أعلنت كندا رسمياً في يونيو/ حزيران 2026 عن إتمام اتفاقية حكومية مع الولايات المتحدة الأمريكية لاقتناء 26 منظومة «أم-142 هيمارس» (M142 HIMARS) للضرب الدقيق البعيد المدى، في صفقة تُقدَّر تكاليفها الإجمالية بـ2.6 مليار دولار كندي، لتمثّل أبرز قفزة تحديثية في مسيرة الجيش الكندي منذ عقود.
صفقة أُبرمت في الخفاء
كشفت الوثائق الرسمية أن الاتفاقية أُبرمت في يناير/ كانون الثاني 2026 في إطار برنامج المبيعات العسكرية الأجنبية الأمريكي (FMS)، لتشمل منظومات الإطلاق ومخزوناً أولياً من الذخائر وقطع الغيار وخدمات التدريب والدعم الفني الشامل، مع توقع بدء عمليات التسليم مطلع عام 2029. غير أن الإعلان الرسمي عنها تأخّر أشهراً عدة؛ إذ كانت شبكة «سي بي سي نيوز» قد كشفت عن تفاصيلها في مايو/ أيار 2026، قبل أن تتقدم حكومة الحزب الليبرالي باعترافها العلني.
قدرات استثنائية: 300 كيلومتر وما وراءها
تُصنَّع منظومة «هيمارس» بيد شركة «لوكهيد مارتن» الأمريكية، وهي لا تُطرح للبيع في الأسواق التجارية، إذ لا يمكن اقتناؤها إلا عبر برنامج المبيعات العسكرية الأجنبية.
ستُجهَّز هذه المنظومات بذخائر بعيدة المدى قادرة على الاستهداف الدقيق على مسافات تتجاوز 300 كيلومتر، وهو ما وصفه المسؤولون الكنديون بأنه سيُحدث نقلة نوعية في طريقة إدارة الجيش الكندي لعملياته القتالية. والأبرز من ذلك، أن هذه المنظومات مُصمَّمة لتستوعب في المستقبل قدرات مضادة للسفن تنطلق من البر، مما يُعزز قدرة كندا على الدفاع عن سواحلها، لا سيما في منطقة القطب الشمالي.
جذور المشروع: “شمالنا قوي وحر”
ينبثق هذا المشروع من السياسة الدفاعية الكندية لعام 2024 المعروفة بـ”Our North, Strong and Free”، ويندرج تحت مسمى مشروع الضرب البري الدقيق البعيد المدى (LRPS-L). وبعد عملية تقييم معمّقة، خلصت الحكومة إلى أن «هيمارس» يمثل الحل الوحيد القادر على تلبية المتطلبات التشغيلية والتقنية الكندية، في ضوء الغياب التام لأي صانع كندي لمنظومات الضرب البعيد المدى.
وفي السياق ذاته، أبرمت وزارة الدفاع الأمريكية في أواخر أبريل/ نيسان 2026 عقداً بقيمة 1.1 مليار دولار أمريكي مع «لوكهيد مارتن» لتصنيع دفعات «هيمارس» لصالح الجيش الأمريكي ومشاة البحرية وعدد من الحلفاء، من بينهم كندا وأستراليا وإستونيا والسويد وتايوان.
التناقض السياسي: وعود كارني أمام محك التنفيذ
لا يمكن قراءة هذا الإعلان بمعزل عن سياقه السياسي الداخلي؛ فرئيس الوزراء مارك كارني سبق أن تعهّد بتنويع مصادر التوريد الدفاعي، مشيراً إلى أن توجيه أكثر من 70 سنتاً من كل دولار دفاعي كندي نحو الولايات المتحدة “أمر غير مقبول”. بيد أن صفقة «هيمارس» جاءت لتُثبت عملياً أن التكنولوجيا الأمريكية تظل عصية على الاستبدال في القدرات الكبرى، ولا سيما حين يغيب البديل المحلي كلياً.
الاستثمار في الاقتصاد الكندي: المتطلب المرافق
في إطار سياسة الفوائد الصناعية والتكنولوجية، ستُلزَم شركة «لوكهيد مارتن ميسايلز أند فاير كونترول» بضخ استثمارات في الاقتصاد الكندي توازي في قيمتها الإجمالية حجمَ أنشطتها في إطار اتفاقية المبيعات العسكرية، وتشمل هذه الالتزامات دمج شركات كندية في سلاسل التوريد العالمية والاستثمار في البحث والتطوير ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة.
أصوات القيادة
وصف الفريق الليوتنانت مايكل رايت، قائد الجيش الكندي، هذا الاقتناء بأنه “خطوة عملاقة نحو تحديث الجيش الكندي”، مؤكداً أن «هيمارس» ستمنح الجيش قدرة ضرب متنقلة دقيقة بعيدة المدى يمكن نشرها عبر طائرات سلاح الجو الكندي الملكي في مختلف أرجاء البلاد وصولاً إلى المنطقة القطبية، وكذلك في العمليات الخارجية. من جهته، أكد وزير الدفاع ماكغنتي أن منظومة الضرب البعيد المدى “خطوة محورية لإبقاء قواتنا الكندية جاهزة ومجهزة لحماية الكنديين ودعم حلفائنا وشركائنا متى دعت الحاجة”.




