في مشهد ينتمي إلى عالم الأسرار والتكنولوجيا الخفية، انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي مطلعَ يونيو/ حزيران 2026 صورة حرارية مثيرة تُظهر طائرة مجهولة الهوية تُحلّق ليلاً في الأجواء المحظورة فوق قاعدة «غروم ليك»، المعروفة بـ«المنطقة 51»، في أعماق صحراء نيفادا. وعلى الرغم من رداءة دقة الصورة الناجمة عن طبيعة المستشعر الحراري المستخدم، فإن ملامح التصميم لفتت أنظار خبراء الطيران العسكري حول العالم، لتربطها في أذهانهم بالنموذج التجريبي «إكس-بلين» الذي أفرز مقاتلة الجيل السادس الأمريكية «إف-47».
رصد نادر على أطراف المنطقة 51
نشر حساب «Project Fear» على منصة «إكس» الصورةَ اللافتة في الثاني من يونيو/ حزيران 2026، مُعلناً أنها «مركبة طيران لم يرها الجمهور من قبل»، في انتظار إصدار الفيديو الكامل في اليوم التالي. وبحسب ما أُفيد، التُقطت اللقطات من مرتفعات جبلية جنوبي بلدة «راشيل» الصحراوية، حيث كانت الطائرة تُحلّق على ارتفاع منخفض في ساعة متأخرة من الليل.
وأكّد مصداقيةَ التصوير أندرس أوتيسون، المعروف بقناته على يوتيوب «Uncanny Expeditions»، المتخصصة في رصد المنشآت العسكرية السرية عن بُعد في نيفادا وكاليفورنيا. وأوضح أوتيسون أن فريق «Project Fear» تواصل معه طالباً الإرشاد في التصوير خارج «غروم ليك»، فنصحهم باستخدام الكاميرا الحرارية «InfiRay HCH50R»، وهي ذاتها الموجودة في حوزته. وأضاف أنه لم يكن حاضراً أثناء التصوير الذي جرى قبل نحو شهرين، غير أن الفريق بادر إلى إرسال اللقطات إليه فور التقاطها، قائلاً: «كنت في غاية الحماس حين رأيتها.» في المقابل، أحجم سلاح الجو الأمريكي عن إبداء أي تعليق على صحة الصورة.
تصميم يُحاكي «إف-47»
ما يستوقف الخبراء في هذا التصوير هو الملامح الهندسية الاستثنائية للطائرة المجهولة. تكشف الصورة الحرارية عن أجنحة لامدا خلفية الموضع تحمل انحناءً واضحاً مع انعطاف خفيف عند أطرافها، يستحضر تصميم الطائرة التجريبية الشهيرة «Boeing Bird of Prey». وتبرز بجلاء أسطح رفع أمامية ضخمة «كاناردات» تتطابق مع التصورات الرسمية للمقاتلة «إف-47»، إلى جانب مقدمة عريضة ذات شكل سهمي مزدوج مميز، ثم تضيق الطائرة من جديد أمام الكاناردات ذاتها. ويُرجّح المحللون أنها بلا ذيل — وهو سمة مشتركة في أغلب مقاتلات الجيل السادس — فيما تُشير الحافة الخلفية المسننة إلى أنها ثنائية المحركات، مما يتوافق مع المواصفات المعلنة للمقاتلة «إف-47» المُنتجة حالياً.
ولفت المحللون إلى تشابه لافت مع طائرة «X-36» التي طورتها ناسا وبوينغ في تسعينيات القرن الماضي، وكانت مخصصة لأبحاث رشاقة المقاتلات بلا ذيل. والأهم أن مصمم «X-36»، آلان ويكمان، كان قد انضم إلى ماكدونيل دوغلاس من مختبرات «Skunk Works» التابعة للوكهيد-مارتن في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، ثم عمل مستشاراً في شؤون التخفّي لدى «مكتب القدرات السريعة» للقوات الجوية الأمريكية.
برنامج NGAD ومسار النماذج التجريبية
لاستيعاب سياق هذا الرصد الاستثنائي، يلزم فهم مسار برنامج «هيمنة جوية الجيل التالي» (NGAD) الذي انبثقت منه «إف-47». عام 2020، كُشف لأول مرة عن وجود نموذج تجريبي على الأقل يُحلّق سراً لصالح البرنامج منذ سنوات. وأكدت وكالة «داربا» وسلاح الجو الأمريكي لاحقاً أن نموذجين تجريبيين بُنيا في إطار «مبادرة الابتكار الجوي والفضائي»، وأجريا أولى رحلاتهما الاختبارية عامَي 2019 و2022 على التوالي. وقد شاركت في المنافسة ثلاث شركات كبرى هي بوينغ ولوكهيد-مارتن ونورثروب غرومان، قبل أن تنسحب الأخيرة عام 2023، مما يُفتح الباب أمام احتمال وجود 3 نماذج تجريبية مكتملة. أما «إف-47» ذاتها، فيجري حالياً بناء نموذجها الأول في مدينة سانت لويس، مع توقع إجراء أولى رحلاتها الاختبارية عام 2028.
سيناريوهات مفتوحة وتساؤلات قائمة
يطرح المحللون عدة احتمالات بشأن هوية الطائرة المرصودة: أبرزها أنها النموذج التجريبي لبوينغ الذي أفرز «إف-47»، ولا تزال تُستخدم في أعمال تخفيض المخاطر خلال مرحلة التطوير والتصنيع. ومن الاحتمالات المطروحة أيضاً ارتباطها ببرنامج «إف/أيه-إكس-إكس» البحري، وهو مشروع مقاتلة الجيل السادس المستقبلية التي تسعى البحرية الأمريكية إلى امتلاكها. وفي حين لا يمكن استبعاد احتمال كونها طائرة قتالية مسيّرة متقدمة عالية السرية، فإن تعقيد التصميم وتطابقه مع الخصائص المعروفة للمقاتلة «إف-47» يجعل هذا السيناريو الأقل ترجيحاً. والمؤكد في كل الأحوال أن الطائرة الظاهرة في الصورة تختلف جذرياً عن المقاتلتين الصينيتين من الجيل التالي «جيه-36» و«جيه-إكس-دي-إس».
إغلاق آخر منافذ المراقبة المدنية
في معطى لافت يُعمّق ضبابية المشهد، أقدم سلاح الجو الأمريكي مؤخراً على إغلاق قمة «تيكابو»، التي كانت تُعدّ أقرب نقطة مدنية مشروعة للمراقبة في محيط منطقة 51، وذلك ضمن توسيع ضخم للأراضي المحظورة. ويرى المحللون أن هذه الخطوة تعكس تصاعداً حاداً في وتيرة الاختبارات الطيرانية للأنظمة السرية الأمريكية، مما يجعل الرصد العلني لهذه التجارب أمراً بالغ الصعوبة في المرحلة المقبلة.
خلاصة
تبقى هوية الطائرة المرصودة فوق المنطقة 51 مثار جدل، في غياب التأكيد الرسمي؛ بيد أن التقاطع بين الأدلة البصرية الحرارية وما هو معلوم عن شكل «إف-47» وخصائصها يُقوّي الرأي القائل بأن هذه اللقطات تُمثّل أول إطلالة علنية على النموذج الذي مهّد الطريق لأقوى مقاتلة أمريكية من الجيل السادس. وحتى يصدر الفيديو الكامل أو يتكلم المسؤولون، يظل هذا الرصد لحظةً استثنائية في تاريخ تتبع برامج الطيران العسكري السري.
المصدر: The War Zone




