تستنزف العمليات العسكرية الأمريكية المرتبطة بالحرب مع إيران مخزونات حيوية من صواريخ باتريوت، وثاد (THAAD)، وتوماهوك، ما يعيد إلى الواجهة تساؤلات ملحّة حول قدرة البنتاغون على تعويض هذه المنظومات الدفاعية والهجومية الأكثر أهمية في ترسانته. ولا تقتصر تداعيات هذا الاستنزاف على مسرح الشرق الأوسط، إذ يحذر خبراء من أن استمرار هذا الاستهلاك المكثف قد يقلّص عمق المخزون الأمريكي المتاح في حال اندلاع أزمة موازية عالية الحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
يسلّط تصاعد الضغط على مخزونات الصواريخ الأمريكية الضوء على معضلة جوهرية في الحروب الحديثة: يمكن إطلاق الصواريخ الاعتراضية المتطورة بوتيرة أسرع بكثير مما تستطيع الصناعات الدفاعية الأمريكية تعويضه. ومن هذا المنطلق، لم يعد الحفاظ على مخزون كافٍ من صواريخ باتريوت وثاد، إلى جانب صون رصيد توماهوك، اختبارًا لقدرة التحمل القتالي الآني فحسب، بل أصبح مقياسًا لجاهزية الولايات المتحدة لخوض مواجهة كبرى ثانية.
تراجع حاد في مخزون باتريوت وثاد
في 27 من يوليو/ تموز 2026، قدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن العمليات المستمرة المرتبطة بحرب إيران خفّضت مخزون الولايات المتحدة من صواريخ باتريوت إلى ما دون 1000 صاروخ اعتراضي، فيما تراجع مخزون منظومة ثاد إلى نحو 250 صاروخًا فقط. ورغم أن هذه الأرقام تبقى تقديرات تحليلية وليست إفصاحات رسمية من البنتاغون عن حجم المخزون، فإنها تكشف عن مشكلة تشغيلية تتجاوز حدود الشرق الأوسط: إلى متى تستطيع واشنطن مواصلة معارك مكثفة الاستهلاك للصواريخ مع الحفاظ في الوقت نفسه على احتياطيات كافية لمسرح عمليات كبير آخر؟
والمسألة الجوهرية هنا ليست قرب نفاد كامل الترسانة الأمريكية من الصواريخ، بل ما يُعرف بـ”عمق المخزون القتالي”، أي عدد الاشتباكات التي يمكن للقوات الأمريكية خوضها قبل أن تبدأ ندرة الذخيرة بفرض قيود على الخيارات التشغيلية للقادة الميدانيين. وهذا ما يربط مباشرة بين حرب إيران وجاهزية واشنطن في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إذ إن أي مواجهة محتملة مع الصين قد تتطلب من الولايات المتحدة الدفاع عن قواعدها الجوية وموانئها ومراكز لوجستياتها وقيادتها وقواتها المتقدمة ضد هجمات صاروخية باليستية وكروز مستمرة، في وقت تشن فيه ضربات بعيدة المدى ضد القوات الصاروخية والدفاعات الجوية وشبكات القيادة الصينية.
فإذا استُهلكت كميات كبيرة من هذه المنظومات المتطورة ذاتها في الشرق الأوسط، يجد البنتاغون نفسه أمام ما يشبه “معضلة ذخيرة حربين في آنٍ واحد”، إذ تستطيع واشنطن مواصلة حملتها ضد إيران بكامل قدراتها، لكن على حساب تقليص الهامش المتاح لمواجهة أزمة صينية طارئة قبل أن يُعاد بناء المخزونات المستنزفة.
وتزداد أهمية هذه المسألة في ملف الدفاع الصاروخي تحديدًا، إذ قد تحتفظ بطارية باتريوت براداراتها ومعدات الاشتباك ومنصات الإطلاق، لكن قدرتها الفعلية على حماية قاعدة جوية أو مقر قيادة أو مركز لوجستي أو تجمع قوات تظل مرهونة بتوفر عدد كافٍ من الصواريخ الاعتراضية لخوض اشتباكات متكررة. وهذا بالضبط ما تكشفه الحملة الأمريكية في إيران تحت ظروف قتالية حقيقية، حيث تشن القوات الأمريكية ضربات هجومية بينما تدافع في الوقت ذاته عن قواتها وبنيتها التحتية الحيوية ضد الهجمات الصاروخية الإيرانية، ما يولّد طلبًا هائلاً على كل من أسلحة الدقة بعيدة المدى والصواريخ الاعتراضية الدفاعية.
