تتداول حسابات متخصصة في تتبع الشؤون العسكرية، ومعها مواقع تحليلية، أنباء عن مفاوضات تجريها إثيوبيا لشراء 7 مقاتلات فرنسية متعددة المهام من طراز “رافال”. ولم تؤكد الحكومة الإثيوبية، ولا شركة “داسو للطيران”، ولا الحكومة الفرنسية هذه المعلومات حتى لحظة كتابة هذا التقرير. ويستعرض التقرير ما يمكن اعتباره مؤكدًا، وما يبقى في إطار التقارير غير المثبتة، وما يطرحه المحللون من قراءات.
كيف ظهر الخبر
ظهر الخبر أولًا في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 على حسابات متخصصة في الاستخبارات مفتوحة المصدر على منصة إكس. وكتب أحدها، وهو حساب “Pulp Faction”، أن إثيوبيا “على وشك” اقتناء سبع مقاتلات رافال وأنظمة جوية مرتبطة بها. وصياغة هذا الحساب أقوى مما ذكرته بقية المصادر، إذ جاء في الردود على المنشور نفسه من يقول إنه لا توجد أي أنباء عن توقيع إثيوبيا صفقة لشراء الرافال.
وفي 3 نوفمبر/تشرين الثاني نشر موقع “سايلنت دوسييه” مقالًا لمديره ورئيس تحريره لوكاس فين، قال فيه إن إثيوبيا “تتفاوض” على سبع مقاتلات رافال لتعمل إلى جانب مقاتلات “سو-35” الروسية. وأكد الموقع نفسه أن شيئًا من هذه المفاوضات لم يُؤكد رسميًا، وأن التقرير يجب أن يُتابع ولا يُؤخذ على أنه محسوم. وتناقلت وسائل إعلام عربية الخبر نقلًا عن الموقع، ومنها موقع “العالم السري”، الذي أشار إلى أن قيمة الصفقة ومواعيد التسليم وحزمة التسليح المحتملة غير معروفة.
ما هو مؤكد وما ليس مؤكدًا
المؤكد:
- أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2026، خلال القمة الروسية الأفريقية في موسكو، أن بلاده تسلمت 12 مقاتلة “سو-35” روسية، وأنها ستقتني أربع بطاريات من منظومة الدفاع الجوي “إس-400”.
غير المؤكد:
- وجود مفاوضات فعلية بين أديس أبابا وباريس أو داسو، فالتقارير تتداول الخبر ولم يصدر أي بيان رسمي بشأنه.
- عدد الطائرات (سبع)، وقيمة الصفقة، ومواعيد التسليم، وحزمة التسليح.
- ما إذا كانت المفاوضات مع فرنسا مباشرة أم عبر طرف ثالث، فالمصادر لم تتطرق إلى ذلك.
مواصفات الطائرة وأهميتها
يشير تقرير “العالم السري” إلى أن الرافال تتميز بقدرتها على أداء مهام متعددة، تشمل اعتراض الطائرات المعادية، ومرافقة التشكيلات الجوية، وضرب الأهداف البرية والبحرية، والاستطلاع، وأنها تجمع بين أكثر من مهمة في الطلعة الواحدة. ويرى التقرير أن دخول الرافال الخدمة في إثيوبيا، إذا اكتملت الصفقة، قد يعزز قدرتها على حماية مجالها الجوي وتنفيذ عمليات دقيقة، ويوسع مصادر تسليحها.
وفي مقارنة تقنية، ذكر حساب “Pulp Faction” أن قدرات الرافال في القتال الجوي قريبة من قدرات “سو-35” التي تسلمتها إثيوبيا من روسيا، وهو تقدير صادر عن الحساب نفسه.
خلفية: من أين جاءت مقاتلات “سو-35″؟
يروي “سايلنت دوسييه” أن الصور التي نشرها مكتب آبي أحمد تُظهر الطلاء الصحراوي الذي وضعته روسيا على مقاتلات “سو-35” المصنّعة لمصر. ووفق الموقع، طلبت القاهرة نحو عشرين مقاتلة من هذا الطراز عام 2018، ثم تراجعت عن الصفقة تحت تهديد العقوبات الأميركية بموجب قانون “كاتسا”. ويضيف الموقع أن روسيا أنجزت الطائرات وخزّنتها، وأنها صُوّرت لاحقًا في الجزائر التي لم تحتفظ بها، قبل أن تُرسل 12 منها إلى إثيوبيا. ونقلت صحيفة “ديلي نيوز إيجيبت”، في مقال رأي، عن موقع “NZIV” الإسرائيلي رواية مشابهة. وهذه الرواية غير مؤكدة رسميًا من موسكو أو القاهرة أو أديس أبابا.
ويشكك الموقع في قدرة روسيا على تسليم أربع بطاريات “إس-400” لإثيوبيا قريبًا، ويعلل ذلك بأن موسكو نفسها تعاني نقصًا في منظومات الدفاع الجوي. وهذا تقدير من كاتب المقال وليس معلومة مثبتة.
السياق الإقليمي
التوتر مع إريتريا والسودان. يذكر “سايلنت دوسييه” أن إثيوبيا أغلقت سفارتها في أسمرة في 1 أكتوبر/تشرين الأول، وأن إريتريا ردت بقطع العلاقات الدبلوماسية. ويضيف أن مسؤولين إثيوبيين يتهمون إريتريا بإرسال قوات إلى شمال إثيوبيا منذ أواخر سبتمبر/أيلول، وأن جنودًا إريتريين أُفيد بوجودهم داخل تيغراي منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، فيما تنفي أسمرة ذلك. وفي المقابل، قدمت الخرطوم، بحسب الموقع، شكاوى إلى مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الأفريقي تتهم فيها إثيوبيا بالسماح لطائرات مسيّرة بالانطلاق من أراضيها لاستهداف محطات كهرباء سودانية، وتنفي أديس أبابا ذلك وتتهم الجيش السوداني بدعم متمردي تيغراي. ولم يجرِ التحقق من هذه الاتهامات من مصدر ثانٍ.
