ظافر مراد
في 17 سبتمبر/ أيلول 2026، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية موافقتها على البيع المحتمل لـ 48 مقاتلة نوع F-35 للسعودية بقيمة 24.3 مليار دولار، وأخطرت الكونغرس بالصفقة، وهذه تعتبر موافقة سياسية بإنتظار إستكمال الإجراءات الاخرى عند الجانب الاميركي. تعتبر هذه الصفقة الأكثر شهرة والأكثر أهمية للقوات الجوية السعودية، فحقيقة هذا المشروع أن المملكة لا تشتري 48 طائرة F-35 لكي ترفع عدد مقاتلاتها، بل تريد إجراء تغييراً جذرياً في هندسة القوة الجوية وتعظيم قدراتها في ظروف الحروب الحديثة، لتنتقل من قوة تعتمد أساساً على كثافة المقاتلات التقليدية إلى قوة تستطيع فيها مقاتلاتها الشبحية تنفيذ الإختراق إلى العمق المعادي في الموجة الاولى، لضرب الأهداف ذات القيمة العالية ووسائط الدفاع الجوي؛ ثم تاتي الموجة الثانية لتنفذ الجزء الأكبر من الضربة.

تمتلك القوة الجوية السعودية كتلة مقاتلة كبيرة ومتنوعة، وفي مقدمتها F-15SA وF-15S وEurofighter Typhoon ، لذلك فإن قيمة F-35 العملياتية تكمن في قدرتها على العمل داخل هذه القوة كمنصة استشعار واختراق وقيادة تكتيكية متقدمة، فالمنطق العملياتي يحتِّم أن تعمل F-35 في مقدمة الشبكة: كشف، تحديد، جمع معلومات، اختراق، واستهداف؛ بينما تستطيع F-15SA حمل كمية أكبر من الذخائر وتنفيذ جزء كبير من الضربات، أما Typhoon فتضيف قدرة جوية أوروبية مختلفة إلى المنظومة، وبهذا تتحول القوة الجوية السعودية من أسراب منفصلة إلى منظومة عمليات مؤلفة من طبقات متكاملة من القوة الجوية.
لا تستطيع F-35 وحدها أن تصنع قوة جوية من الجيل الخامس، فهي تحتاج إلى رادارات بعيدة المدى، وطائرات إنذار مبكر، وتزود جوي بالوقود، واستطلاع فضائي، واتصالات آمنة، وحرب إلكترونية، ومراكز قيادة وسيطرة قادرة على تحويل البيانات إلى قرار ضمن المهل المطلوبة، وهذا ما يجعل صفقة الطائرة في حقيقتها أوسع بكثير من سعرها المعلن، كما أن توقيت الصفقة مهم، فقد ذكرت وكالة رويترز في 17 سبتمبر/أيلول أن الصفقة يمكن أن تغيّر ميزان القوة العسكرية في الشرق الأوسط، وأنها تختبر السياسة الأميركية المتعلقة بالحفاظ على التفوق النوعي الإسرائيلي.

حتى الآن نحن أمام موافقة على بيع محتمل وليست عقداً نهائياً، فيما يبقى للكونغرس مسار المراجعة الخاص به، لكن إذا اكتملت الصفقة ودخلت الطائرات الخدمة، فالتغيير الحقيقي سيظهر في مكان آخر يتعلق بطبيعة عقيدة استخدام القوة الجوية السعودية، وستكون هذه الصفقة إذا تمت، العقدة التي تعيد تنظيم القوة الجوية كلها حول مفهوم الحرب الشبكية والاختراق والاستشعار والضربة بعيدة المدى، وهذا هو التحول الحقيقي الذي يجعل من القوات الجوية السعودية مكون إستراتيجي، لا تقتصر أهميته وقدراته على الفعل ورد الفعل، بل على فرض مفهوم “الردع بالعقاب” على الأعداء.




