عقيدة روسيا العسكرية والإخفاق في أوكرانيا

علي الهاشم – باحث ومختص بمجال الدفاع والطيران والأنظمة العسكرية

لم يكن متوقعا أن يأخذ الاجتياح الروسي لأوكرانيا كل هذا الوقت (عامين كاملين مع كتابة هذه السطور)، ولم يتوصل الجانب الروسي لتحقيق غايته في ذلك. ولا تزال المعارك دائرة بما يشبه سير المعارك التي خاضها الجانبان الإيراني والعراقي في حربهما التي استغرقت 8 سنوات متواصلة في حرب استنزاف دون تحقيق أية نتيجة تذكر خلال فترة الثمانينيات من القرن الماضي.

في هذه الدراسة، سأناقش الأسباب التي أدت إلى ذلك مع التعمق في الخلفية التاريخية منذ عهد الجيش أو القوات المسلحة التابعة لروسيا بفترة ما قبل الثورة البلشفية إلى العهد السوفياتي، وصولا إلى روسيا الحالية. وسأتطرق إلى مفهوم خوض الحرب الحديثة وكيف تقدم الغرب وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية، فيما بقي الجانب الروسي متخلفا عنها بأشواط.

تحكم الاتحاد السوفياتي السابق بما يعرف بـ “يورآسيا/Eurasia” وبعد سقوطه، تقدم الغرب وتحديدا الناتو، بمسافة ألف ميل (1600 كلم) شرقا ليصل لحدود روسيا وبيلاروسيا الحليفة له، وتم دفع نفوذ موسكو من الحدود التركية إلى منطقة القوقاز. وبعد أحداث 11 سبتمر 2001، إتجهت أوكرانيا ناحية الولايات المتحدة، وهذه اعتبرت نقطة مؤثرة ليست لصالح موسكو، فأوكرانيا تعتبر دولة محورية ما بين الشرق والغرب، مما أثار ذلك مخاوف روسيا من أن التقارب الأوكراني الأمريكي الغربي يعتبر خطوة لتفكيك الاتحاد الروسي وتقزيمه أكثر فأكثر.

إن انتقال أوكرانيا ناحية الغرب تجعل روسيا مكشوفة و غير قابلة للدفاع عن سيادتها في المنطقة، وقد يعيدها ذلك إلى فترة القرون الوسطى، مما يعني انتكاسة ما بعدها انتكاسة واضمحلال تام. ولهذا نجد أن الولايات المتحدة لا تتورع أن تتدخل لإذكاء هذا الوضع بينما ستقوم روسيا بمقاومته بكل ما أوتيت من قوة، وهو ما نشهده الآن من حرب دائرة بين موسكو وكييف.

تلعب التضاريس التي تخلو من العوائق دورا كبيرا في جعل هذه الخاصرة الروسية قابلة للمد الغربي، تخشاها موسكو وتوليها اهتماما بالغا. فتاريخيا، شهدت هذه المنطقة، زحفا من قبل نابوليون بونابارت وهتلر بعد ذلك مجتاحين هذه المساحة الشاسعة ومهددين موسكو.

ولهذا حرص الاتحاد السوفياتي بعد الحرب العالمية الثانية على إبقاءها تحت سيطرته وصولا إلى الأراضي الألمانية الشرقية. لكنه ما لبث أن فقدها تباعا بعد انهياره، و وجدت نفسها وريثته روسيا غير قادرة على استعادة هيمنتها عليها من جديد.

لقد باتت أهم مدينتين في روسيا وهي سانت بطرسبيرغ (سانت بيتسبيرغ) على بعد 160 كلم من حدود الناتو بعد أن كانت تبعد عنها 1600 كلم في عام 1989 إبان الحقبة السوفياتية. وكذلك الحال بالنسبة للعاصمة موسكو، التي باتت تبعد 321 كلم فقط من حدود الناتو بعد أن كانت تبعد عنها مساقة 1931 كلم في السابق. وهذا من شأنه أن يزيد من قلق ومخاوف روسيا.

