3 أسابيع تفصل واشنطن عن القرار الحاسم… هل تشهد المنطقة “أكبر حملة عسكرية منذ الحرب العالمية الثانية”؟

التقرير الإستراتيجي وتقييم الوضع الجيوسياسي والأمني

العقيد الركن م. ظافر مراد

بيروت، 15 أغسطس/ آب 2026

دخلت المنطقة على صعيد المواجهة الأميركية-الإيرانية في حالة من الترقب في ظروف “اللاحسم” وإستنزاف القدرات العسكرية، خاصة في مجال الدفاع الجوي ضد المسيرات والصواريخ الباليستية، و”اللاحسم” هذا مرتبط بإستراتيجيات طرفي الصراع وإسلوبهما في إدارة هذه المرحلة الحرجة. مع ذلك، يبدو الأفق مسدوداً، حيث أن القيادة الإيرانية عقدت عزمها على عدم تقديم أي تنازل قد يسجل كإنجاز للرئيس ترامب يستفيد منه في الإنتخابات النصفية، ويعزز موقعه السياسي في الداخل الأميركي لسنتين قادمتين، وهي في سبيل ذلك تعتمد سياسة الصبر والصمود الإستراتيجي، والقبول بدرجات عالية جداً من المخاطر وإحتمالات تصاعد المواجهات، معتمدة على أوراق قوة جديدة لوّحت بها، أبرزها تهديد أمن الطاقة العالمي عبر ضرب منابع النفط وسلاسل إمداد الطاقة في المنطقة، تدمير البنية التحتية الرقمية وشبكات الإنترنت والألياف الضوئية التي تمر تحت السطح، ليس فقط في مضيق هرمز، بل ايضاً في البحر الأحمر، وهي شبكات بحرية دولية تؤمن جزءًا كبيراً من حركة الإنترنت والإتصالات بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط.

مقابل ذلك، تعتمد الولايات المتحدة إستراتيجية الحصار الإقتصادي، عبر إقفال المنفذ البحري للتجارة الإيرانية، وعبر العقوبات والتقييدات على الدول والمؤسسات والشركات والأشخاص الذين يتعاملون مع إيران ويؤمنون لها العملة الصعبة، أضف إلى ذلك، البدء بحراك إقليمي حكومي يهدف إلى تجريد حلفاء إيران من المنظمات العسكرية في لبنان وفي العراق من سلاحها، ما يفقد إيران أوراق قوة وقدرة تأثير بعيدة المدى؛ وأيضاً ملاحظة ارتفاع مستوى الرد السعودي واليمني على الحوثيين، والحديث عن رفض لأي هدنة معهم، ما ينذر بتصعيد كبير ومواجهات عنيفة على جبهة الحوثي في البحر الاحمر في المرحلة القادمة، وما يعزز هذه الفرضية، توسع المشاركة في التحالف الذي تقوده السعودية لحماية أمن الملاحة في البحر الأحمر، والذي يضم 14 دولة لغاية الآن، أبرزها تركيا وباكستان ومصر.

يبدو المشهد العام الحالي وكأنه إعادة رسم لخريطة القوة في المنطقة، وإعادة تموضع للقدرات العسكرية، مع إستعراض قدرات التهديد من قبل إيران، وقدرات الرد من قبل خصومها، كل ذلك يحدث بعد أن لجأ جميع أطراف الصراع إلى وضع كافة أوراق القوة على الطاولة، وفي هذا الشأن، لا يقتصر الموضوع على عرض القدرات كإسلوب ضغط على الطرف الآخر، بل أيضاً كعملية إستطلاع بالنار لكشف قدرات الخصم وتموضع قواته وتحليل خياراته.

