دفاع العرب — تقرير خاص
كشف الصراع الأخير مع إيران عن منعطف تقني غير مسبوق، إذ دخلت ساحة المعركة لأول مرة منظومات قتالية من الجانبين، بعضها من صنع طهران وبعضها من تطوير واشنطن وتل أبيب. وقد فرضت هذه الأسلحة ذاتها على المعادلة الميدانية، وأعادت رسم ملامح حروب الجيل القادم في المنطقة. التقرير يستعرض خمس منظومات بالأرقام والتفاصيل التقنية.
أولاً: صاروخ “فتاح-2”.. السلاح الفرط صوتي الإيراني يخوض معركته الأولى
يُمثّل فتاح-2 الرهان الاستراتيجي الأكبر في ترسانة الحرس الثوري الإيراني. أطلقت إيران الصاروخ في بكره التشغيلي المؤكد في الأول من مارس 2026، في سياق الرد على الهجوم العسكري الأمريكي-الإسرائيلي المشترك. ويتمايز فتاح-2 عن سلفه بخاصية جوهرية: يحمل مركبة انزلاق فرط صوتي (HGV) بديلاً عن الرأس الحربي الباليستي التقليدي، ما يمنحه قدرة المناورة في اتجاهي الانحراف والارتفاع معاً، والإبقاء على سرعات فرط صوتية عند الاقتراب من الهدف من زوايا غير متوقعة.

على صعيد المواصفات التقنية، يبلغ طول الصاروخ نحو 12 متراً ووزنه الإجمالي 4100 كيلوغرام، فيما تزن مرحلته الثانية 500 كيلوغرام منها 200 كيلوغرام رأس حربي متفجر. يعمل الصاروخ بدافع صلب يُتيح له الاستعداد الفوري للإطلاق، مما يُقلّص نوافذ الاستشعار المسبق للعدو.
غير أن المواجهة الدفاعية كشفت معطيات لافتة؛ إذ أشار نائب رئيس شركة رافائيل الإسرائيلية يوفال باسيسكي إلى أن الصواريخ الفرط صوتية أجبرت الجيش الإسرائيلي على إعادة التفكير الجذري في منظومات الدفاع الصاروخي برمّتها، مستشهداً بمعادلة بسيطة: اعتراض جسم يتحرك بسرعة Mach 10 يستلزم منظومة دفاعية تتجاوز Mach 30، وهو أمر مستحيل في الغلاف الجوي بفعل الاحتكاك. تجدر الإشارة إلى أن ادعاءات طهران بسرعات تبلغ Mach 15 تواجه شككاً واسعاً من المحللين الغربيين في مدى استعداد المنظومة القتالي الفعلي.
ثانياً: صاروخ “ديزفول”.. دقة جراحية بمدى 1000 كيلومتر
يُعدّ ديزفول التطور الطبيعي لعائلة صواريخ الحرس الثوري الصلبة الوقود. يحمل رأساً حربياً يتراوح بين 600 و700 كيلوغرام، ويمتلك دقة إصابة لا تتجاوز 5 أمتار (CEP)، كما يصل إلى سرعة Mach 7 أي نحو 8643 كيلومتراً/ الساعة. ويتميز تصميمه بمخروط أنفي مصمم هيدروديناميكياً لتقليل الكبح الهوائي أثناء إعادة الدخول إلى الغلاف الجوي، مما يُعزز المدى الفعلي ويرفع كفاءة التوجيه في المراحل الأخيرة.

استُعرض الصاروخ في فبراير/ شباط 2019 داخل منشأة إنتاج تحت أرضية، وهو توجه إيراني استراتيجي يهدف إلى حماية خطوط التصنيع من الضربات الوقائية. أثبت ديزفول جدارته القتالية في الضربات الأخيرة بالتصدي لأهداف محصّنة.
ثالثاً: مُسيّرة “لوكاس” LUCAS.. شاهد-136 يعود لضرب أبيه
تحمل هذه المنظومة قصة استراتيجية فريدة لا مثيل لها في تاريخ الحروب الحديثة. LUCAS هو اختصار “Low-cost Uncrewed Combat Attack System”، مسيّرة انتحارية أمريكية طوّرتها شركة SpektreWorks الأريزونية عبر الهندسة العكسية للشهيد-136 الإيراني. أكد قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر أن مسيّرات LUCAS وُظِّفت في عملية “Epic Fury” لاستهداف مواقع قيادة الحرس الثوري ومنظومات دفاعه الجوي ومواقع إطلاق الصواريخ والمسيّرات.

تقنياً، تبلغ كلفة الوحدة الواحدة 35,000 دولار، وتمتلك مدى 718 كيلومتراً وطاقة تحمّل تبلغ 18 كيلوغراماً، وتُطلق من شاحنات أو منصات إطلاق بصواريخ مساعدة دون الحاجة إلى مدرج. تتميز بقدرات ذاتية مضادة للتشويش ومنسّقة للأسراب، وتندرج ضمن مفهوم “الكتلة الميسورة التكلفة” الذي تتبناه البنتاغون استجابةً لتكتيكات الإغراق الإيرانية ذاتها.
واشنطن استولت على نسخة إيرانية من الشهيد في أوكرانيا، درستها، وأنتجت نسخة أمريكية تفوّقت عليها تقنياً، ثم وجّهتها ضد أهداف إيرانية في أولى معاركها.
رابعاً: صاروخ “رامبيج” Rampage.. السهم الإسرائيلي المنطلق من خارج مدى الدفاعات
يُشكّل رامبيج عمود الفقرة في منظومة الضربة الإسرائيلية بعيدة المدى. طُوِّر مشتركاً بين شركتَي Elbit Systems وIAI، ويزن 580 كيلوغراماً، ويعمل بنظام ملاحة مدمج (INS/GPS) مضاد للتشويش مع قدرة “أطلق وانسَ”. يبلغ سرعته Mach 2 ويتبع مساراً شبه باليستي يُعقّد اعتراضه بمنظومات الدفاع الجوي متوسطة المدى، مع مدى يتراوح بين 150 و220 كيلومتراً.

صُمِّم رامبيج لاستهداف المنشآت ذات القيمة العالية كمراكز القيادة والسيطرة والقواعد الجوية ومستودعات الأسلحة ومواقع الرادار من خارج نطاق البطاريات الدفاعية الإيرانية. في العملية الأخيرة، حلّقت نحو 200 طائرة قتالية إسرائيلية — شملت F-35I و F-15D و F-16I — في ما وُصف بأنه أكبر عملية جوية في تاريخ إسرائيل، نفّذت خلالها 500 ضربة في موجة واحدة.