كما شكل تحالف الولايات المتحدة الأمريكية مع الناتو قوة ضاغطة وفعالة للتغلب على الاتحاد السوفياتي وإنهاء الحرب الباردة معه، بينما لم تتمكن روسيا من بعد ذلك أن تصنع لها تحالفا فعالا كي تواجه به الولايات المتحدة والناتو.

أهمية أوكرانيا

تكمن معضلة روسيا في أنها دولة مترامية الأطراف، وليس لديها نظام مواصلات ودعم لوجستي مناسب يكفل لها نشر قواتها على الجبهات المباشرة مع الدول المحيطة بها، فإذا ما حشد أحد منها قواته واقتحم الأراضي الروسية، فإن روسيا ستجد صعوبة كبيرة في نشر قواتها بالشكل المطلوب، ناهيك عن نقص في الأعداد المطلوبة للقوات، و كلفة لا يسعها أن تتحملها بمدة طويلة لدعمها، بعكس ما كانت عليه إبان العهد السوفياتي السابق.

تستميت موسكو لإبقاء كل من بيلاروسيا وأوكرانيا حليفتين لها، من أجل تأمين حدودها مع زحف الناتو من الغرب. ولهذا، نجد أن روسيا تكافح قدر الإمكان للاستحواذ على أوكرانيا من أجل بقاءها.

جذور الإخفاق

بدأت الثورة الصناعية ببريطانيا، وانتقلت منها إلى بقية القارة الأوروبية، محدثة تغيرا في موازين القوى. فيما كانت روسيا القيصرية، متخلفة عن الركب. وكي نوضح أسباب تخلف الروس عن بقية دول أوروبا نتيجة للثورة الصناعية، يجب أن نعود إلى العام 1830 حيث كانت تتمتع بنسبة مدخول لكل فرد وهو ما يطلق عليه (معدل الناتج الوطني / Gross National Product – GNP) يساوي 70 % أعلى من ذلك الخاص بألمانيا و نصفه الخاص ببريطانيا.  والسبب يرجع إلى عدد السكان المرتفع نسبيا عن ذلك الذي لبريطانيا و ألمانيا. لكن بعد العام 1830 و وصولا إلى 1890 أي خلال 60 عاما فقط ونتيجة للموجة الثانية للثورة الصناعية التي بدأت ببريطاينا و انتقلت إلى أوروبا كما أسلفنا و تحديدا ألمانيا، تمكن كلا البلدين من مضاعفة مدخول الفرد الوطني لديها عن ذلك الذي لدى روسيا و تخطتاها تماما بعد ذلك.

إنعكس ذلك بالإيجاب لصالح بريطانيا وحتى ألمانيا في المجال العسكري في حين تخلفت روسيا.

ظهر هذا التخلف جليا بعد الثورة البلشفية حيث كان الجيش الأحمر السوفياتي يعاني من تخلف شديد في تكنولوجيا المعدات الحربية، ناهيك عن قصور القيادة في دعم البحث والتطوير بمجال الفكر العسكري وتكتيكات القتال. وفي عام 1939 ظهرت أولى بوادر التحسن على هذا الصعيد حينما تمكن فريق سوفياتي بقيادة Mikhail M. Koshkin الانتهاء من تصيم دبابة متوسطة الحجم تعتمد على نظام تعليق منسوخ من النظام الأمريكي للتعليق ذو المكونات المصنوعة من معدن الألومنيوم الخفيف والذي يعرف بـ”American Christie high-speed suspension system”، وهو ما نتج عنه صنع الدبابة السوفياتية الشهيرة T-34. وقد وفرت هذه الدبابة أهم عناصر القوة بالحرب المدرعة الحديثة، أولها؛ القوة النارية، و الحماية، وعنصر الحركية، الأمر الذي سيمكن الجيش السوفياتي من تحقيق القدرة على المناورة في الحروب لم تكن لتتوفر له لولا هذا التصميم المبتكر. ولكن كانت قيادة الجيش السوفياتي المركزية تفضل الجمود بدلا من الحركية والقدرة على المناورة عبر اعتماد التكتيكات الخاصة بالجيش الفرنسي والتي تعمتد على الدفاع الثابت، وهو ما أثبت فشله حينما تمكنت القوات الألمانية النازية من احتلال ثلاث دول وهي هولندا وبلجيكا ثم فرنسا بمدة قياسية عبر اعتماد مفهوم الاقتراب الغير مباشر عبر تطبيق الحرب الخاطفة (البلتزكريغ).

