شركة BAE Systems تفوز بعقد «القتل الناعم»: منظومة ROOK تُعيد رسم معادلة البقاء في المعركة البرية

فازت شركة «BAE Systems» البريطانية العملاقة بعقد مع الجيش الأميركي لتزويد مركباته القتالية المدرعة بنظام الحماية النشطة «ROOK»، في خطوة تُعيد تعريف مفهوم حماية المركبات في ساحات المعارك المعاصرة، حيث باتت الحرب الإلكترونية تتقدم على الدروع الفولاذية في سلّم الأولويات الدفاعية.

ويُمثّل هذا الفوز تحولاً استراتيجياً في نهج الجيش الأميركي نحو بناء دفاعات متعددة الطبقات، ترتكز على الكشف المبكر والهجوم الإلكتروني وتعطيل سلسلة الإطلاق قبل أن يصل التهديد إلى مرحلته الأخيرة، وفق ما رصدته منصة «Army Recognition».


ماذا يفعل نظام «ROOK»؟

على النقيض من أنظمة الحماية النشطة التقليدية التي تعتمد على الاعتراض الحركي المباشر لتدمير التهديد القادم، يعمل نظام «ROOK» بمبدأ مغاير جذرياً: بدلاً من تدمير الصاروخ أو الطائرة المسيرة، يسعى النظام إلى تضليل منظومة توجيهها وإرباك حلقة التحكم فيها قبل أن تُتمّ مهمتها.

عملياً، يعني ذلك مهاجمة منطق الاستهداف لدى التهديد القادم لا جسمَ الذخيرة ذاتها؛ ففي مواجهة الصواريخ الموجهة، يستهدف النظام التدخل في قناة التتبع أو وصلة التحكم. أما في مواجهة الطائرات المسيرة، فتغدو إعاقة التحكم والملاحة، أو قطع استمرارية الاستهداف، بالغةَ الأهمية بمقدار إسقاط المنصة فعلياً.


بيئة التهديد المتصاعدة: ما الذي غيّر قواعد اللعبة؟

جاء اختيار الجيش الأميركي لتقنية «القتل الناعم» في توقيت بالغ الدلالة؛ إذ باتت المركبات القتالية الحديثة -من دبابات وناقلات جنود مدرعة ومركبات تكتيكية- تواجه طيفاً واسعاً من التهديدات يتجاوز الصواريخ الموجهة المضادة للدروع وقذائف «RPG» المألوفة، ليشمل الذخائر الجوالة، وطائرات الهجوم «FPV»، والأسلحة الموجهة بالليزر، فضلاً عن النيران غير المباشرة التي توجّهها أجهزة الاستشعار الجوية.

في هذا الواقع الجديد، لم يعد بقاء المركبة رهيناً بسُمك الدروع وحده، بل بات يعتمد على منظومة متكاملة للكشف المبكر وتصنيف التهديد وتوجيه الإجراء المضاد المناسب، وكسر سلسلة الإطلاق قبل دخول المركبة اللحظات الفاصلة للاشتباك.

https://www.instagram.com/reel/DNDfk5_pP18/?utm_source=ig_web_copy_link&igsh=NTc4MTIwNjQ2YQ==

«القتل الناعم» في مواجهة «القتل القوي»: فارق جوهري

يتمحور الفارق الجوهري بين النهجين حول توقيت التدخل وطبيعته؛ فأنظمة «القتل القوي» تعمل بوصفها خطاً دفاعياً أخيراً، إذ تُطلق إجراءً مضاداً لاعتراض التهديد من مسافة قريبة، وهي بالغة الفاعلية ضد الأسلحة المضادة للدروع السريعة، غير أنها تعمل بمخزون ذخيرة محدود وقيود صارمة تحول دون استخدامها بالقرب من القوات الراجلة.

في المقابل، تحاول أنظمة «القتل الناعم» منع السلاح من إتمام هجومه أصلاً، عبر توليد معلومات استهداف زائفة، وتشويش قنوات التوجيه، أو إضعاف سلسلة الاستشعار بالكامل قبل مرحلة الإطلاق. وفي سيناريوهات الهجوم المكثف -بما تتضمنه من مسيرات منخفضة التكلفة وصواريخ ومراقبين مدفعيين يعملون في القطاع التكتيكي ذاته- لا تقتصر قيمة هذه الأنظمة على إسقاط تهديد واحد، بل تمتد إلى إدارة تسلسل الاشتباك بأكمله، مما يُخفّف العبء عن منظومات «القتل القوي» ويُطيل عمرها التشغيلي.