ينذر كلما تقدم، أن إحتمالات عودة الحرب الشاملة والمواجهات العنيفة مرتفعة جداً، وهذه المواجهات إن حدثت، قد تصيب مناطق ودولاً جديدة، لا سيما أن كافة أسباب الحرب الأساسية لم تنتهِ ولم يتم معالجتها أو التوصل لإتفاق بشأنها، حتى موضوع الملف النووي لم يحسم بعد، فعودة الحديث عن نقل القدرات النووية إلى مناطق سرية، ورفض تسليم اليورانيوم المخصب بدرجة عالية، وإقامة منشآت عميقة في جبل فاس، يعني أن المسألة تزداد تعقيداً وخطورة. 

على صعيد الوضع اللبناني، لن تتَّضح الأمور وتتحدد مساراتها كما هو متفق عليه، إلا بعد مجيء قوات التحقق من تسليم سلاح حزب الله إلى الجنوب، وممارسة عملها ضمن الصلاحيات التي تؤمن فعالية ودقة ما هو مطلوب منها من مهام، حينها سيتم قياس وإختبار نوايا جميع الاطراف، بمن فيهم حزب الله، الحكومة الإسرائيلية، والجيش اللبناني الذي سيكون دوره هاماً وحساساً في هذه المرحلة الحرجة التي ستحدد مصداقية وإلتزام كافة الأطراف، أما إذا عادت الحرب من جديد مع إيران، فإن  سلوك حزب الله وردة فعله وإحتمالات إنخراطه في المواجهة، ستكون مؤشراً قوياً على مدى نجاح مسار التفاوض اللبناني-الإسرائيلي المباشر. 

على صعيد المهل والتوقيتات، هناك عاملان هامان يتحكمان بالمبادرات والخطوات والأفعال المتوقعة من إدارة ترامب، العامل الأول عسكري، يتعلق بتأمين قدرات الرد والدفاع الجوي ضد الصواريخ والمسيرات عند الدول التي قد تتعرض لهجمات من قبل إيران وحلفائها، ونقصد هنا: إسرائيل (تشير المعلومات إلى أنها أتمت إستعداداتها في هذا الشأن كونها تمتلك قدرات تصنيع وطنية ذات قدرة وكفاءة عالية جداً)، ودول الخليج التي تعاني من بعض النقص في هذه القدرات( تسعى للحصول على قدرت دفاع جوي من عدة جهات دولية، بمن فيهم الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا وكوريا الجنوبية وأوكرانيا، ويُعتقد أنها ستحتاج إلى مهلة شهر على الأقل لتأمين الحد الأدنى المطلوب)، أما العامل الثاني فهو سياسي مرتبط بالإنتخابات النصفية في الولايات المتحدة، والتي ستجرى يوم الثلاثاء في 3 تشرين الثاني  2026، وهي محطة مهمة جداً للرئيس الأميركي ترامب، لانها ستحدد قدرته على تنفيذ أجندته في النصف الثاني من ولايته، وفيها سينتخب الأميركيون كامل أعضاء مجلس النواب الجديد والبالغ عددهم 435 وثلث أعضاء مجلس الشيوخ البالغ عددهم 100 عضواً. تراهن إيران على هذا الإستحقاق لقلب التوازن في مجلس النواب لصالح الديموقراطيين، الذين هم أقرب إلى الإيرانيين ولديهم رؤية مختلفة في إدارة الصراع معها. 

بعد سلسلة الضربات السابقة التي استمرت حوالي إسبوعين، وبعد إصرار كوشنير وويتكوف على إعطاء فرصة أكبر للمسار التفاوضي، وقبول ترامب بذلك، وجدت الإدارة الاميركية نفسها من جديد أمام أفق مسدود، وربما ذلك ما كان يحتاجه ترامب ليبرهن أن عامل القوة العسكرية يجب أن يبقى مفعَّلاً مهما حصل من تقدم على المسار التفاوضي، وعلى ضوء كل ما تقدم، نُعطي الآن احتمال عودة الحرب عبر جولة عسكرية كبيرة خلال الأسابيع المقبلة نحو 70%، والهدف الأساسي منها تدمير ما تحاول إيران إعادة إصلاحه وترميمه في برنامجها النووي، لا سيما في منشأة جبل فاس، إضافة إلى تحقيق إتفاق في شأن مضيق هرمز؛ مقابل 30% لإستمرار الاحتواء من دون جولة حرب كبيرة، معتمدة على الحصار الفولاذي لإرهاق الإقتصاد الإيراني ووضعه في موقف العاجز كلياً عن تقديم أدنى مقومات الصمود؛ أما بالنسبة لـ 70% فهي ليست كلها “حرب شاملة”، ونرى إحتمالاتها موزعة على خيارين:

