خاص دفاع العرب / العقيد الركن م ظافر مراد
مع إقتراب الإنتخابات في إسرائيل والولايات المتحدة، تتحرك ثلاثة مسارات متزامنة في المنطقة: استعراض جوي إسرائيلي بعيد المدى قرب الحدود الإيرانية، وتحرك أميركي ميداني فوق مضيق هرمز، واجتماع أمني رفيع المستوى في طهران يضم ممثلي السعودية وتركيا وباكستان. اجتماع اليوم قد يشكّل فرصة لاحتواء التصعيد، لكنه يجري في بيئة عسكرية وسياسية تجعل احتمالات المواجهة قائمة بقوة، فهل اجتماع طهران هو وساطة أخيرة أم إنذار استراتيجي؟

بحسب وكالة “رويترز” في تقرير نشرته صباح الاثنين 26 تشرين الأول/أكتوبر، يتوجه إلى طهران وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، لإجراء مشاورات مع أمين المجلس الاعلى للأمن القومي الإيراني. محسن رضائي، أو مع نائبه علي باقري كني؛ وأوضح التقرير أن الأخير كان قد أعلن عن الزيارة، في وقت تتصاعد فيه الهجمات الحوثية على السعودية.

تكمن أهمية الاجتماع في هوية المشاركين. فالسعودية وتركيا وباكستان أطراف اتفاق الدفاع المشترك المعروف بـ”اتفاق مكة”، الذي ينص على اعتبار الاعتداء المسلح على أحد أعضائه اعتداءً على الجميع، مع الالتزام باتخاذ الوسائل اللازمة لحماية السيادة وسلامة الأراضي، ووفق “أسوشيتد برس” بدأت تركيا في 22 تشرين الأول/أكتوبر، إجراءات المصادقة البرلمانية، فيما وافقت باكستان على الاتفاق.
يعتبر حدث وصول وزير دفاع سعودي وقائد الجيش الباكستاني ورئيس الاستخبارات التركية إلى طهران رسالة تحمل وزناً يتجاوز الوساطة الدبلوماسية التقليدية، فالمطلوب ليس فقط وقف النار، بل اختبار استعداد إيران لخفض التصعيد الإقليمي، وضبط ساحات المواجهة، وفتح مسار تفاوضي يمنع توسع الحرب، غير أن وصف الاجتماع بأنه الفرصة الأخيرة يحتاج إلى نتائج فعلية أو مؤشرات رسمية تؤكد ذلك؛ حتى الآن، لا يوجد إعلان موثوق بأنه إنذار نهائي لإيران.
أما في ما خص الإستطلاع الجوي الإسرائيلي، فقد ذكرت “أكسيوس” في 21 تشرين الأول/ أكتوبر أن عشرات المقاتلات الإسرائيلية، مدعومة بطائرات التزوّد بالوقود، نفّذت طلعة بعيدة المدى عبر الأجواء السورية والعراقية باتجاه الحدود الإيرانية، قبل أن تعود من دون دخول الأراضي الإيرانية، وفق مسؤولين أميركيين وإسرائيليين. ووصف مسؤولون العملية بأنها استعراض للقوة وردع لإيران، فيما رأى بعض المسؤولين الأميركيين احتمال أن تكون إسرائيل تسعى إلى استفزاز رد إيراني يبرر هجوماً. وهذه تفسيرات منسوبة إلى مصادر، وليست دليلاً على صدور أمر بتنفيذ ضربة، وتعتقد دفاع العرب، أنها عملية تدريب ميداني متقدم واستطلاع لقدرات إيران الرادارية والدفاعية وتقييم لردود فعلها في مواجهة ما قد تعتبره “هجوم إسرائيلي جوي وشيك”، وفي العادة لا يحدث عمليات إستطلاع بهذا الحجم وبهذا الشكل، إلا في ظروف إحتمالات مرتفعة لعودة الحرب.

أما بالنسبة لإستطلاع قائد السنتكوم الجوي، فهو بالتأكيد يهدف إلى مزيد من الوعي الميداني لمضيق هرمز، والذي ينتظر على ما يبدو عمليات عسكرية واسعة النطاق، وفي يوم أمس الأحد 25 تشرين الأول/أكتوبر، حلّق قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، فوق مضيق هرمز على متن مروحية CH-47 شينوك، وتفقد الانتشار العسكري الأميركي، وفق ما نقلته “تايمز أوف إسرائيل” عن بيان القيادة المركزية، وأكد البيان الأميركي أن ممرات الملاحة التي جرى تطهيرها خالية من الألغام البحرية الإيرانية. لا يثبت هذا التحليق وحده أنه كان طلعة استطلاع تمهيدية لهجوم، لكنه يعكس الأهمية العملياتية للمضيق في أي مواجهة مقبلة.