وتكتسب صواريخ باتريوت PAC-3 MSE أهمية خاصة كونها توفر للقوات الأمريكية قدرة متطورة في مواجهة الصواريخ الباليستية التكتيكية والتهديدات الجوية الصعبة الأخرى. ومع تراجع مخزون باتريوت، قد يضطر القادة الميدانيون إلى انتقائية أكبر في تحديد أي التهديدات الواردة تستحق استهلاك هذه الصواريخ الاعتراضية المتقدمة.
وكان مركز CSIS قد قدّر في مايو/ أيار 2026 أن معدل إنتاج صواريخ PAC-3 MSE يبلغ نحو 650 صاروخًا سنويًا، بما يغطي احتياجات الولايات المتحدة والعملاء الدوليين معًا. كما أشار التحليل إلى أن الجيش الأمريكي يحتاج في السنة المالية 2027 إلى 3203 صواريخ باتريوت، في حين لن تبدأ عمليات التسليم الإضافية المرتبطة بزيادة المشتريات قبل عام 2029.
وتكشف هذه الأرقام جوهر أزمة النقص الأمريكي في الصواريخ: فبينما يمكن للقوات القتالية استهلاك صواريخها الاعتراضية خلال دقائق، يحتاج الإنتاج والتعاقد لدى البنتاغون إلى فترات زمنية أطول بكثير لإعادة بناء المخزونات التشغيلية. ويكتسب هذا القيد الصناعي أهمية مضاعفة مع توسّع الجيش الأمريكي وحلفائه في قدرات الدفاع الجوي والصاروخي القائمة على منظومة باتريوت PAC-3 MSE، إذ يعزز الطلب الدولي المتنامي جاهزية الدفاعات الجوية لدى الحلفاء، لكنه في المقابل يزيد الضغط على الطاقة الإنتاجية والموردين المتخصصين.
ثاد: أزمة مخزون أكثر تركيزًا
تواجه منظومة ثاد تحديًا أكثر حدة في مستوى المخزون، إذ صُممت أساسًا لاعتراض الصواريخ الباليستية في مرحلتها النهائية من التحليق، ما يمنحها طبقة دفاعية متخصصة ضد تهديدات لا يمكن بالضرورة إسنادها إلى منظومات أرخص قصيرة المدى.
وقدّر مركز CSIS في أواخر يوليو/ تموز أن مخزون الولايات المتحدة من صواريخ ثاد تراجع إلى نحو 250 صاروخًا اعتراضيًا، مع التأكيد على أن الرصيد التشغيلي الدقيق يبقى سرًا مصنّفًا، وأن هذا التقدير لا ينبغي اعتباره رقمًا رسميًا صادرًا عن وزارة الدفاع الأمريكية.
ومع ذلك، فإن العلاقة بين المخزون المقدر من ثاد والطاقة الإنتاجية توضح مشكلة القدرة على التحمل: فقد قدّر CSIS سابقًا الإنتاج الأقصى (surge production) لصواريخ ثاد بنحو 96 صاروخًا سنويًا، فيما تعمل شركة لوكهيد مارتن على رفع طاقتها التصنيعية إلى مستوى أعلى بكثير قد يصل إلى 400 صاروخ سنويًا.
كما أشار المركز إلى حاجة الجيش الأمريكي في السنة المالية 2027 إلى 857 صاروخ ثاد، لكنه توقّع أن تبدأ عمليات التسليم فقط في منتصف عام 2029 تقريبًا. ووفق هذا التقدير، فإن تعويض الصواريخ المستهلكة خلال الحملة الإيرانية قد يمتد حتى نهاية عام 2029.
وبالنسبة للقادة الميدانيين، تبدأ تأثيرات النقص في التأثير على القرارات قبل وقت طويل من وصول المخزون إلى الصفر، إذ يجب أن تدعم الصواريخ الاعتراضية البطاريات المنتشرة والتدريب والاختبار والاحتياطيات الطارئة، مع بقائها موزعة جغرافيًا بين عدة مسارح عمليات محتملة. وبذلك، يصبح كل صاروخ اعتراضي مخصص للشرق الأوسط غير متاح لأي احتياج آخر إلى حين تصنيع الصناعة لبديل عنه، وهنا تحديدًا يتحول مخزونا باتريوت وثاد من مجرد ملف تعاقدات لدى البنتاغون إلى عامل استراتيجي مباشر في أي مواجهة محتملة مع الصين.