إلى جانب ذلك، رفضت القيادة السوفياتية التي كانت ذات تفكير محدود جدا، مفهوم اعتماد الحرب الخاطفة من الأساس، وحينما تقدم قادة من الجيش بمقترح باعتمادهم على تشكيلات من دبابة T-34 بمفهوم الحرب الخاطفة، أدى ذلك إلى تقديمهم للمحاكمة بتهمة التخطيط لقلب نظام الحكم، وتم الحكم عليهم بالأعدام للأسف.

هكذا كانت القيادة السوفياتية الروسية بقيادة المصاب بعقدة الشك والتآمر جوزيف ستالين تقتل قادتها المبتكرين والمثابرين بدلا من المتآمرين. فقد كانت القيادة السوفياتية تعتبر أي انتهاج لأفكار غربية جريمة تستحق الإعدام والإقصاء. الأمر الذي جعل من الجيش السوفياتي أشبه بمجندين فلاحين أجبروا على حمل السلاح بدلا من حمل معدات الفلاحة والزراعه. وقد ظهر ذلك جليا حينما زج بهم بمعارك تعتمد على أفواج كالقطعان تحمل بنادق بمواجهة قوة نيرانية هائلة تمثلت بالقصف الجوي والمدفعية والدبابات. أما على الأرض، وتحديدا بميدان المعركة، لم تكن القوات المدرعة قادرة على التحرك بإنسيابية كتلك التي للألمان، نتيجة لعدم اشتمالها على أجهزة تواصل لاسلكية، وبدلا من ذلك، كانت تتواصل بطرق بدائية ترجع إلى حقبة حروب العصور الوسطى من خلال الإشارات اليدوية، والأعلام، الأمر الذي كان يجعل من المستحيل توجيه القادة لمفرزات قواتها المدرعة نتيجة لحجب الدخان أو الغبار أو حتى تعذر استخدام ذلك الاسلوب البدائي عند احتدام وطيس المعركة. وبالطبع أدى ذلك إلى تمكن الألمان من احتلال أراضي شاسعة من الاتحاد السوفياتي في بداية الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945).

شلل في الجو

على صعيد القوة الجوية، عانى الجيش الأحمر السوفياتي، إخفاقات مريعة وعدم كفاءة نتيجة لسياسة التطهير التي انتهجها الرئيس جوزيف ستالين عبر قتل العقول الفذه لقادته العسكريين. ومثال على ذلك، عدم ربط القوات المدرعة السوفياتية مع القوات الجوية لطائرات الدعم لها بأجهزة تواصل لاسلكية خشية أن يتآمر كلا الطرفين على القيادة فينقلبوا عليها، وبالتالي، اصبحت القاذفات وطائرات الدعم الجوي السوفياتية غير قادرة على تمييز قواتها من قوات العدو عند الاشتباكات التلاحمية إلى جانب اضطرارها لتنفيذ مهمة القصف دون أي دعم استخباراتي على الأرض، وهو ما قد يجعل من مهمة قصفها لتلك الأهداف مضيعة للجهد والذخيرة حيث قد تقصف أهدافا تم إخلاؤها تماما أو أهدافا خاطئة.

