أثار الإعلان عن التحالف الثلاثي بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، نقاشاً واسعاً في الأوساط الإستراتيجية، وطرح جملة من الأسئلة لمعرفة المزيد عن هذا التحالف، أهدافه، حدوده، فرصه في النجاح والتحديات التي تواجهه. من خلال هذا المقال ستقدم دفاع العرب مجموعة من الإجابات على هذه التساؤلات، وبداية سنطرح السؤال الكبير المطلوب الإجابة عليه: هل يمثل هذا التحالف مشروع قوة قابل للحياة أم مجرد تقاطع مصالح فرضته اللحظة الإستراتيجية؟ وللإجابة على هذا السؤال، يجب تقديم مجموعة من الحقائق والتحليلات والتساؤلات، لصالح هذا السؤال الكبير.
- لماذا الآن؟ فعلاً هذا سؤال بديهي يُطرح، لماذا في هذه التوقيت، ولا يجب أن نكتفي هنا بالقول أن المنطقة تمر بمرحلة حساسة، بل يجب أن نعي أن هناك خمسة متغيرات اجتمعت لأول مرة في المنطقة وهي أولاً: تراجع الثقة واليقين حول المظلة الأمنية الأمريكية، ثانياً: التوصل إلى قناعة بأن حماية المصالح الوطنية أصبحت مشروعاً عابراً للحدود، لا تضمنه القدرات الوطنية فقط، بل يحتاج إلى شبكة تحالفات خارجية، ثالثاً: انتقال الحروب من مواجهات تقليدية إلى استنزاف طويل يتطلب قاعدة صناعية دفاعية وطنية وتعاون دفاعي إستراتيجي، رابعاً: تسارع سباق التكنولوجيا العسكرية (المسيّرات، الذكاء الاصطناعي، الحرب الإلكترونية) والحاجة إلى الخبرات الخارجية والسعي إلى التكامل مع الشركاء، خامساً: رغبة السعودية في الانتقال من مستورد للسلاح إلى شريك في إنتاجه ضمن رؤية 2030. هنا يصبح توقيت التحالف نتيجة لتقاطع هذه المتغيرات، لا مجرد ردة فعل على أزمة المنطقة.
- ما هي الحدود القصوى لهذا التحالف؟ وهذا السؤال تطرحه معظم أجهزة الإستخبارات في المنطقة والعالم، وهي تتطلع لإختبار قوته ومداه وقراءة أولى مؤشراته العملية، فللأطراف الثلاث المنخرطة فيه علاقات أمنية وتحالفات عسكرية وأيضاً أعداء وخصوم، والجدير ذكره هنا أن ليس كل تحالف يستطيع أن يتحول إلى حلف دفاع جماعي، وقد أشار وزير الخارجية التركي “هاكان فيدان” أن بند الدفاع المتبادل في الإتفاق الثلاثي، مشابه تماماً للمادة الخامسة من معاهدة حلف شمالي الاطلسي، والتي تنص على أن اي هجوم مسلح ضد دولة عضو في الناتو يُعتبر هجوماً ضد جميع الدول، وهذا لا يلزم جميع الدول الإنخراط في الحرب بشكلٍ مباشر، لكن ذلك يضع المهاجم في مواجهة التحالف بأكمله، ويلزم دول التحالف بتقديم المساعدة اللازمة وفقاً لما يتطلبه الموقف، أما بالنسبة للسقف الأعلى الذي يمكن أن يصل إليه، فهذا يتعلق بالظروف الإقليمية والعالمية، ومدى تهديد مصالح كل طرف.
- هل الجغرافيا المتباعدة تشكِّل عائقاً؟ ليست المشكلة أن الدول متباعدة، بل المشكلة أن التهديدات ليست واحدة، فالسعودية تنظر إلى الخليج والبحر الأحمر، وتركيا تنظر إلى شرق المتوسط والقوقاز وسوريا، وباكستان تنظر إلى الهند وآسيا الجنوبية، أي أن التحالف لا يعمل داخل مسرح عمليات واحد، وهذه معضلة تختلف عن الناتو الذي يواجه مسرحاً أكثر ترابطا، ولكن مع ذلك، فإن التباعد الجغرافي لا يشكل عائقاً عملياتياً لا سيما في مسألة تبادل المعلومات الإستخباراتية وتبادل الدعم والتعاون العسكري.
- هل سيشكل هذا التحالف عائقاً أمام العلاقات الخارجية الخاصة بدوله؟ وهنا نطرح إشكالية اختبار تعدد الولاءات الإستراتيجية، فتركيا عضو في الناتو، وباكستان مرتبطة بالصين، والسعودية شريك لواشنطن، لكنها توسع شراكاتها مع بكين وموسكو، والسؤال الصعب هنا هل يستطيع التحالف الصمود عندما تتعارض مصالح هذه القوى الكبرى؟ وعلى الارجح إن دول التحالف ستتجاوز هذه المعضلة، لأن التحالف في الأساس ليس موجهاً ضد القوى العظمى، ولا يمس مصالحها الحيوية والمصيرية، ولا يتعارض مع سياساتها الامنية.
