القوات الجوية الأمريكية تُخضع “إف-35 إيه” لاختبار الضربة الدقيقة الحية في قاعدة هيل

تحقّقت القوات الجوية الأمريكية من قدرة مقاتلتها الشبحية “إف-35 إيه لايتنينغ 2” (F-35A Lightning II) على تنفيذ الضربات الدقيقة بالذخائر الحية، خلال مناورة “كومبات هامر 26.07” (Combat Hammer 26.07) التي أُجريت في قاعدة هيل الجوية (Hill Air Force Base) بولاية يوتا (Utah) الأمريكية، بين 4 و14 أغسطس/آب 2026. وقيّم الاختبار الحي أنظمة أسلحة المقاتلة الموجّهة للأهداف الأرضية والذخائر الدقيقة التوجيه وإجراءات الطيارين في ظروف واقعية، فضلاً عن قياس مدى قدرة سلسلة الضربة الجوية الأوسع على دعم هجمات دقيقة ضد أهداف أرضية في أجواء معادية محصّنة.

شاركت مقاتلات “إف-35 إيه” التابعة للسرب المقاتل 95 إلى جانب سرب أسلحة المقاتلات 86 فوق ميدان يوتا للاختبار والتدريب Utah Test and Training Range. واختبر التقييم سلسلة الضربة الكاملة للقوات الجوية الأمريكية، بما يشمل الطائرات والأسلحة الدقيقة الحية والطيارين وأطقم الصيانة وأفراد الذخائر، بهدف تحديد ما إذا كانت القوة قادرة على توليد الطائرات المقاتلة وتسليحها وإطلاقها واستعادتها وإعادة تجهيزها، مع الحفاظ على الدقة ووتيرة العمليات المطلوبة لعمليات عالية الشدة.

وتكمن أهمية “كومبات هامر” في تجاوزها حدود المحاكاة الافتراضية لاستخدام الأسلحة، إذ يتوجّب على الطيارين قيادة طائرات محمّلة بذخائر تشغيلية فعلية، وإتمام تسلسل الإطلاق الكامل، ومهاجمة أهداف حقيقية، الأمر الذي يمنح القوات الجوية الأمريكية مقياساً أكثر واقعية لمدى تحويل “إف-35 إيه” لقدراتها الشبحية وأجهزة استشعارها وأسلحتها الدقيقة إلى نتائج ميدانية قابلة للتكرار. ووفّرت المناورة لبعض طياري السرب المقاتل 95 أول فرصة لهم لقيادة “إف-35 إيه” بأسلحة حية موجّهة للأهداف الأرضية، ما أضاف مستوى من المسؤولية والواقعية يصعب تحقيقه في التدريب الروتيني.

وعرّض ميدان يوتا للاختبار والتدريب السرب لظروف تختلف جوهرياً عن بيئة عمله المعتادة في قاعدة تيندال الجوية (Tyndall Air Force Base) بولاية فلوريدا (Florida)، حيث يُجري معظم تدريباته فوق المياه. وفي يوتا، حلّق الطيارون على ارتفاع منخفض حول تضاريس جبلية، وتدرّبوا على التخفي خلف التضاريس، وهاجموا أهدافاً أرضية محدّدة، وجمعوا بين الملاحة والتوجيه وإدارة طاقة الطائرة وضوابط إطلاق الأسلحة، مع تقليل التعرّض لتهديدات دفاع جوي محاكاة. وترتبط هذه الظروف مباشرة بمهام قد تحتاج فيها “إف-35 إيه” إلى اختراق أجواء محصّنة وإسقاط سلاح دقيق في أول فرصة هجوم.

ويحتلّ شرط الإصابة من المحاولة الأولى مكانة محورية في القيمة القتالية للمقاتلة، إذ تزيد كل محاولة هجوم إضافية من التعرّض لرادارات العدو ومقاتلاته الاعتراضية ومنظومات الدفاع الجوي أرض- جو، ما يجعل دقة استخدام السلاح في المحاولة الأولى عاملاً حاسماً في نجاح المهمة وبقاء الطائرة على حد سواء. وتهدف أجهزة الاستشعار المدمجة في “إف-35 إيه” وتصميمها منخفض الرصد وأسلحتها الدقيقة التوجيه إلى تزويد الطيارين بالمعلومات وإمكانية الوصول اللازمَين لتحديد الأهداف والوصول إلى موقع هجوم مناسب وتوجيه ضربات دقيقة قبل أن تتمكّن دفاعات العدو من الاستجابة بفعالية.