وفي ضوء ذلك، يسعى الجيش الأميركي إلى بناء بنية حماية أكثر مرونة وتكاملاً، تجمع بين الدروع السلبية والتفاعلية والتمويه والخداع والتدابير الإلكترونية، بدلاً من معالجتها حلولاً منفصلة ومستقلة.


تحديات الدمج التقني

لا يقتصر تركيب نظام «ROOK» على تثبيت أجهزة استشعار وبواعث على هيكل المركبة أو برجها، بل يستلزم تكاملاً عميقاً مع منظومة المركبة بأسرها: مصدر الطاقة، ونظام التبريد، وحاسوب المهمة، وشاشات الطاقم، وأجهزة استقبال الإنذار الليزري، وأنظمة إدارة المعركة، وأنظمة الحماية الحركية القائمة.

كما يجب أن يستوفي النظام معايير «SWaP-C» -الحجم والوزن والطاقة والتبريد- مع ضمان التوافق الكهرومغناطيسي الكامل مع الراديوات الصديقة ووصلات البيانات وأنظمة الملاحة وسائر إلكترونيات المركبة، في منظومة شديدة التعقيد يستلزم دمجها دقةً هندسية عالية.


خارطة الطريق للسنتين الماليتين 2026 و2027

تكشف وثائق ميزانية الجيش الأميركي أن برنامج «Soft Kill APS» يندرج ضمن مشروع تحديث أوسع يشمل دبابات «Abrams» ومركبات «Bradley» وغيرها من المنظومات القتالية البرية. وتتضمن الخطط لعامَي 2026 و2027 مواصلة تطوير برمجيات «بنية الأنظمة المفتوحة المعيارية»، والتكامل مع مجموعة أدوات حماية المركبات الأساسية، وإجراء مراجعات التصميم، وتسليم نماذج أولية للأجهزة، واختبارها ودمجها ضمن المنصات المستهدفة.

وفي هذا الإطار، ستُطوّر «BAE Systems» نظامَيها «Stormcrow» و«TERRA RAVEN» المضادَّين للصواريخ، بالتوازي مع تسليم النماذج الأولية وبدء مرحلة الاختبار الميداني.

وتُوضح هذه الوثائق أن الجيش الأميركي لا يسعى إلى تكوين حماية ثابت ومحدد، بل يُهيّئ منظومته لاستيعاب حزمة من تقنيات الحماية غير الحركية قابلة للتكيّف والتحديث المستمر.


رؤية «BAE Systems» للمنظومة الشاملة

تصف الشركة بنية حماية مركباتها بأنها منظومة متعددة الطبقات تجمع أجهزة الاستشعار وأنظمة التدابير المضادة ووظائف القيادة الذاتية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وتشمل مواصفاتها التقنية: استشعار الأشعة تحت الحمراء طويلة الموجة عالية الدقة، والوعي الظرفي بزاوية 360 درجة، والكشف الذاتي عن التهديدات، والإبلاغ الفوري واللحظي، والاستجابة السريعة للإشارة، واختيار التدابير المضادة غير الحركية بناءً على مستوى الثقة في التهديد ومداه والتأثير المطلوب.

ولم تُعلن «BAE Systems» رسمياً عن قائمة المركبات المستهدفة بالبرنامج، غير أن وثائق الجيش الأميركي تضع دبابات «Abrams» ومركبات «Bradley» في مقدمة المنظومات المُدرجة، مع توقعات بتوسيع الدمج ليشمل طيفاً أوسع من المركبات القتالية والتكتيكية البرية.

وفي المحصلة، لن تُقاس القيمة الحقيقية للبرنامج بأداء نظام «ROOK» وحده في التصدي للتهديدات، بل بمدى قدرة الجيش الأميركي على دمجه واختباره وتأهيله وتكييفه عبر منصات متباينة البنية، في مشهد يتحوّل فيه البقاء في ساحة المعركة من معادلة دروع وصواريخ إلى معادلة بيانات وإلكترونيات.