صحوة مثمرة

إنقلب الحال حينما أصر هتلر على أن الهدف الأساسي هو التوقف والتمركز في مدينة ستالينغراد، الأمر الذي استفاد منه قادة الجيش السوفياتي الميدانيين، وتحديدا الماريشال غريغوري زوخوف / Grigory Zhukov أو جوكوف. فبعد أن كانت قوات الجيش الأحمر السوفياتية تتمركز بوضعية ثابتة وفي جيوب ساكنة الأمر الذي جعل من عزلها أمرا سهلا على جحافل الدبابات الألمانية والالتفاف عليها وتطويقها، أنقلب السحر على الساحر وباتت الآن القوات السوفياتية هي التي تعتمد مبدأ الاقتراب الغير مباشر والحرب الحركية وهو ما مكنها من تطويق القوات الألمانية التي اتخذت وضعية الدفاع الثابت، لتحرر مدينة ستالينغراد وتطرد القوات الألمانية منها.

اما معركة “كورسك” التاريخية، التي تلت تلك المعركة فقد أثبتت نجاح مفهوم الدفاع في العمق ضد مبدأ الحرب الخاطفة أو “Blitzkrieg”.

كان الألمان يجهلون قدرات ما لدى السوفيات من مدرعات فذه، الأولى دبابة “KV Heavy / كيه في” الثقيلة، والثانية الغنية عن التعريف T-34 / تي – 34 ذات السبطانه (للمدفع) من عيار 76 ملم. وللحقيقة أن كلا الدبابتين المذكورتين، سلحتا بمدفع من العيار نفسه وهو 76.2 ملم وهو مدفع قوي جدا في وقته. أما من ناحية التدريع، فقد كانت دبابة كيه في الثقيلة أو KV (Klimenti Voroshilov) أو (كليمنتي فوروشيلوف) ذات تدريع بسماكة 75 ملم لكنه قادر على مضارعة تدريع بسماكة 90 ملم عند إمالته وهو ما برع به التصميم السوفياتي. في المقابل تتمتع دبابة تي – 34 بتدريع بسماكة أقل هي 45 ملم لكنها بنسبة إمالة عالية تصل إلى قدرة تحمل تدريع 90 ملم. كانت هاتين الدبابتين متفوقتين على تلك التي لدى الألمان خصوصا ملائمتهما مع التضاريس الروسية الوعرة.

مفهوم الحرب الخاطفة

استخدام مصطلح: (Blitzkrieg) “بليتزكريغ” ويعني الحرب الخاطفة أو lightning war. ويعود أصل مصطلح الحرب الخاطفة إلى صاحبه وهو ليديل هارت (Liddell Hart) البريطاني والذي وضعه تحت عنوان “الاقتراب الغير مباشر” بكتابه الذي حمل نفس العنوان. وقد استند هارت إلى 12 حربا تم خوضها بالقارة الأوروبية، واعتمدت نفس المبدأ. واستهل بالحرب الكبرى، التي تمت ما بين الأغريق والفرس في القرن الخامس قبل الميلاد. ثم يصل إلى آخر حرب وقعت في العام 1914 عشية الحرب العالمية الأولى.

وتتلخص فكرة هارت في أهمية المناورة وعدم الهجوم على الخصم مباشرة، بل عبر الالتفاف والخداع ومن ثم ضرب خاصرته وهو مكمن ضعفه، إلى الاجهاز عليه فور انكساره.

تعتمد الحرب الخاطفة على استخدام عنصر المفاجأة والهجوم بسرعة لمنع العدو من الصمود دفاعيًا. تتضمن الحرب الخاطفة شن قصف مدفعي مكثف يهدف إلى إلحاق أكبر قدر من الخسائر بقوات العدو، بالإضافة إلى التأثير على معنويات الجنود المدافعين. ثم يعقب ذلك هجوم بالوحدات الجوية من قاذفات ومقاتلات لتدمير النقاط الدفاعية للعدو، بعد ذلك يأتي دور وحدات المدرعات التي تتبعها وحدات مشاة ميكانيكية مجهزة بآليات مدرعة ومدفعية مضادة للطائرات.