وتدعم قوات الدفاع الصاروخي الأمريكية التزامات الولايات المتحدة في أوروبا والشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، وقد تواجه المنشآت الأمريكية والحليفة في غرب المحيط الهادئ أعدادًا كبيرة من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، ما يجعل عمق المخزون الاعتراضي عاملاً حاسمًا خلال المرحلة الافتتاحية من أي نزاع. وسيكون على البنتاغون أن يحدد القواعد والعُقد التشغيلية التي تحظى بأقوى تغطية دفاعية صاروخية، والتهديدات التي تستحق استهلاك الصواريخ الاعتراضية النادرة عالية القيمة، وكيفية توزيع الذخيرة عبر مسرح عمليات متباعد جغرافيًا. وبذلك، فإن تراجع عمق المخزون قد يترجم مباشرة إلى مخاطر تشغيلية أكبر حتى مع بقاء بطاريات باتريوت وثاد منتشرة وعاملة بكامل طاقتها.
كما تكشف حرب إيران عن أهمية منظومات الدفاع الجوي متعددة الطبقات في الحفاظ على الصواريخ الاعتراضية عالية القيمة، إذ يسعى الخصم الذي يجمع بين الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة إلى إغراق الدفاعات وإجبار المدافعين على استهلاك فئات مختلفة من الذخيرة.
توماهوك: أكثر من 1000 صاروخ في حرب واحدة
لا يقتصر تحدي المخزون على الأسلحة الدفاعية، إذ ولّدت الضربات الأمريكية المتواصلة ضد إيران طلبًا كبيرًا أيضًا على الصواريخ الهجومية بعيدة المدى. ووفق تقييم CSIS، أُطلق أكثر من 1000 صاروخ كروز من طراز توماهوك خلال النزاع مع إيران، وإن صحّ هذا الرقم فإنه يُظهر مدى السرعة التي يمكن أن يتراجع بها مخزون صواريخ كروز بعيدة المدى عندما تتحول الضربات الدقيقة من هجمات محدودة إلى حملة مستمرة.
وتتيح صواريخ توماهوك لسفن وغواصات البحرية الأمريكية ضرب أهداف برية من مسافات بعيدة، ما يقلل من الحاجة الفورية لإدخال طائرات مأهولة إلى أجواء محصّنة بكثافة، وهو ما يجعل هذا الصاروخ ذا قيمة خاصة في ضرب مرافق القيادة والبنية التحتية للدفاع الجوي وغيرها من الأهداف عالية القيمة في المراحل الافتتاحية لأي حملة عسكرية. وهذه الخصائص ذاتها تجعل صواريخ توماهوك بالغة الأهمية لتخطيط العمليات الأمريكية في مواجهة محتملة مع الصين، إذ تفرض جغرافيا غرب المحيط الهادئ أولوية قصوى للأسلحة القادرة على الضرب من مسافات بعيدة مع تقليل تعرض الطائرات والسفن ومنصات الإطلاق لقدرات الصين في منع الوصول وحرمان المناطق.
وبالتالي، فإن الاستهلاك الكثيف لصواريخ توماهوك في حرب إيران يحمل كلفة فرصة بديلة، إذ إن الصاروخ المستخدم ضد هدف إيراني لن يكون متاحًا لأي احتمال في غرب المحيط الهادئ إلى حين وصول بديل له إلى المخزون الأمريكي. وقدّر CSIS أن معدل إنتاج توماهوك في الفترة الأخيرة ظل دون 200 صاروخ سنويًا بسبب محدودية كميات المشتريات السابقة نسبيًا، رغم قدرة الصناعة على توسيع طاقتها التصنيعية. ووفق الجدول الزمني المتوقع للمشتريات الذي أشار إليه CSIS، فإن الصواريخ المرتبطة بطلب البحرية الأمريكية للسنة المالية 2027 لن تبدأ بالدخول إلى المخزون قبل عام 2030 تقريبًا.
