المقاتلات المصرية تدخل مرحلة جديدة.. أول ظهور لأنظمة تدريب تركية على متن مقاتلات “إف-16” المصرية

خاص . Defense Arabia

في مؤشر لافت على تسارع وتيرة التقارب العسكري بين القاهرة وأنقرة، رُصدت لأول مرة حاويات تدريب تركية الصنع من طراز “إس دي تي إيه سي إم آي” (SDT ACMI) مثبّتة على متن مقاتلات “إف-16 بلوك 52” التابعة للقوات الجوية المصرية خلال رحلات تدريبية أخيرة. وتُعد هذه الحاويات، التي طورتها الشركة التركية “إس دي تي للتقنيات الفضائية والدفاعية” (SDT Space and Defense Technologies)، منظومة قياس ورصد للمناورات القتالية الجوية (Air Combat Maneuvering Instrumentation)، مصممة وفق معايير حلف الناتو، وتتيح للطيارين تنفيذ مهام قتال جوي-جو (A2A) وجو-أرض (A2G) في ظروف قريبة من الواقع القتالي دون استخدام ذخائر حية.

يأتي هذا الظهور الأول لأنظمة “أس دي تي” على متن السرب المصري في سياق أوسع من التقارب الدفاعي بين البلدين، الذي شهد خلال الفترة الممتدة بين 4 و17 يونيو/ حزيران 2026 تنفيذ تدريب جوي مشترك في عدد من القواعد الجوية المصرية، بمشاركة مقاتلات متعددة المهام من الجانبين، من بينها طائرات “إف-16” تركية. وقد سبق هذا النشاط توقيع اتفاقية إطار للتعاون العسكري في القاهرة في فبراير/ شباط 2026، أعقبها لقاء مباشر بين قائدي القوات الجوية في البلدين، ما يعكس انتقال العلاقة من التقارب السياسي والدبلوماسي إلى مستوى التعاون العملياتي الفعلي في التدريب والتسليح والتنسيق.

وفي خضم هذا التقارب، تصاعد الجدل حول ملف أكثر حساسية، يتعلق بما يُوصف إعلاميًا بـ”الكود السري” لمقاتلات “إف-16″، بعدما امتنعت الولايات المتحدة عن تزويد القاهرة به لسنوات، في ظل حساسيات مرتبطة بالحفاظ على التفوق النوعي الإسرائيلي. ويتعلق الأمر بحزمة من البرمجيات وأنظمة إدارة المهام وحواسيب الطيران التي تتيح دمج أسلحة ورادارات ومنظومات محلية على متن الطائرة.

وهنا يبرز مشروع “أوزغور” (ÖZGÜR) التركي، أحد أهم برامج التحديث الدفاعي المحلي لمقاتلات “إف-16″، والذي يركز على إعادة تصميم حواسيب المهام (Mission Computer) وبرمجيات إدارة الطيران والقتال، بما يتيح دمج أنظمة تسليح ورادارات وأجهزة حرب إلكترونية محلية الصنع، من دون الاعتماد الكامل على البرمجيات الأمريكية الأصلية. وقد بدأ المشروع عمليًا على طراز “بلوك 30”، قبل أن يتوسع ليشمل تحسينات في الرادار والاتصالات والتكامل مع الذخائر الحديثة، ضمن مسعى تركي لتحقيق ما يوصف بـ”الاستقلال البرمجي” (Software Sovereignty) في الطيران العسكري.

غير أن تقارير دفاعية تؤكد أن أنقرة نفسها لا تملك صلاحية الوصول الكامل إلى جميع برمجيات النسخ الأمريكية الأصلية، خصوصًا في الإصدارات المتقدمة، بسبب خضوع أي عملية نقل تقنية أو برمجية مرتبطة بـ”إف-16″ لضوابط وتصاريح أمريكية صارمة ضمن نظام ITAR. لذلك يرى مراقبون أن الاحتمال الأكثر واقعية لا يتمثل في نقل “الكود السري” بالمعنى المتداول إعلاميًا، بل في بحث القاهرة وأنقرة عن حزمة تحديث تركية مستقلة أو حلول تكاملية بديلة.

وتكتسب هذه النقاشات أهمية خاصة في ضوء امتلاك مصر واحدًا من أكبر أساطيل “إف-16” في العالم، في وقت ظل فيه ملف تحديثها وتسليحها بأسلحة بعيدة المدى مطروحًا منذ سنوات. ورغم موافقة واشنطن خلال عام 2025 على صفقات تسليح جديدة للقاهرة، فإن ذلك لا يعني تلقائيًا حصول جميع المقاتلات المصرية على القدرات التشغيلية الكاملة لاستخدام مختلف المنظومات والأسلحة المتطورة.

وعلى الصعيد التركي، واصلت أنقرة إثبات نضج منظومتها الوطنية للتسليح الجوي، عبر اختبارات ميدانية استخدمت فيها منظومات محلية بالكامل، من بينها رادار “مراد” (MURAD) AESA التابع لشركة “أسيلسان”، وصاروخ الجو-جو الوطني “غوك دوغان” (GÖKDOĞAN) الذي تطوره “توبيتاك ساج”، والذي يُنظر إليه كبديل تركي محتمل لصاروخ “أمرام” (AMRAAM) الأمريكي. هذا المسار يعكس توجهًا تركيًا نحو إتاحة قدر أكبر من التعاون التقني مع الشركاء الإقليميين، مقارنة بالقيود التي تفرضها بعض القوى الغربية، بما يشمل مشاريع إنتاج أو تطوير مشترك في مجالات الطائرات المسيّرة وأنظمة التسليح.

في المحصلة، يبدو أن ظهور أنظمة “SDT ACMI” التركية على متن “إف-16 بلوك 52” المصرية يمثل خطوة عملية أولى وملموسة في مسار التعاون، أكثر واقعية من سيناريو نقل “الكود السري”، فيما تبقى مسألة اعتماد القاهرة لمعايير تركية أعمق، كمنظومة “أوزغور” أو ذخائر مثل “غوك دوغان”، مرهونة بمعادلة معقدة تجمع بين الإرادة السياسية والقيود التقنية والالتزامات الدولية القائمة.