إيران تهدد كابلات الإنترنت في هرمز، ما تداعيات الضربة وكيف سيرد إيلون ماسك؟

العقيد الركن م. ظافر مراد – خاص دفاع العرب

Northrop Grumman - Raid Hunter

لا يمثل التهديد باستهداف كابلات الإنترنت في مضيق هرمز مجرد خطر على بنية تحتية للاتصالات، بل يعكس توجهاً نحو استخدام سلاح ضغط اقتصادي ورقمي يطال الخليج وشركات التكنولوجيا الأميركية وحركة البيانات بين آسيا وأوروبا. والمستغرب في هذا التهديد أن إيران نفسها قد تكون من أكبر المتضررين منه، إذ لن تقتصر الأضرار على بنية يستخدمها خصومها، بل ستطال شركاءها وشبكاتها التجارية أيضاً. فهل تنفذ طهران تهديدها إذا اندلعت الحرب من جديد؟ وما الدور الذي يمكن أن يؤديه إيلون ماسك في التخفيف من التداعيات؟

يصعب الجزم بذلك. فالتهديد ورقة ردع وضغط في المقام الأول، وكلفته السياسية والاقتصادية على طهران مرتفعة، لكن احتمال تنفيذه يزداد إذا تحولت المواجهة إلى حرب شاملة وأصبح استهداف اقتصاد الخصم وسيلة لرفع كلفة الحرب عليه.

بين ستارلينك والكابلات البحرية

يجب أولاً التمييز بين أمرين: امتلاك ماسك شبكة اتصالات فضائية عالمية عبر ستارلينك، وتشغيل كابلات الألياف الضوئية البحرية. فهما منظومتان مختلفتان، وليس كل كابل بحري تابعاً لماسك أو لشركاته.

تشكّل الكابلات البحرية الشرايين الأساسية لنقل البيانات الدولية، فهي تحمل اتصالات المصارف والتجارة الإلكترونية والحوسبة السحابية ومكالمات الفيديو وحركة البيانات بين مراكز البيانات. والمستفيدون منها منظومة كاملة، لا جهة واحدة:

  • دول الخليج: المصارف وشركات النفط والغاز والمطارات والوزارات ومراكز البيانات والخدمات الرقمية.
  • شركات التكنولوجيا الأميركية: مثل Google وMicrosoft وAmazon، التي تعتمد على بنية اتصالات دولية لربط خدماتها ومراكز بياناتها.
  • شركات الاتصالات: التي تملك الكابلات أو تشارك في تمويلها وتشغيلها، وتبيع سعات نقل البيانات لمشغّلين آخرين.
  • الصين والهند وأوروبا: لأن تعطيل المسارات الخليجية قد يؤثر في حركة البيانات العابرة بين مناطق اقتصادية كبرى، بحسب الكابل والمسارات البديلة المتاحة.

والنقطة الأساسية التي يجب أن يعرفها الجميع أن مضيق هرمز ليس ممراً وحيداً للإنترنت العالمي، فهناك كابلات ومسارات أخرى في الخليج العربي وبحر عُمان والبحر الأحمر والمحيط الهندي. لذلك يعتمد حجم الضرر على الكابلات المتضررة ومواقعها ومدى توافر المسارات البديلة.

توضح بيانات TeleGeography أن الأنظمة التي تعبر المضيق تشمل AAE-1 وFALCON ونظام Gulf Bridge International، وتشير الشركة إلى أن حركة البيانات بين أوروبا وآسيا لا تعتمد على المضيق وحده، إذ تمر كابلات رئيسية عبر البحر الأحمر أيضاً.