والمقارنة بين أكثر من 1000 صاروخ توماهوك أُطلقت تقديريًا وبين معدل الإنتاج السنوي الأخير الذي يقل عن 200 صاروخ، توضح حجم المعضلة الاستراتيجية أكثر من أي أرقام تعاقدية أخرى: فالقتال المستمر قادر على استهلاك ما يعادل سنوات عدة من الإنتاج في زمن سلم، خلال فترة أقصر بكثير.
PrSM: صاروخ جديد تحت اختبار قتالي مبكر
يواجه الجيش الأمريكي تحديًا مشابهًا في مجال نيران المدى البعيد البرية مع انتقاله من منظومة “أتاكمز” (ATACMS) إلى صاروخ الضربة الدقيقة PrSM، الذي يوفر مدى يتجاوز 400 كيلومتر في نسخته الأولية، متجاوزًا الحد الأقصى البالغ نحو 300 كيلومتر لأطول نسخ أتاكمز مدى.
وتستطيع منظومتا “هيمارس” M142 و”إم 270 إيه 2″ حمل صاروخين من طراز PrSM في موضع كبسولة الإطلاق ذاتها التي تستوعب صاروخ أتاكمز واحدًا فقط، ما يزيد في آنٍ واحد من مدى الاشتباك وعدد الصواريخ بعيدة المدى المتاحة فوريًا لكل منصة إطلاق. وهذا يمنح تشكيلات الجيش الأمريكي القدرة على ضرب مراكز القيادة، ووحدات الصواريخ، ومواقع الدفاع الجوي، والمنشآت اللوجستية، وأهداف أخرى عالية القيمة من مسافات أبعد، ما يجعل هذا الصاروخ عنصرًا محوريًا في جهود الجيش لاستعادة نيران المستوى العملياتي في مواجهة خصوم متطورين.
وتكتسب هذه القدرة أهمية خاصة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إذ يمكن لنيران الجيش الأمريكي بعيدة المدى أن تسهم في العمليات المشتركة عبر ضرب أهداف عالية القيمة على امتداد المقتربات البحرية والمناطق المتنازع عليها، مع تعقيد قدرة الخصم على تركيز قواته الصاروخية ودفاعاته الجوية وبنيته القيادية.
غير أن حداثة إدخال PrSM إلى الخدمة تعني أن الجيش الأمريكي يبني مخزونه في الوقت ذاته الذي يُعدّ فيه هذا الصاروخ للاستخدام العملياتي، ما قد يجعله أكثر عرضة لضغط الاستهلاك القتالي المكثف مقارنة بسلاح تراكم على مدى عقود. وقد أوردت تقارير CSIS إفادات متباينة حول حجم استهلاك PrSM خلال النزاع مع إيران، من بينها إفادة لمسؤول عسكري تشير إلى نفاد المخزون المتاح، مقابل إفادات مسؤولين آخرين بأن صواريخ لا تزال متوفرة.
وفي غياب إفصاح رسمي من البنتاغون، يبقى من السابق لأوانه الجزم بأن كامل مخزون PrSM الأمريكي قد استُنفد. لكن الدرس التشغيلي يظل واضحًا: يمكن لمخزون صغير نسبيًا من صاروخ حديث الإدخال بعيد المدى أن يُستهلك بسرعة فور اندلاع قتال مستمر.
هل تستطيع أمريكا خوض حربين مجتمعة؟
تكشف باتريوت وثاد وتوماهوك وPrSM أبعادًا مختلفة لمعضلة الجاهزية ذاتها: يحدد باتريوت وثاد مدى قدرة القوات الأمريكية على مواصلة الدفاع الصاروخي المتقدم، فيما يسهم توماهوك وPrSM في القدرة على ضرب الأهداف الحيوية من مسافات آمنة. وفي سيناريو حرب مزدوجة، سيقع الضغط على الجانبين في آنٍ واحد، إذ قد تضطر القوات الأمريكية إلى مواصلة الدفاع عن قواتها وشن الضربات في الشرق الأوسط، بينما تنقل في الوقت نفسه قدرات إضافية للدفاع الصاروخي والضربات بعيدة المدى نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ بسرعة.