كما يعتمد مبدأ أو مفهوم الهجوم الخاطف (Blitzkrieg) على التنسيق ما بين القادة وبين ضباطهم من هم في الميدان بشكل مباشر عبر منحهم شيئا من المبادرة فهم أقرب للخصم وأكثر احتكاكا به. وبالتالي، ظل الجيش السوفياتي ومن بعده الجيش الروسي ليس بالكفاءة المطلوبة لتحقيق ذلك ليس لأن الجندي الروسي سيئ بقدر ما أنه يتم الزج به في وضع سرعان ما يقطع عنه الإمداد والتموين وكذلك الاتصال بالقيادة، مما يجعله في وضع يائس، يسهل إحتواءه من قبل العدو.

مهد تكتيك الحرب الخاطفة لظهور مدرسة عسكرية متطورة تجلت في حرب الأيام الستة عام 1967 بين إسرائيل من جهة ومصر والأردن وسوريا من جهة أخرى وفي حرب أكتوبر بين مصر وسوريا من جهة وبين إسرائيل من جهة أخرى، ثم ظهرت مرة أخرى مع تعديل في بعض أسسها في كل من عاصفة الصحراء، والاجتياح الأمريكي للعراق عام 2003.

كل جيش هو انعكاس لشعبه

بعد انسحاب الجيش الأمريكي من فيتنام، ركز جهوده على التصدي لغزو سوفياتي لأوروبا الغربية قد يحدث في أي وقت، حيث تمت ملاحظة أن الجيش الأحمر السوفياتي قد جهز قواته بأسلحة حديثة ومطورة وقام بنشرها في الجبهة المتاخمة لحلف الناتو.

في عام 1976، كان عدد الدبابات التي يملكها حلف الناتو يبلغ 6655 دبابة و 800 ألف جندي، في المقابل كان حلف وارسو يمتلك 15450 دبابة و 925 ألف جندي. وتميزت معدات حلف وارسو حينها بالتفوق النسبي مثل عربة نقل الجند المجنزرة BMP-1 و دبابات مثل T-64 و T-72 وهليكوبترات حديثة من طراز Mi-24 هايند بعكس تلك التي لدى الأمريكان والناتو التي كانت قديمة بالمقارنة معها.

ساد جدل طويل، حول ما هو أفضل إجراء للتصدي لسلاح الدبابات. البعض إتجه نحو أن أفضل إجراء للتصدي للدبابات هو بدبابات بينما، أصرت الجهة المقابلة على أن أفضل وسيلة نحو التصدي للدبابات، هي بواسطة مضادات الدبابات مثل المدفعية المضادة للدروع (كانت دارجة أكثر في الحرب العالمية الثانية) وحديثا الصواريخ والمقذوفات المضادة للدبابات. وقد اثبتت المعارك أن كلا الطرفين ليس على حق. بل كما يفيد رئيس الأركان للجيس الأمريكي السابق الجنرال جورج سي. مارشال، به وهو ما يكون مزيجا بين الأثنين عبر التنسيق. وهو ما يطلق عليه الدفاع النشط أو Active Defense.

لكن مصدر الألهام لتحديث القوات الغربية وتحديدا الأمريكية جاء من الشرق الأوسط، حيث لعبت حرب أكتوبر عام 1973 التي خاضها العرب ضد إسرائيل دورا كبيرا في منحها فكرة عن شكل الاشتباك الذي يمكن أن يحدث ما بين حلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفياتي وقوات الناتو بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بشكل مصغر. فقد كانت تلك الحرب أكبر حرب تحدث ما بين قوات مدرعة بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبح من الممكن أن تصيب قوات من المشاة دبابات معادية على بعد 4 كلم بواسطة الصواريخ المضادة للدروع، ولكن كانت الصواريخ السوفياتية التي زودت بها القوات العربية لمصر وسوريا بشكل خاص، تفتقر للدقة. النتيجة أن القوات الإسرائيلية فقدت 400 دبابة و 100 طائرة مقاتلة في مقابل 2000 دبابة و 400 طائرة مقاتلة للقوات العربية.

