطيار.
ومع استمرار تطويرها ودمجها في منظومات القيادة والسيطرة والطائرات المسيّرة، فإنها مرشحة للحفاظ على مكانتها كإحدى أهم الطائرات الهجومية الخفيفة في العالم، وربما تصبح بالفعل المنصة الجوية الأكثر ملاءمة لدعم عمليات مكافحة الإرهاب وحماية الحدود في القارة الأفريقية خلال السنوات المقبلة.
وفي هذا الشأن أعلنت شركة إمبراير البرازيلية أن القارة الأفريقية مرشحة لأن تصبح أكبر سوق عالمي لطائرة A-29 خلال العشرين عاماً المقبلة، مع توقعات بطلب يقارب150 طائرة، وهو رقم يعكس حجم التحولات التي تشهدها البيئة الأمنية الأفريقية، وازدياد حاجة الجيوش إلى منصات جوية منخفضة التكلفة وعالية الاعتمادية.
هل تعيد السوبر توكانو تشكيل عقيدة القوة الجوية في أفريقيا؟
إن الانتشار المتزايد لطائرة A-29 Super Tucano داخل القارة الأفريقية لا يمثل مجرد نجاح تجاري لشركة إمبراير، بل يعكس تحولاً تدريجياً في مفهوم استخدام القوة الجوية لدى العديد من الجيوش الأفريقية, فخلال عقود طويلة ارتبطت هيبة القوات الجوية بامتلاك مقاتلات نفاثة متطورة، باعتبارها رمزاً للقوة العسكرية والردع الاستراتيجي, غير أن طبيعة الصراعات التي تشهدها القارة اليوم دفعت عدداً متزايداً من الدول إلى إعادة تقييم هذا المفهوم على ضوء المتطلبات العملياتية الفعلية.
فمعظم التهديدات الأمنية في أفريقيا لم تعد تتمثل في مواجهة جيوش نظامية تمتلك أساطيل جوية متقدمة، وإنما في التصدي لجماعات إرهابية وتنظيمات مسلحة تعتمد على الانتشار الواسع، والحركة السريعة، واستغلال الطبيعة الجغرافية المعقدة، والحدود الطويلة وضعف البنية التحتية, وفي مثل هذه البيئات تصبح القدرة على البقاء فوق منطقة العمليات لساعات طويلة، والاستجابة الفورية للقوات العاملة على الأرض، والعمل من قواعد جوية متقدمة، أكثر أهمية من السرعة فوق الصوتية أو القدرات الشبحية التي صُممت أساساً لحروب تختلف جذرياً عن الواقع الأمني الأفريقي.
ومن هنا يمكن القول إن السوبر توكانو تمثل تجسيداً لمفهوم القوة الجوية الفعالة من حيث التكلفة الذي يقوم على اختيار الوسيلة الجوية الأكثر توافقاً مع طبيعة التهديد، وليس الأكثر تطوراً من الناحية التقنية. فالقوة الجوية الحديثة لم تعد تقاس فقط بما تمتلكه الدولة من منصات متقدمة، بل بقدرتها على توفير حضور جوي دائم، واستجابة سريعة، واستدامة تشغيلية تسمح باستمرار العمليات لفترات طويلة دون استنزاف الموارد.
إن التجربة الأفريقية تؤكد أن مستقبل القوة الجوية لن يُقاس بعدد المقاتلات الأكثر تطوراً، وإنما بمدى قدرة الدولة على اختيار المنصة الأنسب لطبيعة تهديداتها، وتحقيق التكامل بينها وبين بقية عناصر القوة الجوية ضمن منظومة عمليات مشتركة.
كما أن التجارب العملياتية في نيجيريا ومالي وموريتانيا أظهرت أن فعالية القوة الجوية في مكافحة الإرهاب ترتبط بدرجة تكاملها مع منظومات الاستخبارات والاستطلاع والقيادة والسيطرة والقوات البرية. فالطائرة، مهما بلغت كفاءتها، لا تحقق كامل إمكاناتها إذا عملت بمعزل عن شبكة متكاملة لتبادل المعلومات واتخاذ القرار.
ولذلك فإن القيمة الحقيقية للسوبر توكانو لا تكمن في كونها منصة هجومية خفيفة فحسب، بل في قدرتها على الاندماج ضمن منظومة عمليات مشتركة، وهو الاتجاه الذي تعززه إمبراير من خلال تطوير أنظمة الاتصالات والذكاء الاصطناعي والتكامل مع الطائرات المسيّرة.
وفي المقابل، لا يعني نجاح السوبر توكانو أنها بديل عن المقاتلات متعددة المهام، فلكل منهما دور مختلف داخل منظومة القوة الجوية. إذ تبقى المقاتلات النفاثة ضرورة لتحقيق الردع الجوي ومواجهة التهديدات التقليدية، بينما تتولى الطائرات الهجومية الخفيفة العمليات اليومية منخفضة ومتوسطة الشدة، بما يحقق توزيعاً أكثر كفاءة للموارد ويطيل العمر التشغيلي للأساطيل الأكثر تكلفة.
من المرجح أن تتجه العديد من القوات الجوية الأفريقية خلال السنوات المقبلة إلى تبني مفهوم الأسطول الجوي المختلط، الذي يجمع بين المقاتلات النفاثة، والطائرات الهجومية الخفيفة، والطائرات المسيّرة، بحيث تؤدي كل منصة الدور الذي صُممت من أجله، بدلاً من الاعتماد على نوع واحد لتنفيذ جميع المهام. ويبدو أن هذا المفهوم سيكون أكثر انسجاماً مع التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجهها دول القارة.
وعليه، فإن نجاح السوبر توكانو في أفريقيا لا يعكس تفوق طائرة على أخرى، بقدر ما يعكس تحولاً في الفكر العسكري ذاته من البحث عن المنصة الأكثر تعقيداً إلى البحث عن المنصة الأكثر ملاءمة لمسرح العمليات. وهذا التحول قد يشكل أحد أبرز ملامح تطور عقيدة استخدام القوة الجوية في أفريقيا خلال العقدين المقبلين، خاصة مع استمرار تنامي تهديدات الإرهاب، واتساع الاعتماد على الطائرات المسيّرة، وتزايد الحاجة إلى حلول عسكرية مستدامة اقتصادياً وعملياتياً.