مسألة المنفذ البحري. يشير الموقع إلى أن إثيوبيا، التي يبلغ عدد سكانها نحو 130 مليون نسمة، فقدت ساحلها باستقلال إريتريا عام 1993، وخاضت حربًا معها بين 1998 و2000، قبل أن يوقع آبي أحمد اتفاق سلام مع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي عام 2018 نال عنه جائزة نوبل للسلام. ويقول إن الحليفين قاتلا معًا ضد جبهة تحرير تيغراي بين 2020 و2022، ثم انهار التحالف بعد اتفاق بريتوريا. ويرى الموقع أن آبي أحمد يصف الوصول إلى البحر الأحمر منذ 2023 بأنه مسألة وجودية، وأن ميناء عصب الإريتري، الذي يبعد أقل من مئة كيلومتر عن الحدود، هو الهدف الأبرز. وتبقى هذه قراءات الموقع وليست وقائع مثبتة.
الدور الروسي والإماراتي. يقول “سايلنت دوسييه” إن روسيا تدعم علنًا طموح إثيوبيا للوصول إلى البحر وتدرب عناصر من بحريتها، وإن إثيوبيا بنت مقرًّا للبحرية في بيشوفتو قرب أديس أبابا رغم أنها بلا ساحل ولا سفن. وفي مقال سابق على موقع “Horn Review” في مارس/آذار 2026، ورد أن الإمارات، وهي من أهم حلفاء إثيوبيا، يُتوقع بحسب تقارير أن تنقل عددًا من مقاتلات “ميراج 2000-9” الفرنسية الصنع إلى سلاح الجو الإثيوبي. وأوردَ المقال هذه المعلومة بصيغة “بحسب تقارير”، ولم يتسنَّ العثور على تأكيد لها.
مصر في المعادلة
تُعد مصر أول مشترٍ أجنبي للرافال. فقد تعاقدت على 24 طائرة عام 2015، ثم على 30 أخرى عام 2021 بقيمة 3.75 مليار يورو بحسب وزارة الدفاع المصرية ووكالة رويترز، لتصبح ثاني أكبر مشغّل للطائرة بعد فرنسا. وفي سبتمبر/أيلول 2026 أفادت تقارير، نقلًا عن موقع “لا تريبون” الفرنسي، بأن القاهرة أرسلت طلب عروض إلى داسو لشراء 24 طائرة إضافية، ما سيرفع أسطولها إلى 78. وقالت صحيفة “ليزيكو” الفرنسية إن لا طلبية مؤكدة قد وُقّعت، وإن داسو لم ترغب في التعليق.
ويرى “سايلنت دوسييه” أن الطلب المصري أكبر قيمة لفرنسا من سبع طائرات لأديس أبابا، وأن باريس ستجد صعوبة في البيع لإثيوبيا، لأن ذلك قد يعرّض علاقتها بأحد أكبر زبائن داسو للخطر. ويضيف أن الطيارين الإثيوبيين مدرَّبون على الطائرات الروسية ولا خبرة لهم بالرافال، وأن إثيوبيا قد تبحث عن طائرات مستعملة أو مسحوبة من الخدمة. وهذه كلها تقديرات تحليلية.
وتشير تقارير نقلها موقع “الدفاع العربي” إلى أن مصر تدرس أيضًا خيارات صينية، منها مقاتلات “J-10CE”، دون أن يصدر ما يؤكد ذلك رسميًا.
قراءات المحللين
قراءة “سايلنت دوسييه”: الرافال طائرة مصممة لقتال دولة وليس لمواجهة ميليشيات، ولذلك يرى الموقع أن إثيوبيا تتجهز لحرب مع جارة، وأن إريتريا هي الهدف الأرجح. ويرى أن مصر مرتبطة باتفاقيات دفاعية مع كل من السودان (2021) وإريتريا (منذ قمة أسمرة في أكتوبر/تشرين الأول 2024)، وأن أي حرب إثيوبية ستمس شركاءها.
قراءة “ديلي نيوز إيجيبت”: يرى مقال الرأي المنشور في 3 نوفمبر/تشرين الثاني أن امتلاك إثيوبيا 12 مقاتلة “سو-35” وأربع بطاريات “إس-400″، حتى لو تضاعف العدد، لا يكفي لتغيير ميزان القوى في القرن الأفريقي أو البحر الأحمر، وأن العامل الحاسم هو القدرة على التشغيل وليس عدد الأسلحة. ويعتبر أن الصفقة الروسية قد تكون مكسبًا دعائيًا داخليًا أو مصدرًا لتصعيد مؤقت.
سابقة تاريخية
ليست هذه المرة الأولى التي تتردد فيها أنباء عن سعي إثيوبيا لشراء الرافال. فقد نشرت مجلة “لو بوان” الفرنسية في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 رسالة قالت إن آبي أحمد وجّهها إلى الرئيس إيمانويل ماكرون في 22 يوليو/تموز 2019، طلب فيها دعم القوات الجوية الإثيوبية. وبحسب ما نقلته وسائل إعلام عربية عن المجلة، تضمنت القائمة 12 مقاتلة بينها رافال وميراج 2000، و18 مروحية، وطائرتي نقل من إيرباص. وجاء ذلك بعد توقيع البلدين اتفاق تعاون عسكري في مارس/آذار 2019. ولم تنتهِ تلك الطلبات إلى صفقات معلنة بحسب ما توافر من معلومات.