والتحدي هنا لن يكون بالضرورة في توفر منصات الإطلاق، إذ قد تبقى بطاريات باتريوت ومنصات ثاد وهيمارس وإم 270 إيه 2 والمدمرات والغواصات عاملة، لكن تراجع مخزون الذخيرة سيقلص عدد الاشتباكات التي يمكنها خوضها. وهذا التمييز جوهري لفهم القوة القتالية الأمريكية الحديثة: فأعداد منصات الإطلاق تصف القوة النارية الكامنة، بينما تحدد مخزونات الصواريخ المدة التي يمكن خلالها استدامة هذه القوة النارية فعليًا.
وبذلك، تكشف حملة إيران عن ثغرة أوسع في الحرب الدقيقة، إذ استثمرت الولايات المتحدة بكثافة في تعزيز مدى الصواريخ ودقتها وقدرتها على النجاة وأداء أجهزة الاستشعار فيها، لكن هذا التفوق التقني لا يوفر تلقائيًا الكتلة الذخائرية اللازمة للعمليات الممتدة. وهنا تتحول القاعدة الصناعية الدفاعية إلى جزء أصيل من المعادلة القتالية، إذ يرتبط دور شركة لوكهيد مارتن في توسيع إنتاج باتريوت PAC-3 MSE وثاد وPrSM، إلى جانب شركة RTX وموردين آخرين يدعمون تصنيع توماهوك، ارتباطًا مباشرًا بقدرة البنتاغون على استعادة قدرته القتالية.
ولا يعتمد إنتاج الصواريخ لدى البنتاغون على التجميع النهائي فحسب، بل يتطلب توفر محركات الصواريخ وأجهزة التوجيه والإلكترونيات والرؤوس الحربية والمواد الطاقية والمواد المتخصصة بكميات كافية، ما يعني أن النقص لدى موردين فرديين يمكن أن يقيّد إنتاج الصواريخ الكاملة. وهذا ما يفسّر الأهمية الاستراتيجية لجهود البنتاغون الحالية لتوسيع إنتاج الصواريخ والذخائر الأمريكية، والتي تتجاوز كونها مجرد سياسة تعاقدية، إذ باتت الطاقة التصنيعية عاملاً محددًا لسرعة استعادة القوة القتالية الأمريكية بعد استهلاك مكثف للصواريخ.
ويبقى المطلب الصناعي الفوري واضحًا: زيادة الإنتاج مع تقليص الفجوة الزمنية بين التمويل الذي يقره الكونغرس وعقود البنتاغون ووصول الصواريخ فعليًا إلى المخزونات التشغيلية. والهدف ليس مجرد تعويض الأسلحة التي أُطلقت ضد إيران، بل بناء عمق احتياطي كافٍ لاستيعاب أي استهلاك قتالي مستقبلي دون خلق فجوة جاهزية ممتدة.
ويعيد هذا المطلب النقاش إلى السؤال المحوري: هل تستطيع أمريكا فعلاً خوض حربين مكثفتَي استهلاك للصواريخ في آنٍ واحد؟ ولا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بالاستناد فقط إلى حجم الميزانية الدفاعية الأمريكية الإجمالية أو عدد الطائرات والسفن والمنظومات البرية المتاحة، فأي مواجهة ثانية عالية الحدة ستفرض متطلبات ذخائر هائلة، وتعتمد القدرة على الوفاء بها على المخزونات المتراكمة قبل بدء القتال وعلى الإنتاج المتاح بعد بدء الاستهلاك.
وستكون أي مواجهة مع الصين شديدة الصعوبة بشكل خاص، لأن الجغرافيا تضاعف قيمة الضربات بعيدة المدى والدفاع الصاروخي، إذ ستعمل القوات الأمريكية والحليفة عبر قواعد ومناطق بحرية متباعدة في مواجهة واحدة من أكبر وأكثر ترسانات الصواريخ تنوعًا في العالم. وقد تحمي منظومتا باتريوت وثاد أصولًا حيوية منتقاة، لكن لا توجد قوة دفاع صاروخي قادرة على حماية كل موقع بالتساوي، وإذا كانت مخزونات الصواريخ الاعتراضية محدودة، فسيضطر القادة إلى تحديد أولوية القواعد ومراكز القيادة والعقد اللوجستية الأكثر أهمية لاستمرار الحملة.
