بريطانيا تقود أوروبا نحو استقلال صاروخي عن أمريكا

في خطوة تعكس تسارع وتيرة السعي الأوروبي نحو الاستقلال الدفاعي عن المظلة الأمنية الأمريكية، أعلنت الحكومة البريطانية، مساء الأربعاء 8 يوليو/ تموز 2026، أنها ستقود تحالفًا يضم اثنتي عشرة دولة أوروبية لتطوير الجيل المقبل من الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى، في إطار مبادرة أُطلق عليها اسم «الضربة العميقة الدقيقة». وكشف رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر تفاصيل البرنامج على هامش قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» المنعقدة في أنقرة، في مؤشر لافت على تحول جوهري في أولويات التسلح الأوروبي.

ووفق ما تؤكده وزارة الدفاع البريطانية، فإن الدول المشاركة في التحالف تعتزم ضخ استثمارات تتجاوز 50 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة، بهدف تطوير منظومات صاروخية قادرة على تنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف استراتيجية على مسافات بعيدة، تتراوح مداياتها بين 300 كيلومتر وأكثر من 2000 كيلومتر، مع التركيز على تحقيق دقة إصابة عالية وقدرة على استهداف مراكز القيادة والسيطرة. وتهدف المبادرة، وفق المسؤولين البريطانيين، إلى تعزيز التعاون الصناعي والعسكري بين الحلفاء الأوروبيين وتسريع وتيرة تطوير التقنيات الدفاعية المتقدمة بما يتوافق مع متطلبات بيئة العمليات المستقبلية.

يأتي هذا الإعلان في سياق أوسع من التحرك الأوروبي نحو بناء منظومة ردع أكثر استقلالية، بعد أن أثار قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعدم نشر وحدة مزودة بصواريخ «توماهوك» في ألمانيا موجة من القلق داخل العواصم الأوروبية، ودفع برلين إلى دراسة خيار شراء صواريخ كروز منخفضة التكلفة من شركات أوكرانية وإسرائيلية لسد الفجوة في قدراتها بعيدة المدى بشكل عاجل، بالتوازي مع استمرار برامج التطوير الأوروبية طويلة الأمد.

وبالتوازي مع هذا التحالف الأوسع، تواصل بريطانيا تعاونها الثلاثي مع فرنسا وإيطاليا لتطوير الجيل القادم من صواريخ كروز، تمهيدًا لإحلاله محل صاروخ «ستورم شادو» الذي استخدمته عدة جيوش أوروبية خلال السنوات الأخيرة، حيث تسعى الدول الثلاث إلى إنتاج منظومة أكثر تطورًا من حيث المدى والدقة والقدرة على اختراق منظومات الدفاع الجوي الحديثة. كما كشفت المملكة المتحدة، الشهر الماضي، عن ثلاثة نماذج أولية لصواريخ كروز هجومية طُوّرت خصيصًا ضمن مشروع «بريك ستوب»، بمشاركة شركات «إم بي دي إيه المملكة المتحدة» (MBDA UK)، و«إم جي آي إنجينيرينغ» (MGI Engineering)، و«روترون إيروسبيس» (Rotron Aerospace)، لتلبية احتياجات الجيش الأوكراني، ويُرجَّح وصول واحد منها على الأقل إلى كييف بحلول نهاية العام الجاري.

ولا تزال جهات مطلعة تحذّر من أن برنامج التطوير الأوروبي الأوسع، الذي انطلق منذ عام 2024 تحت مظلة برنامج «إلسا» بمشاركة ألمانيا وفرنسا وبولندا وإيطاليا قبل انضمام بريطانيا والسويد إليه، لا يزال في مراحله المبكرة، ولن يبلغ مرحلة الجاهزية التشغيلية الكاملة قبل مطلع ثلاثينيات القرن الحالي، ما يفسّر توازي المسارات الأوروبية بين الحلول العاجلة قصيرة الأمد والبرامج الاستراتيجية طويلة النفس.