أولًا: 50%  ضربة أميركية/إسرائيلية واسعة وشاملة وساحقة تحقق نتائج واضحة وحاسمة، معتمدة على حشد قدرات غير مسبوقة في الجو والبحر، وهو ما تحدث عنه ترامب حين قال أنه كان سينفذ حملة هي الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، وهذه الضربة مقيَّدة بمهلة زمنية قد تبدأ بعد إسبوع من نشر هذا التقرير، وتنتهي قبل الإنتخابات النصفية بحوالي إسبوعين إلى ثلاثة اسابيع، بغية الإستفادة من نتائجها الإيجابية على هذه الإنتخابات، أما الـ 20% المتبقية فهي إستئناف الضربات على القيادات والأهداف العسكرية والإقتصادية الهامة ضمن نمط طويل الأمد يمتد لأسابيع في إسلوب الإستنزاف و”الألم اليومي” بالتزامن مع تشديد الحصار الإقتصادي، وهذا الإسلوب في حال تم اعتماده سيبدأ ربما خلال ايام من إعداد هذا التقرير وقد يستمر لما بعد الإنتخابات النصفية، حتى قبول إيران بالشروط الاميركية، وهنا تجدر الإشارة إلى أن قدرة النظام الإيراني على الصمود، لا تتعلق باغتيال السلسلة القيادية أو بأمان ورفاهية الشعب الإيراني، بل بحماية فكرة “القضية الكبرى” التي يجب التضحية من أجلها، وهي قضية نشر النفوذ الأيديولوجي، ومن خلاله فرض الإرادة السياسية والإقتصادية على المنطقة، وعملية كسر هذه الفكرة، تحتاج إلى وقتٍ طويل قد يمتد لسنوات، وهذه حقيقة تعرفها إدارة ترامب، لذلك هي تتحدث عن تغيير السلوك الإيراني وليس عن إسقاط النظام.  

أخيراً، وبما أن القرار في هذه المواجهة يتعلق بشخص ترامب، يجب أن نحلل المؤثرات والعوامل ونحدد الجهات التي توجه قراره في الايام المقبلة، وقرار ترامب بين استئناف الحرب أو إبقاء الضغط الاقتصادي يتشكل أساسًا من توازن بين تقديرات الاستخبارات والعسكريين، موقف وزير الدفاع بيت هيغسيث، وزير الخارجية ماركو روبيو، نائب الرئيس جي دي فانس، والمبعوث ستيف ويتكوف، موقف القاعدة الجمهورية؛ إضافة إلى تأثير إسرائيل وحسابات نتنياهو، ومواقف دول الخليج خصوصًا السعودية والإمارات، فضلًا عن أسعار النفط وحركة مضيق هرمز. لكن العامل الحاسم يبقى ترامب نفسه وحساباته السياسية الداخلية وقناعته بأن إيران لا تستجيب للضغط الاقتصادي وأن استمرارها في تحدي النفوذ الأميركي وتهديد الملاحة سيستدعي التصعيد العسكري؛ ومع اقتراب انتخابات 3 تشرين الثاني، قد يرى ترامب أن ضربة محسوبة تحقق “نصرًا سريعًا” أفضل سياسيًا من حرب استنزاف مفتوحة لم تعطِ النتائج المرجوة.