وستواجه صواريخ توماهوك وPrSM وغيرها من الأسلحة بعيدة المدى معضلة توزيع مماثلة، إذ قد تضطر المخزونات المحدودة القادة إلى الاحتفاظ بالأسلحة للأهداف ذات التأثير العملياتي الأكبر، ما قد يقلص وتيرة أو اتساع عمليات الضرب. ولا يشترط ظهور هذا الخلل أن تصل المخزونات الأمريكية إلى الصفر، إذ تبدأ القيود التشغيلية في وقت أبكر، حين يضطر القادة إلى ادخار الصواريخ الاعتراضية لأخطر التهديدات، وتضييق قائمة الأهداف الهجومية، وإعادة توزيع الذخيرة بين المسارح، أو تقبّل مخاطر أكبر على أصول لا يمكن توفير حماية كافية لها.
وهذا ما يخلق معضلة “الحرب الثانية” الحقيقية أمام واشنطن: إذ يمكن للجيش الأمريكي أن يبقى قادرًا على مواصلة حرب إيران، مع تقليص هامش استجابته في الوقت نفسه لأزمة سريعة التطور تتعلق بالصين. وهذا التمييز حاسم بالنسبة للردع، فالخصوم المحتملون لا يحتاجون إلى الاعتقاد بأن مخازن الصواريخ الأمريكية فارغة تمامًا، بل يكفي أن تتغير حساباتهم إذا قدّروا أن المخزونات الأمريكية تراجعت بما يكفي للحد من مدة أو حدة أو النطاق الجغرافي لأي رد أمريكي.
وبذلك تحولت حملة الضربات على إيران إلى اختبار إجهاد حقيقي لقدرة التحمل الصاروخية الأمريكية على أرض الواقع، فالضربات والاعتراضات الناجحة تثبت فعالية الأسلحة الأمريكية، لكن كل اشتباك ناجح يستهلك أيضًا ذخيرة يتعين على البنتاغون والصناعة الدفاعية تعويضها. والدرس الأعمق أن ندرة الصواريخ يمكن أن تتحول من مشكلة صناعية إلى قيد تشغيلي، ثم إلى ثغرة استراتيجية، إذ لم يعد المعيار الحاسم هو قدرة الصاروخ على إصابة هدفه فحسب، بل قدرة الولايات المتحدة على تصنيع وتخزين ما يكفي من هذه الصواريخ لاستدامة عدد الاشتباكات المتوقعة في حرب كبرى.
وبالنسبة للبنتاغون، فإن إعادة بناء مخزون باتريوت، واستعادة رصيد ثاد، وتعويض صواريخ توماهوك، وتوسيع إنتاج PrSM، تشكل جميعها جزءًا من المتطلب الاستراتيجي ذاته: على الولايات المتحدة أن تعيد بناء الذخيرة المستهلكة في حرب إيران دون التضحية بعمق الاحتياطي اللازم لردع خصم آخر أو مواجهته إذا لزم الأمر.
والدرس الرئيسي من الحملة الإيرانية ليس أن الولايات المتحدة فقدت تفوقها الصاروخي، فمنظومات باتريوت وثاد وتوماهوك وPrSM لا تزال توفر قدرات دفاعية وهجومية بالغة الفعالية، لكن قيمتها القتالية تظل في نهاية المطاف رهينة بتوفر ذخيرة كافية لاستدامة هذه الفعالية عبر الزمن. وإذا صحّت تقديرات CSIS بشأن المخزون والجداول الزمنية لإعادة التزويد، فإن حرب إيران تكون قد كشفت عن فجوة مقلقة بين سرعة استهلاك القوات الأمريكية للصواريخ المتطورة وسرعة قدرة الصناعة الأمريكية على تعويضها، وقد تصبح مسألة قدرة إنتاج البنتاغون على سد هذه الفجوة قبل اندلاع أزمة كبرى أخرى أحد أهم مقاييس الجاهزية العسكرية الأمريكية.
وفي نهاية المطاف، لم يعد السؤال الاستراتيجي المطروح على واشنطن مقتصرًا على مدى فعالية أداء الصواريخ الأمريكية ضد إيران، بل بات يتعلق بما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على إعادة ملء مخازنها الصاروخية بالسرعة الكافية لضمان ألا يؤدي خوضها حربًا واحدة إلى إضعاف قدرتها على ردع، وإذا اقتضت الضرورة، خوض مواجهة ثانية عالية الحدة مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.






