ظافر مراد
يعتمد مفهوم الشبحية الرادارية على تقليل احتمال اكتشاف المنصة عبر التحكم في كيفية تفاعلها مع الموجات الكهرومغناطيسية، وفي الرادار التقليدي Monostatic Radar يكون المرسل والمستقبل في الموقع نفسه تقريباً، فتُقاس البصمة أساساً وفق المسار الذي تذهب فيه الموجة إلى الهدف ثم تعود منه إلى الرادار، لكن ماذا يحدث عندما لا يكون المستقبل موجوداً في المكان نفسه الذي توجد فيه وحدة الإرسال؟
هنا يظهر الرادار ثنائي المواقع Bistatic Radar، ثم الرادار متعدد المواقع Multistatic Radar، حيث تتوزع عناصر الإرسال والاستقبال جغرافياً، ما يسمح بمراقبة الهدف من زوايا ومسارات مختلفة. وقد وثقت وكالة ناسا منذ سنوات أهمية هذه الهندسة في دراسة المقطع الراداري RCS، بما في ذلك تطبيقاتها على الأهداف الشبحية وتتبعها والتعرف إليها.

تكمن القيمة العسكرية الأساسية لهذه التقنية في أن RCS ليست قيمة ثابتة للهدف. فهي تتغير وفق التردد، وزاوية الإضاءة، وزاوية الاستقبال، والاستقطاب، وشكل الهدف. لذلك فإن التصميم الشبحـي الذي يقلل الانعكاس باتجاه رادار معين لا يعني بالضرورة الحصول على البصمة نفسها عندما يأتي الإرسال من اتجاه ويجري الاستقبال من اتجاه آخر. وتظهر دراسات هندسية متخصصة أن الفصل بين زاوية الإضاءة وزاوية الرصد يولّد ما يعرف بالـ Bistatic Angle، وهو عنصر أساسي في تحليل سلوك الانعكاسات عن الأهداف.
تزداد أهمية الفكرة عندما تتحول الرادارات من أجهزة منفردة إلى شبكة استشعار، فبدلاً من الاعتماد على قياس واحد، تستطيع الشبكة جمع قياسات متعددة من مواقع مختلفة، ثم دمجها لتقدير موقع الهدف وحركته وتصنيفه بدرجة أفضل، وقد أشارت أبحاث منشورة في IEEE إلى أن شبكات الرادارات يمكن أن توفر معلومات إضافية لتحسين الكشف والتصنيف وتحديد الموقع، مع إمكانية استخدامها كوسيلة لمواجهة تقنيات الشبحية.
لا يتوقف التطور افي هذا الشأن عند توزيع الرادارات، بل ينتقل إلى دمج البيانات ومعالجة الإشارة حسابياً. وفي عام 2022، أظهرت دراسة في IEEE Transactions on Aerospace and Electronic Systems أن الرادار متعدد المواقع يمكنه تحسين احتمال اكتشاف الأهداف مع ضبط الإنذارات الكاذبة من خلال دمج المعلومات القادمة من عدة مستقبلات ومرسلات. كما تستمر الأبحاث في 2026 في معالجة مشكلة التزامن بين المستقبلات الموزعة، وهي إحدى العقبات التقنية الرئيسية أمام بناء شبكات Multistatic فعالة على نطاق واسع.
لكن الـMultistatic Radar لا يلغي الشبحية، فالمنصة الشبحية تظل قادرة على خفض بصمتها، كما أن أداء الشبكة يتأثر بالهندسة الجغرافية، والتزامن، والتشويش، والتضاريس، والضجيج، وقدرة معالجة البيانات. لذلك فإن المسألة ليست راداراً يكشف الطائرة الشبحية، بل سباقاً بين هندسة البصمة وهندسة الاستشعار.

وهنا تكمن النقلة الأهم: مستقبل مواجهة الشبحية قد لا يعتمد فقط على بناء رادار أكثر قوة، وإنما على بناء بيئة استشعار أكثر ذكاءً وتوزيعاً، تجعل الطائرة أمام عدة زوايا للرصد بدلاً من زاوية واحدة. عندها تصبح المعركة بين الشبحية والرادار معركة هندسة شبكة مقابل هندسة منصة.
تتركز تطبيقات Bi/Multi-static Radar لدى عدد من الدول المتقدمة، مع اختلاف واضح بين الاستخدام العملياتي والبحث والتطوير:
الولايات المتحدة: تطور مفهوم “Distributed/MIMO Radar” لدمج بيانات عدة مرسلات ومستقبلات، خصوصاً في الدفاع الجوي وكشف الأهداف منخفضة البصمة والمسيّرات.
فرنسا: نظام “GRAVES” يمثل تطبيقاً مهماً للهندسة ثنائية المواقع في المراقبة الفضائية، عبر فصل المرسل عن مواقع الاستقبال.

ألمانيا: منظومة “GESTRA” تستخدم مصفوفات رادارية متقدمة لرصد وتتبع الأجسام الفضائية، ضمن منظومة الوعي الفضائي الألمانية.

إيطاليا:BIRALES يعتمد هندسة bistatic لرصد الأجسام في المدارات المنخفضة، ويستفيد من الفصل الهندسي بين الإرسال والاستقبال.
بريطانيا: تطور تقنيات Passive وMultistatic Radar، مع التركيز على استغلال مصادر الإضاءة المتاحة وربط عدة نقاط استقبال.
النرويج: لديها خبرة متقدمة في “Bistatic/Multistatic Continuous-Wave Radar” وتطبيقات معالجة الإشارة متعددة المواقع.
الصين: تطور “Distributed Radar Networks” لزيادة احتمالية كشف الأهداف ذات البصمة المنخفضة عبر تعدد زوايا الإضاءة والاستقبال.

تقنياً، تكمن قوة Multistatic Radar في هندسة الـGeometry ، ان فصل المرسل عن المستقبل يخلق مسارات انتشار متعددة، ويتيح قياسات مختلفة للهدف؛ ومع دمجها عبر “Track Fusion” يمكن تحسين الكشف والتتبع وتقليل اعتماد المنظومة على خط رؤية راداري واحد.

