دخل التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة تتَّسم بتداخل أدوات القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية، فهذا التصعيد لم يعد مجرد سلسلة من الضربات العسكرية المتبادلة التي تتخللها محاولات تفاوض متقطعة، بل بات يعكس صراعًا مفتوحًا على فرض معادلات ومعايير جديدة لرسم ميزان القوى في الشرق الأوسط، فبعد انهيار محاولات احتواء الأزمة وتراجع فرص التفاهم، انتقلت المواجهة إلى مستوى يسعى فيه كل طرف إلى فرض معادلة ردع جديدة دون الانزلاق نظريًا إلى حرب إقليمية شاملة، ولكن تكمن الخطورة في أن هامش الخطأ أصبح أضيق من أي وقت مضى، وتشير التطورات الأخيرة إلى تراجع فرص التسوية السياسية، مع بقاء قنوات الاتصال غير المباشرة قائمة على الرغم من عجزها حتى الآن عن إنتاج اختراق حقيقي يبشِّر بتسوية مرتقبة.
انطلاقًا من هذا الواقع، نحاول في “دفاع العرب” تقييم اتجاهات الصراع خلال المرحلة المقبلة، وتحليل نوايا الأطراف الفاعلة، وقياس احتمالات التصعيد أو الاحتواء، واستشراف السيناريوهات الأكثر ترجيحًا وانعكاساتها على الأمن الإقليمي، وأسواق الطاقة، والتوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
تعتمد إيران في هذا الصراع على إستراتيجية تتأكد خطوطها العريضة يوماً بعد يوم، تتمثَّل بكسب الوقت وضمان عدم سقوط النظام بالدرجة الأولى، فكل الخسائر يتم تجاوزها، وكل المخاطر يتم قبولها، طالما هي لا تهدد النظام بشكلٍ جدي وحاسم، هذا النظام الذي أثبت أنه لا يقوم على حياة شخص المرشد الأعلى، بل على بقاء وحماية “الفكرة الايديولوجية” التي يجب التضحية من أجلها، من أجل ذلك، تتجاوز القيادة الإيرانية كل التقديرات والخسائر التكتية والعملياتية لصالح الهدف الإستراتيجي بعيد المدى، وهذا الهدف يرتبط بالصمود إلى ما بعد ولاية ترامب، والتعويل على قدوم إدارة أميركية جديدة من الحزب الديموقراطي ستغير أموراً كثيرة، لذلك تشير التقديرات إلى أن القيادة الإيرانية لا تريد التوصل إلى إتفاق مع إدارة ترامب الحالية، ولا تريد إعطاؤه أي فرصة للنجاح ولو تعرضت للكثير من الضربات والخسائر على المستويين التكتي والعملياتي، وهي بذلك وعلى المدى القريب، تريد التأثير على الإنتخابات النصفية القادمة، وإضعاف حرية الحركة والقرار عند ترامب، وعلى المدى البعيد، التأثير على سمعة الحزب الجمهوري واظهار فشل خياراته في السياسة الخارجية، والذي تعتقد أنه سيتبلور بتغيُّر البيئة السياسية في واشنطن، وهزيمة الحزب في الإنتخابات الرئاسية القادمة. وهي في سياق تطبيق هذه الإستراتيجية وبالتزامن معها، تحاول إعادة بناء قدرات الردع لديها، من خلال إستعراض قوتها في تهديد أمن الطاقة العالمي، ليس فقط في ضرب مصادر الطاقة الخليجية وتهديد المرور عبر مضيقي هرمز وباب المندب، بل أيضاً من خلال توسيع نطاق هذا التهديد، والذي شمل حديثاً إستهداف سفينتي تخزين للغاز الطبيعي المسال في ميناء دمياط في مصر.

إذا بالنسبة لإيران، الصمود ثم الصمود، تعظيم أزمة مضيق هرمز، مزيد من التفاوض غير الجدي، مزيد من الطروحات والمناقشات وكسب الوقت، رفع السقف في أي تفاوض حالي مع إدارة ترامب، تحريك كافة الاوراق العسكرية في لبنان والعراق واليمن وإيران، ورميها على الطاولة في وجه كافة اللاعبين والمتدخلين في هذا الصراع.
مقابل كل ذلك، يبدو أن الإدارة الأميركية فهمت ولو متأخرة نوايا القيادة الدينية في إيران والإستراتيجة المتبعة من قبلها، مع ذلك، تبدو واشنطن متمسكة حالياً باستراتيجية تقوم على استنزاف القدرات العسكرية الإيرانية، وفرض كلفة متزايدة على أي تصعيد، مع الإبقاء على خيار التفاوض إذا لبّت طهران الشروط الأميركية الأساسية مع إستبعاد النجاح في هذا الخيار، أما سبب صبر الولايات المتحدة على إيران، وعدم إتخاذ القرار بالتصعيد وشن الحرب الشاملة، فذلك يعود إلى إعتبارين، الاول يتعلق بالعوامل اللوجستية والتحضيرات الميدانية وبناء التحالفات وتعزيز القدرات العسكرية (وعلى وجه الخصوص الصواريخ الإعتراضية وقدرات الدفاع الجوي ضد الصواريخ والمسيرات، فهناك نقص كبير في هذا النوع من القدرات العسكرية)، والثاني يتعلق بالتعديلات على الخطة التي ستُعتمد والتي تأخذ بعين الإعتبار مسار إستنزاف طويل الأمد، تحديد الأهداف النهائية والغايات المرجوة، تحديد مسارح العمليات، طبيعة المواجهات، توزيع الادوار ووضع شروط إنهاء الصراع.