ما الذي يستطيع ماسك تقديمه؟

تتيح منظومة الإنترنت الفضائي التابعة لـSpaceX توفير اتصال بديل في بعض الظروف، لكن ستارلينك لا تملك السعة الهائلة التي تنقلها الكابلات البحرية، ولا تستطيع وحدها تعويض حركة البيانات الدولية كلها. وإذا وقع القطع فعلاً، فهناك ثلاثة مسارات محتملة:

  1. توسيع خدمات الإنترنت الفضائي: قد يرتفع الطلب على ستارلينك من مؤسسات حكومية وشركات ومستخدمين يحتاجون إلى اتصال احتياطي، لكن تقديم الخدمة يتوقف على التراخيص المحلية والتغطية والطاقة الاستيعابية والتوافر الأمني.
  2. تأمين الاتصالات الحرجة: يمكن استخدام الاتصالات الفضائية مساراً احتياطياً لبعض المنشآت الحيوية، ومنها مواقع الطاقة والخدمات اللوجستية والجهات الحكومية.
  3. تعزيز التعاون مع الحكومات: قد تزداد أهمية حلول الاتصال الفضائي ضمن خطط الطوارئ الوطنية، من دون أن يعني ذلك تلقائياً عقداً جديداً مع ماسك.

وإلى جانب هذه المسارات مكسب تجاري محتمل: فارتفاع الطلب على الاتصال الاحتياطي قد يفيد SpaceX، لكن انقطاع الكابلات لا يمنح ماسك السوق تلقائياً، فهناك منافسون فضائيون ومشغّلون محليون ومسارات أرضية وبحرية بديلة.

من يتحمل الخسارة؟

لو نُفذت الضربة ونجحت في تدمير هذه الكابلات، فستقع الخسارة الاستراتيجية في المقام الأول على دول الخليج، من اضطراب في الخدمات الرقمية والمصرفية وارتفاع في تكاليف الاتصالات. وفي المقام الثاني على شركات التكنولوجيا الأميركية، التي ستواجه مخاطر على مراكز البيانات والخدمات السحابية، لا على الكابلات وحدها. وفي المقام الثالث على جميع الدول والشركات التي تمر اتصالاتها الرقمية عبر كابلات المضيق، مثل الصين والهند وأوروبا.

أما إيران فقد تكون متضررة بدورها، لا بسبب انقطاع الخدمة فحسب، بل لأن فعلاً كهذا سيضر بمصالح حيوية لدول صديقة لها أو محايدة، وهو ما قد يحرجها ويضعف علاقاتها الخارجية ويزيد عزلتها الدولية.

اتساع دائرة التهديد

اللافت أن التهديد الإيراني بات يشمل الكابلات البحرية ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي. ففي 20 تشرين الأول/أكتوبر 2026، نقلت وكالة الأناضول عن الحرس الثوري الإيراني حديثه عن سبعة كابلات رئيسية تحت المضيق، ضمن تحذيرات بتوسيع قائمة الأهداف. ويبدو أن الهدف الاستراتيجي المحتمل أوسع من قطع الإنترنت، فهو رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها، والضغط على اقتصادات الخليج، وإجبار الشركات والحكومات على احتساب أمن البيانات ضمن معادلة الردع. ولا يمكن استبعاد قيام الحوثيين بعمل مماثل في البحر الأحمر، في ظل تنسيقهم المتزايد مع طهران.

الخلاصة

المفارقة أن إيران قد تمنح قطاع الاتصالات الفضائية، ومنه ستارلينك، حافزاً إضافياً للنمو عبر تهديدها البنية التحتية التقليدية. لكن الرابح التجاري المحتمل ليس بالضرورة الرابح الاستراتيجي: فإذا تعطلت الخدمات والمصارف وسلاسل الإمداد، فقد يصيب الضرر دول المنطقة وإيران نفسها. وقد يستفيد ماسك من الطلب على البدائل الفضائية، لكنه لن يكون المستفيد الوحيد، ولن يستطيع وحده تعويض الكابلات البحرية.

والسؤال المهم اليوم: هل حضّرت دول الخليج نفسها لهذا الاحتمال؟ وهل باتت تملك مسارات اتصال احتياطية مستقلة تكفي لاستمرار عمل الدولة والاقتصاد تحت ضغط متزامن على الاتصالات والطاقة؟