- هل أحد الأهداف الأساسية من التحالف، الدمج والتعاون والتكامل في الصناعات الدفاعية في عصر حروب الإستنزاف وإدامة القدرات التقنية والمالية؟ بالتاكيد أن هذا يعتبر احد اهم الأسباب، وهو صلب ومحور التحالف، وأساس تعظيم قوة كل طرف، وبمختصر مفيد، المملكة العربية السعودية تستطيع تقديم قدرات مادية هائلة، تركيا تقدم الخبرات الصناعية والتكنولوجية العسكرية، وباكستان تقدم خبراتها القتالية وقدرتها النووية لإكمال كافة مستلزمات القوة في هذا التحالف.
- هل لهذا التحالف بعد أيديولوجي/حضاري محتمل؟ لا شك أن مكان التوقيع على الإتفاق في مكة، والتسمية التي أطلقت عليه، والهوية الدينية الغالبة والقضايا المشتركة للدول الأعضاء، ستعطي هذا التحالف بُعداً أيديولوجياً وحضارياً يزيد من متانته وقدرته على الإستمرار، في فضاءات سياسية وأمنية وإقتصادية شرق أوسطية تعج بالإعتبارات والعوامل المؤثرة الدينية والحضارية والايديولوجية.

- أين مصر من هذا الإتفاق؟ هذه نقطة لافتة ولكن يجب مناقشتها بهدوء، فهل يمثل غياب مصر خياراً مؤقتاً أم مؤشراً على اختلاف في المقاربة الإستراتيجية؟ فعلى الارجح أن هناك نقاط اساسية لم يتم حسمها في مسألة دخول مصر في هذا التحالف، وعلى الرغم من التعاون الأمني والدفاعي الكبير معها، إلا أن اللحظة الإستراتيجية الحرجة التي فرضت هذا الإعلان بهذا الوقت، لا تستطيع إنتظار أقفال كل الثغرات والإتفاق على كافة التفاصيل لتدخل مصر ضمن هذا التحالف، فهذا يرتب عليها إلتزامات وواجبات بقدر ما يؤمن لها فرص وقدرات، إضافة إلى أن سياسة مصر الخارجية، هي سياسة حذرة تفرض عليها إنتظار مدى النجاح والتأثير الذي سينتج عن هذا التحالف، ليُتخذ القرار بالإنضمام إليه.
- ضد من يتوجه هذا التحالف الجديد؟ لم يأت الإعلان عن التحالف كخطوة عدائية تجاه اي طرف إقليمي أو دولي، ، لا سيما أنه تحالف دفاعي وليس هجومي، ولكن من الواضح أنه موجه تباعاً ضد تهديدات الإرهابيين والميليشيات والمنظمات التي تعمل بحرية في بعض دول المنطقة، ضد إيران بهدف ممارسة “التلويح بالعصا” وممارسة أقصى الضغوط عليها في حال الإعتداء على أمن السعودية ومصالحها، ضد إسرائيل التي تتمادى في هجماتها اللاإنسانية وإستباحتها للعديد من المناطق لا سيما في غزة والضفة وسوريا ولبنان. وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذا التحالف يطمح للعب دور إقليمي ودولي في المستقبل، لا سيما في مجال أمن الطاقة العالمي وحماية ممرات الملاحة، أي أن أعضاؤه سيدخلون من خلاله في معادلة القوة والتأثير الإقليمية والعالمية.

- ما هي مؤشرات نجاح هذا التحالف وكيف يتم التأكد من قدرته على الإستمرار تحت الضغوطات الجيوسياسية والإقتصادية؟ من الناحية النظرية هذا التحالف مرشح للإستمرار والتطوير، وقد يضم أعضاء جدد مثل مصر، سوريا، الإمارات العربية المتحدة….، ولم يأت الإعلان عنه وليد اللحظة، بل سبق ذلك الكثير من الدرس والتحليل والتخطيط على الكثير من القضايا التي بقي مضمونها سرياً، ومن الناحية العملية، لا شك أنه سيخضع لإختبارات متعددة في وقتٍ قريب، وسيتمثل ذلك بملاحظة قدرات نوعية غير مسبوقة عند الدول الاعضاء، لا سيما المملكة العربية السعودية، وهذا التحالف بالتأكيد سيُدخل المنطقة في معادلة قوة جديدة تفرض إيقاعها الإقتصادي والأمني والعسكري على مستقبلها، والتي من المرجح أنها تنتظر مواجهات عنيفة، قاسية وحاسمة، ستفرض واقعاً جديداً ولفترة طويلة.