يريد ترامب تحقيق إنجاز عسكري كبير قبل الإنتخابات النصفية، يؤكد التفوق الأميركي والهزيمة الإيرانية، وليس بالضرورة حسم الصراع بشكلٍ نهائي، بل تحقيق مكتسبات جيدة يستطيع من خلالها تعزيز موقعه على المستويين الداخلي والخارجي، والجدير ذكره هنا، أن ثمة أطرافاً جديدة دخلت وستدخل في المواجهة، فلم تكن مشاركة السعودية في الغارات على مواقع إطلاق المسيرات من الأراضي العراقية والتي استهدفت منشآت نفطية في اراضي المملكة مجرد حدث عابر، بل هي مؤشر لسياسة أمنية جديدة ستتبعها دول الخليج إعتباراً من هذا الحدث، بالتنسيق مع القيادة المركزية. أضف إلى ذلك، هناك مؤشرات على نوايا جدية بإنضمام دول أوروبية لبناء تحالف لضمان العبور في مضيقي هرمز وباب المندب، حيث أن أزمة الطاقة الناجمة عن التوترات هناك، تضر بمصالح العديد من الدول الاوروبية، وتضر أيضاً بمصالح الصين المستاءة من هذا الواقع الذي فرضته إيران. إذاً ما الذي ننتظره من الولايات المتحدة الاميركية خلال الأيام القادمة؟
سيكون هناك على الارجح سلسلة ضربات مكثفة ضد أصول إيرانية عسكرية وقيادية تستهدف مسرح عمليات مضيق هرمز، طهران مصدر القرار، ومناطق ومواقع إستراتيجية أخرى. لقد بدا نتانياهو سعيداً ومرتاحاً بعد سلسلة مناقشات أجراها في الولايات المتحدة أثناء زيارته الاخيرة، كما عبر ترامب عن وجود الكثير من القواسم المشتركة والأفكار مع نتانياهو لجهة التعامل مع إيران. في المقابل، وضمن خيار التصعيد، ستعمد إيران إلى إستهداف الأمن الطاقوي والمتمثل بالناقلات والمنشآت وخطوط الإمداد الإستراتيجية، إضافةً إلى قواعد عسكرية أميركية في المنطقة، ووفقاً للمعلومات المسربة من مصادر عسكرية أميركية، يُعتقد أن هذه الضربات الأميركية المرتقبة ستستمر حوالي إسبوعين، ولكن الجديد في هذه الضربات أنها ستكون طويلة من حيث مراحلها الزمنية، كثيفة بعدد الطائرات والصواريخ، شاملة في إستهداف العمق وعدد كبير من المناطق والمواقع، نوعية لجهة إستهداف الرادارات ومنظومات الصواريخ والمسيرات والمخازن الإستراتيجية.
يبقى السؤال الأهم: كيف سيصبح الواقع بعد تنفيذ سلسلة الضربات المتوقعة؟ هل ستضعف قدرة إيران على تهديد المرور في مضيق هرمز أم سيزداد الوضع تعقيداً؟ والجواب على هذا السؤال يتعلق بنجاح هذه الضربات ومدى تأثيرها على شل قدرة إيران وحلفائها في الرد، لا سيما في ظل نقص حاد في الصواريخ الإعتراضية، فالولايات المتحدة لم تعد تتعامل مع نقص الصواريخ الاعتراضية باعتباره أزمة مؤقتة، بل كمتطلب استراتيجي طويل الأمد، وتؤكد ذلك العقود القياسية (صفقة الـ 58.6 مليار دولار مع شركة لوكهيد مارتن لإنتاج صواريخ PAC-3 MSE لمنظومات الباتريوت)، والتوسع الكبير في القاعدة الصناعية، وزيادة أهداف الشراء، وتقديرات الحاجة إلى سنوات لإعادة بناء المخزون، كلها تدل على أن واشنطن تستعد لبيئة أمنية تتوقع فيها استمرار الاستهلاك المرتفع للصواريخ الاعتراضية، سواء في الشرق الأوسط أو في مسارح عمليات أخرى، بما فيها منطقة المحيطين الهاديء والهندي.

بالنسبة لإيران، تظهر المؤشرات أنها لا تعتمد على حجم مخزونها الوطني فقط من الصواريخ الباليستية والمسيرات، بل على توزيع تلك قدراتها على عدة جبهات (إيران، اليمن، العراق، ولبنان)، بما يسمح بالحفاظ على وتيرة الضغط حتى في حال تعرض إحدى الساحات لضربات مكثفة، وتشير مجريات المواجهات السابقة إلى أن إيران استخدمت جزءًا كبيراً من مخزونها، لكنها احتفظت بقدرة على مواصلة الإطلاق وإعادة بناء قدراتها الإنتاجية. لذلك، فإن المواجهة المرتقبة ستشهد زج حلفاء إيران في المعركة بشكلٍ مباشر وكثيف، لا سيما في منطقة البحر الأحمر، وفي حال توسع المواجهة، سيكون أمن الطاقة العالمي من أبرز ضحايا هذه المواجهة، وسترتفع المخاطر على صادرات النفط والغاز نتيجة استهداف أو توقف منشآت الإنتاج والمعالجة والتصدير، ومحطات تسييل الغاز، وخطوط الأنابيب، والموانئ النفطية، إضافة إلى اضطراب حركة ناقلات النفط والغاز في الممرات البحرية هرمز وباب المندب، وقد تتعرض أيضاً شبكات الكهرباء والبنية التحتية الداعمة لقطاع الطاقة لمخاطر متزايدة، سواء بسبب الأعمال العسكرية المباشرة أو بسبب الهجمات السيبرانية، وستؤدي هذه التطورات إلى اضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع كلفة التأمين والشحن، وتقلبات حادة في أسعار الطاقة، بما ينعكس سريعاً على الاقتصاد العالمي.