في ظل كل هذه التطورات والنشاطات الميدانية، لا سيما إجتماع طهران الطاريء والذي يغلب عله الطابع الأمني المستعجل، يُطرح سؤال حول إحتمالات عودة الحرب، وموعد إندلاعها من جديد، وفي هذا الشأن يقف إستحقاقي الإنتخابات في إسرائيل وفي الولايات المتحدة، كعاملين مركزيين في تحديد توقيت التصعيد، وكانت شبكة “إيه بي سي نيوز” قد نقلت في 22 تشرين الأول/ أكتوبر عن مصدرين إسرائيليين أن واشنطن وتل أبيب أعدّتا خططاً لاستئناف الضربات خلال الأسابيع التالية، مع ترجيح المصادر أن يكون التنفيذ بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر. وفي المقابل، أعلنت متحدثة باسم البيت الأبيض أن الولايات المتحدة لن تهاجم إيران قبل تلك الانتخابات. كما أفادت “إن بي آر” بوجود استعدادات لاحتمال شن هجوم في أوائل تشرين الثاني/نوفمبر، مع بقاء احتمال أن تكون التحضيرات وسيلة ضغط لدفع طهران إلى اتفاق.
الموعد الإسرائيلي الانتخابي هو الثلاثاء 27 تشرين الأول/ أكتوبر، فيما تشكّل الانتخابات الأميركية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر قيداً سياسياً مختلفاً. لذلك، فإن انتهاء الاستحقاق الإسرائيلي لا يعني تلقائياً بدء الحرب؛ القرار الأميركي، وحسابات أسعار الطاقة، ورد إيران المتوقع، عوامل قد تؤخر التنفيذ أو تغيّر حجمه.
يحمل المشهد حالياً ثلاثة احتمالات رئيسية:
- اتفاق مرحلي: تفاهم على الملاحة في هرمز، ووقف الهجمات الإقليمية، ثم فتح ملف البرنامج النووي. توجد أرضية تفاوضية؛ فقد نقلت “أسوشيتد برس” في 24 تشرين الأول/أكتوبر أن السفير الإيراني في باكستان أكد استعداد طهران لاستئناف المحادثات ضمن اتفاق مرحلي، مع ربط فتح المضيق برفع الحصار البحري الأميركي.
- استمرار الضغط دون حرب شاملة: إبقاء القوات في حالة جاهزية، وتكثيف الاستطلاع والاستعراض العسكري، وانتظار تنازلات إيرانية.
- استئناف الضربات: إذا فشلت الوساطة، فقد تستهدف الحملة الجديدة القدرات النووية والصاروخية والبنية المرتبطة بها، لكن حجمها وتوقيتها وأهدافها النهائية لا تزال غير محسومة، مع ترجيح أن تشمل الهجمات مزيداً من منشآت الطاقة والبنى التحتية الهامة والحساسة في دول الخليج، كرد فعل إيراني-حوثي لرفع مستوى كلفة الحرب على دول المنطقة، وبالتحديد على المملكة العربية السعودية.

في الخلاصة، يعتبر اجتماع طهران اختبار سياسي تحت ظلال القوة العسكرية، نجاحه يتوقف على قدرة الوسطاء على انتزاع التزامات قابلة للتحقق، لا مجرد تصريحات، أما طلعات الطيران والتحركات الأميركية، فهي مؤشرات جاهزية وضغط، وليست بمفردها دليلاً على أن ساعة الصفر حُدّدت، قد يكون أخطر ما في المرحلة أن يفشل التفاوض بينما تكون القوات جاهزة، فيتحول سوء التقدير أو الرد المحدود إلى شرارة حملة أوسع تفجر المنطقة، وتزج بقوات جديدة في مسرح الحرب الكبرى، وإذا كانت طهران تريد الإستمرار بلعبة كسب الوقت، فيبدو أن الإدارة الأميركية، وعلى الرغم من قوة موقفها، قد استنفذت كل الوقت المسموح، معتبرة أنه آن الأوان لتغيير الواقع الميداني، إن لم يكن بحرب شاملة تنهي قدرات طهران، وهذا ما جاء على لسان الرئيس ترامب في تصريحاته، فسيكون بضربة حاسمة تضعف موقف طهران لدفعها لقبول الشروط الأميركية.


