“اتفاق مكة” الحد الفاصل بين الكلام الدبلوماسي والتدخل العسكري، و”اسبيدس” في المشهد
ظافر مراد
دخل “اتفاق مكة للدفاع المشترك” بين السعودية وتركيا وباكستان مرحلة الاختبار الفعلي بعد أقل من شهرين على توقيعه، ففي 5 تشرين الأول، أعلنت الدول الثلاث الانتقال فوراً إلى التنفيذ العملي لالتزامات الدفاع المشترك، واتخاذ إجراءات تضمن “النشر السريع” للقوات والقدرات العسكرية المتفق عليها داخل السعودية، وذلك خلال اجتماع طارئ في الرياض خُصص لبحث التهديدات التي تواجه المملكة.

الخطوة جاءت في توقيت بالغ الحساسية، ففي الوقت الذي تعرضت فيه السعودية لهجمات صاروخية ومسيّرة حوثية استهدفت مطارات ومنشآت حيوية، بدأت القوات الحكومية اليمنية المدعومة سعودياً هجوماً مضاداً لاستعادة مناطق استراتيجية حول باب المندب وساحل البحر الأحمر، وأفادت “Reuters” في 5 تشرين الأول بأن القوات الحكومية استعادت مناطق ساحلية وصولاً إلى محيط مدينة المخا، فيما رد الحوثيون بهجمات على أهداف داخل السعودية، وفي 7 تشرين الأول، ذكرت “Reuters” أن تركيا بدأت فعلياً بتقديم دعم دفاعي وتقني للسعودية يشمل أنظمة دفاع جوي، ومعلومات استخبارية، ومشغلي مسيّرات، ودعماً لوجستياً، مع الإشارة إلى أن المشاركة التركية العسكرية الكاملة ما زالت مرتبطة باستكمال إجراءات التصديق البرلماني على الاتفاق. كما أشارت الوكالة إلى أن تركيا وباكستان قدمتا معدات عسكرية تستخدمها السعودية في عملياتها باليم، وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع رد سعودي واضح وحاسم ضد الحوثيين، فقد كشفت “Reuters” في 2 تشرين الأول أن الرياض تدرس خيارات عسكرية واسعة ضد الجماعة، بينها تقدم ساحلي لتأمين طريق الملاحة في البحر الأحمر أو عملية متعددة المحاور، فيما بدأت القوات الحكومية اليمنية، بدعم جوي من التحالف بقيادة السعودية، هجوماً لاستعادة مناطق قريبة من باب المندب.
بالنسبة لباكستان، فهي تدخل الاتفاق من موقع مختلف، مع علاقات دفاعية طويلة مع الرياض وقدرات عسكرية يمكن أن تضيف عمقاً للقوة السعودية عند ارتفاع مستوى التهديد. لكن التفاصيل العملياتية لمستوى مشاركتها لم تُعلن بالكامل حتى الآن .

والمسألة هنا تتجاوز تفعيل اتفاق دفاعي، السعودية تعمل على إغلاق جبهتين في الوقت نفسه: الجبهة الداخلية ضد الصواريخ والمسيّرات، والجبهة الجنوبية عند اليمن وباب المندب ، حيث أن تحييد القدرة الحوثية على ضرب المطارات والمنشآت السعودية، بالتوازي مع دفعها بعيداً عن باب المندب، يمنح الرياض عمقاً دفاعياً وجغرافياً قبل الدخول في مرحلة إقليمية أكثر خطورة، فباب المندب ليس ملفاً يمنياً فقط؛ إنه منفذ استراتيجي لأمن الطاقة والتجارة السعودية، وأي قدرة حوثية على تهديده تعني امتلاك إيران ورقة ضغط إضافية على المملكة في أي مواجهة واسعة.
من هنا يمكن قراءة الحرب الحالية على الحوثيين كجزء من “تهيئة المسرح الإقليمي”، فإذا تجددت المواجهة الأميركية ـ الإيرانية بوتيرة عالية بعد الانتخابات النصفية الأميركية، فإن بقاء الحوثيين قادرين على ضرب السعودية وتهديد البحر الأحمر سيعني فتح جبهة إضافية ضد الرياض في لحظة حاسمة وحساسة، لهذا يصبح “اتفاق مكة” جزءاً من منظومة الاستعداد، وليس مجرد إعلان تضامن سياسي. السعودية تعمل على تقليص قدرة الخصم على فتح جبهة جنوبية، وفي الوقت نفسه تبني مظلة دفاعية تسمح لها باستيعاب موجة هجمات أكبر إذا توسعت الحرب.

