من هرمز إلى باب المندب: هل تستطيع إيران تشتيت شبكة الدفاع الإقليمية؟

العقيد الركن م ظافر مراد | تحليل استراتيجي

تتحدد المواجهة المقبلة مع إيران، بقدرة الأطراف المتحاربة على توزيع الجهد والضغط بين الممرات البحرية ومنشآت الطاقة وشبكات الدفاع الجوي، أكثر مما تتحدد بنتائج الضربات المباشرة داخل الأراضي الإيرانية، فطهران تمتلك، إلى جانب قدراتها الصاروخية وطائراتها المسيّرة، ورقة جغرافية مؤثرة تمتد من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، فيما يواجه خصومها تحدياً يتمثل في حماية مسارح متعددة في وقت واحد. ويتم الحديث عن التحضير لضربة أميركية كبيرة على إيران، متوقعة بعد الإنتخابات النصفية في الثالث من تشرين الثاني من هذا العام.

في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، أفادت صحيفة “الغارديان” بتعرض ناقلة لهجوم قرب الساحل القطري، بالتزامن مع إعلان إيراني إغلاق أحد مسارات العبور في مضيق هرمز. وفي اليوم نفسه، ذكرت رويترز أن سعر خام برنت تجاوز 104 دولارات للبرميل، وسط مخاوف من اضطراب الإمدادات وتصاعد الهجمات على السفن، تكشف هذه التطورات أن التأثير الاقتصادي للمواجهة يمكن أن يتسع حتى من دون تدمير واسع لمنشآت الإنتاج النفطي.

تعتمد الإستراتيجية الإيرانية على تحويل الجغرافيا إلى نفوذ عسكري وسياسي، ففي مضيق هرمز، تستطيع طهران تهديد حرية الملاحة ورفع كلفة التأمين والنقل، مستفيدة من قرب سواحلها ومن تنوع أدواتها البحرية والصاروخية، أما باب المندب، فتتصل أهميته بقدرة الحوثيين على تهديد الملاحة في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، بما يفرض ضغوطاً إضافية على التجارة وسلاسل إمداد الطاقة.

وفي تقرير نشرته “رويترز” في 2 أكتوبر/ تشرين الأول، كشفت أن السعودية تستعد لعملية ضد الحوثيين لاستعادة مناطق استراتيجية قرب باب المندب، بدعم استخباراتي أميركي ومساعدات دفاعية من أطراف إقليمية وأوروبية، ويعني ذلك أن أي تصعيد متزامن في المضيقين قد يضع واشنطن وشركاءها أمام معادلة صعبة في مواجهة الضغط المتزامن، تتطلب توزيع القوة بين الخليج والبحر الأحمر والمنشآت الحيوية.

مع ذلك، لا يمكن افتراض أن طهران تسيطر على قرار الحوثيين بصورة مطلقة، أو أن التنسيق بين الجبهتين سيجري تلقائياً، نجاح الضغط المتزامن يتطلب توافر القدرات والقرار السياسي والتوقيت المناسب، وهي عوامل لا يمكن ضمانها مسبقاً.

الأختبار الأهم والتحدي الحقيقي سيكون عند شبكة الدفاع الجوي، وستكون حماية المنشآت النفطية ومحطات الكهرباء والمطارات والقواعد العسكرية أحد أصعب تحديات المرحلة المقبلة، فالمشكلة لا تتعلق بعدد بطاريات الدفاع الجوي وحده، وإنما بقدرة الدول على تبادل الإنذار المبكر ودمج بيانات الرادارات وتنسيق الاشتباك بين الطائرات الاعتراضية والصواريخ الأرضية وأنظمة مكافحة المسيّرات، ويتطلب ذلك بناء صورة جوية مشتركة، وتقليل زمن انتقال المعلومات من المستشعر إلى مركز القيادة ثم إلى وحدة الاعتراض. كما تبرز أهمية توزيع الذخائر الاعتراضية على الأهداف وفق قيمتها الاستراتيجية، لأن استنزاف الصواريخ المكلفة ضد موجات متكررة من المسيّرات قد يضعف القدرة على مواجهة تهديدات أكثر خطورة، والأهم أن شبكة الدفاع الإقليمية لن تُختبر فقط بقدرتها على إسقاط المقذوفات، بل بقدرتها على مواصلة العمل عندما تتعرض الرادارات والاتصالات ومراكز القيادة للتشويش أو الهجوم.