وتُشكّل “إف-35 إيه” ركيزة أساسية في قوة الطيران القتالي للقوات الجوية الأمريكية بوصفها مقاتلتها الشبحية متعددة المهام من الجيل الخامس. وتجمع الطائرة بين انخفاض قابلية الرصد، ودمج بيانات أجهزة الاستشعار، وأنظمة إلكترونيات طيران متقدّمة، ووعي موقفي مرتفع، ما يتيح لها تنفيذ مهام جو- جو وجو- أرض في بيئات تهديد تفرض مخاطر أكبر على الطائرات الأقدم. وتسمح حجيرات الأسلحة الداخلية للمقاتلة بحمل ذخائر هجومية مع الحفاظ على بصمة رادارية منخفضة، وهي ميزة مهمة عند مهاجمة أهداف محمية بمنظومات دفاع جوي أرض- جو حديثة، أو عند دعم جهود أوسع لقمع الدفاعات الجوية للعدو وتعطيلها.

وبذلك اختبرت “كومبات هامر 26.07” مهمة ترتبط مباشرة بالغاية الاستراتيجية لـ”إف-35 إيه”، إذ يتوجّب على طواقمها، في حال دخول الطائرة أجواءً محصّنة وتحديدها أهدافاً حسّاسة، أن تترجم معلومات التخفي والاستشعار إلى استخدام موثوق للأسلحة بأقل تأخير ممكن. وتكمن قيمة المناورة في إظهار ما إذا كانت هذه العملية تنجح في ظروف حية لا في المحاكاة فقط، إلى جانب كشف أي ثغرات في الإجراءات أو تجهيز الأسلحة أو تكامل الطائرة أو أداء الطيار قبل ظهورها في القتال الفعلي.

وقاس التقييم أيضاً بنية الدعم اللازمة لإبقاء “إف-35 إيه” في المعركة، إذ جهّز سرب الذخائر 325 (325th Munitions Squadron) الأسلحة بوتيرة سريعة، بينما تولّى أفراد الصيانة تحميل الطائرات واستعادتها وصيانتها طوال المناورة. وعمل عنصر الذخائر المنتشر بـ14 فرداً فقط، وهو عدد أقل من الفريق الأكبر المتوافر عادة في القاعدة الأم، وتلقّى إشعاراً بالأسلحة المطلوبة للطلعات اللاحقة قبل نحو 24 ساعةً فقط. واختبر هذا الهيكل المصغّر مدى قدرة الأفراد المؤهّلين على مواصلة تجهيز الذخائر الحية ودعم مهام “إف-35 إيه” المسلّحة في ظل قيود أشد في القوى البشرية والوقت.

وتكتسب هذه العناصر أهمية حاسمة كون الضربة الدقيقة لا تُجدي نفعاً إلا إذا أمكن الحفاظ على استدامتها، إذ سرعان ما تتراجع القيمة العملياتية لمقاتلة شبحية قادرة على اختراق أجواء محصّنة وتدمير هدف، إن عجز أفراد الصيانة عن إعادة تجهيز الطائرة، أو عجز فنيّو الذخائر عن تحضير أسلحة إضافية، أو عجزت الوحدة عن توليد طلعة جديدة بالوتيرة المطلوبة. لذا لم تقتصر “كومبات هامر” على تقييم إطلاق سلاح حي واحد، بل قاست القدرة الأوسع على استعادة القوة القتالية ومواصلة مهام الضربة الدقيقة المتكرّرة.

ويزداد هذا النهج الشامل أهميةً بالنسبة لجاهزية القوات الجوية الأمريكية القتالية، إذ قد تحتاج وحدات المقاتلات في نزاع كبير إلى العمل بفرق أصغر وخطوط إمداد أكثر تشدّداً وبنية تحتية محدودة، مع الاستمرار في توليد الطلعات في مواجهة خصم قادر على تهديد القواعد الجوية القائمة وشبكات الإمداد. لذلك تحظى القدرة على الجمع بين الأسلحة الدقيقة الحية والطيارين المدرّبين والصيانة السريعة والدعم اللوجستي المتجاوب بأهمية لا تقل عن أداء الطائرة الديناميكي الهوائي أو منظومة استشعارها.

وبإتمامها مناورة “كومبات هامر 26.07″، عزّز الجناح المقاتل 325 (325th Fighter Wing) الثقة بقدرة “إف-35 إيه” على تنفيذ الضربات الدقيقة في ظروف واقعية. وأظهرت المناورة كيف يتوجّب أن يتضافر انخفاض قابلية الرصد لدى المقاتلة الشبحية، والأسلحة الحية، وتكتيكات التخفي خلف التضاريس، وكفاءة الطيارين، واستدامة توليد الطلعات، لإنتاج آثار قتالية في الأجواء المحصّنة، ما يجعل المناورة اختباراً مباشراً لقدرة القوات الجوية الأمريكية على تحويل تقنية الجيل الخامس إلى فتك عملياتي قابل للتكرار.