الحد الفاصل بين الدبلوماسية والعمل العسكري أصبح واضحاً: الاتفاق بدأ بالكلام في آب، لكنه دخل مرحلة الاختبار بالنشر والدعم والعمليات في تشرين الأول، والاختبار الحقيقي سيكون إذا انتقلت المنطقة إلى مواجهة أوسع، عندها سيظهر ما إذا كان “اتفاق مكة” مجرد إطار سياسي للدفاع المشترك، أم قدرة عسكرية فعلية على حماية السعودية وعمقها الاستراتيجي، ولكن ماذا عن “أسبيدس”؟
المعادلة في البحر الأحمر لا تتوقف عند استعادة القوات اليمنية السيطرة على أجزاء من الساحل أو منع الحوثيين من تهديد السفن. السؤال الأهم هو: ماذا يحدث إذا تحولت المعركة حول باب المندب إلى مواجهة بحرية مفتوحة تتجاوز قدرة القوات الإقليمية على تأمين الممر؟ هنا تظهر أهمية العملية الأوروبية “أسبيدس”؛ فمنذ إطلاقها في شباط 2024، بقيت مهمتها دفاعية: حماية السفن التجارية، مرافقتها، بناء الوعي بالموقف البحري والتصدي للتهديدات التي تستهدف الملاحة؛ وفي شباط 2026 مدّد الاتحاد الأوروبي المهمة حتى شباط 2027، ثم وسّع بعض مهامها لتشمل التعاون مع خفر السواحل اليمني وتدريب القوات البحرية الجيبوتية ومراقبة البنية التحتية البحرية الحساسة.

لكن “أسبيدس” ليست قوة هجومية لاستعادة باب المندب، وهذه نقطة أساسية، فإذا أصبحت المعركة المقبلة تتطلب ضرب منصات إطلاق أو مراكز قيادة حوثية على الساحل، فستصل المهمة الأوروبية إلى حدود تفويضها الحالي، وهذا ما يجعل التصريحات الأوروبية الأخيرة أكثر أهمية؛ إذ قال وزير الدفاع الإيطالي في 2 تشرين الأول إن مساهمة الدول الأوروبية في المهمة ما زالت غير كافية لحماية الملاحة في البحر الأحمر.

من هنا يمكن تصور ثلاثة مستويات للمشاركة الأوروبية، المستوى الأول هو تعزيز “أسبيدس” بالسفن والدفاع الجوي والاستطلاع وحماية السفن؛ المستوى الثاني هو توسيع قواعد الاشتباك إذا تعرضت القطع الأوروبية نفسها لهجمات مباشرة؛ أما المستوى الثالث، وهو الأكثر حساسية، فيتمثل في مشاركة أوروبية مباشرة في ضرب القدرات التي تهدد باب المندب، والانتقال إلى المستوى الثالث لن يكون قراراً تقنياً؛ سيكون قراراً سياسياً يرتبط بطبيعة الحرب مع الحوثيين وبمدى ارتباطها بالمواجهة مع إيران.
وهنا تتوضح الصورة الشاملة، فالمعركة على باب المندب هي في الواقع جزءاً من إدارة الحرب مع إيران، وليس جبهة يمنية منفصلة.
إذا تمكنت السعودية والقوات اليمنية المدعومة منها من دفع الحوثيين بعيداً عن الساحل، وتراجعت قدرتهم على تهديد الملاحة والمنشآت السعودية، فقد تنخفض إحدى أهم أوراق الضغط الإيرانية غير المباشرة، أما إذا بقي الحوثيون قادرين على العمل بالصواريخ والمسيّرات من العمق اليمني، فإن باب المندب سيبقى جبهة قابلة للاشتعال حتى لو تغيرت خطوط السيطرة على الأرض.
وهنا تصبح حدود المواجهة المقبلة مع إيران هي السؤال الحقيقي، هل ستكون مواجهة تهدف إلى تغيير ميزان القوى، أم جولة جديدة من إدارة الصراع؟ فالمؤشرات الحالية تميل إلى الاحتمال الثاني، فحتى إذا توسعت العمليات ضد إيران أو ضد القوى المرتبطة بها، فإن إنهاء قدرة طهران على استخدام شبكة الوكلاء والضغط على الممرات البحرية يحتاج إلى حملة أطول بكثير من ضربة عسكرية واحدة، وفي المقابل، فإن استمرار الضغط على إيران والحوثيين قد يدفعهما إلى استخدام البحر الأحمر وباب المندب كورقة تفاوضية في أي مسار سياسي لاحق، لذلك، فإن نجاح السعودية في تأمين باب المندب لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة. النجاح الحقيقي سيكون في تحويل باب المندب من نقطة ضغط إيرانية إلى ممر يمكن للقوى الإقليمية والدولية حمايته بتكلفة مقبولة.
في ظل كل هذا الغموض والتعقيدات الجيوسياسية، يُقرأ من تصريحات الرئيس الأميركي ترامب، حول أنهاء الحرب قريبا مع إيران بعد الإنتخابات النصفية، كمؤشر يرجح العمل العسكري ضد إيران، وغذا كان هذا العمل سيننهي الحرب، يبقى السؤال الكبير حول حدود ومفاعيل هذا العمل، وكلفته، والنتائج التي سيخلص إليها.