على الرغم من عدم الإنخراط الاوروبي في الحرب، إلا أن المشاركة الأوروبية بدأت تأخذ شكلاً عملياً، وإن بقيت حدودها السياسية والعسكرية خجولة، ففي تقرير لرويترز بتاريخ 2 أكتوبر/تشرين الأول، قال وزير الدفاع الإيطالي” غيدو كروزيتو” إن مساهمات الدول الأوروبية في مهمة أسبيدس لحماية الملاحة في البحر الأحمر لا تزال غير كافية لضمان المرور الآمن للسفن التجارية، وتعمل المهمة أساساً على حماية الملاحة ومرافقة السفن، ولا تعني تلقائياً المشاركة في حرب هجومية ضد إيران.

كذلك أشار تقرير رويترز عن الاستعدادات السعودية إلى مساهمة فرنسية دفاعية، فيما قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إن أنقرة تدرس تقديم دعم دفاعي للسعودية يشمل الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والدعم التقني، مستبعداً المشاركة التركية في عمليات هجومية، هذا التمايز مهم: قد تتوسع المشاركة الأوروبية في حماية السفن والمنشآت والإنذار المبكر، لكن الانتقال إلى ضرب أهداف داخل إيران يحتاج إلى قرار سياسي منفصل، ولا يجوز اعتباره نتيجة حتمية للانتشار الدفاعي.

مقابل كل ذلك، يثير سلوك إيران الغامض وعدم خضوعها للضغوطات العسكرية والإقتصادية، شكوك حول نواياها وإستعداداتها للمواجهة المقبلة، فهل اكتسبت إيران في مرحلة توقف الحرب اي قدرات إستراتيجية ترفع كلفة المواجهة عند خصومها؟ ومع هذا التساؤل، تجدر الإشارة إلى أن السيناريو الأكثر إثارة للقلق ليس بالضرورة امتلاك سلاح جديد غير معروف، وإنما استخدام القدرات المتاحة بطريقة تفرض على خصوم إيران استنزاف مواردهم وتوزيع جهودهم على اكثر من مسرح، وقد يشمل ذلك تزامن الضغوط البحرية مع هجمات مسيّرة وصاروخية، أو توسيع نطاق التهديد ليشمل منشآت الطاقة وخطوط الإمداد، أو استغلال الثغرات بين أنظمة الإنذار والاعتراض لدى الدول المختلفة، لكن تبقى هذه مجرد تحليلات وليست معلومات مؤكدة عن خطط إيرانية سرية، كما أن توسيع الهجمات قد يرتد على طهران، عبر توحيد خصومها وزيادة التدخل الخارجي وتشديد الضغوط الاقتصادية عليها.

في الخلاصة العسكرية، المواجهة المقبلة إن اتسعت، ستكون اختباراً لشبكات القيادة والدفاع والقدرة على الاستمرار تحت ضغط النار والوقت، وقد تنجح إيران في رفع كلفة الحرب على خصومها من خلال تعدد الجبهات، لكن قدرتها على تحويل هذا الضغط إلى مكسب سياسي ستظل رهناً بقدرة الطرف الآخر على حماية الممرات البحرية ومصادر الطاقة، ومنع استنزاف دفاعاته، والحفاظ على تماسك التحالفات وفعالية التعاون المشترك، من أسبيدس إلى مكة إلى مجلس الدفاع المشترك لدول مجلس التعاون الخليجي.