تم التركيز بعد تلك الحرب ليس على تطوير السلاح فقط بل على تطوير نوعية وجودة التدريبات وإعداد القوات المسلحة وتهيأتها للقتال. كما أن الحرب الحديثة يجب أن تكون سريعة وحاسمة ولا تستغرق مدة طويلة.

قام الجنرال William E. DePuy قائد قيادة التدريب والعقيدة العسكرية الأمريكية حينها بإعادة صياغة العقيدة العسكرية القتالية للقوات المسلحة الأمريكية من جديد بناء على معطيات حرب اكتوبر 1973، حيث يتم من خلالها صقل مفهوم وأداء القتال، لتأسيس قوات قادرة على المواجهة في الحروب القادمة. وعلى ضوء ذلك، تم إصدار كتيب القتال FM 100-5 والذي بات يعرف بعقيدة الحرب الجوية- البرية AirLand Battle concept عوضا عن مفهوم الدفاع النشط أو Active Defense وذلك في 1982.

ويعتمد مفهوم الحرب الجوية- البرية على أربعة عناصر: (1) المبادرة / initiative، (2) العمق / depth، (3) الرشاقة / agility، (4) المزامنة / synchronization.

ويتلخص المفهوم بتمكين القوات المسلحة من المبادرة عبر الهجوم من مواقع دفاعية، والتحرك برشاقة وحركية عالية ضد قوات وارسو (الخصم) المتمركزة بمواقعها الثابتة، ومن ثم سيتحقق العمق عبر قدرات الطيران والصواريخ والأسلحة ذات التوجيه الدقيق، إلى جانب المدفعية بعيدة المدى لمنع العدو من الهجوم المعاكس، بينما تقوم القيادة والتحكم بمزامنة تلك القوات والنيران عبر التوجيه والدعم اللوجستي والاستخبارات والتشويش الإلكتروني.

وباتالي يتم تحقيق تدمير العدو عبر الإخلال بتوازنة و عدم قدرته على الرد وصد الهجمات، ومنعه بعدها من التعافي من الهجوم الذي يتم من عدة محاور.

الاستعانة بالألمان

ارتأت قيادة القوات المسلحة الأمريكية ضرورة الاستعانة بخبرات ضباط الجيش النازي البائد حيث تلعب خبراتهم دورا كبيرا في كيفية التصدي للجيش الأحمر السوفياتي إبان الحرب العالمية الثانية، خصوصا وأنهم كانوا أقل عددا وعدة من الجيش السوفياتي ولكنهم تمكنوا من هزيمته وسحقه في عدة مواجهات في بداية زحفهم على روسيا. و على ضوء ذلك، أيد الرئيس الأمريكي حينها دوايت أيزنهاور هذه الفكرة وقدم الضباط الألمان في الجيش النازي البائد ما يقدر بـ 2500 ورقة مطبوعة تتعلق بكيفية التعامل مع الجيش الأحمر السوفياتي في العام 1954.

من ضمن أولئك القادة الذين شاركوا بكثافة في إعداد تلك المطبوعات، كان فرانتس هالدر (Franz Halder) الذي قاد عدة معارك ضد الجيش الأحمر السوفياتي خلال الحرب العالمية الثانية، ومن ضمن إفاداته:

“أن الضباط الروس الأصغر رتبة وسنا، يتبعون الأوامر الصلدة الغير مرنه، وفور شن هجوم مباغت أو مقاومة من قوات الخصم وخصوصا في العمليات الليلية، يصابون بالارتباك والهلع، ويتشوشون أثناء تعرضهم لهجمات ملتفة ومناورات تضرب خاصرة وحداتهم. كما أن ثقافتهم الدارجة تصعب عليهم قبول نمط الحرب الحركية والهجمات الخاطفة، ولا يجازفون بتغيير تكتيكاتهم المتبعة خشية تلقي العقاب من مرؤوسيهم وبالتالي هم يفتقرون للمبادرة.”

من جهته، أفاد الضابط الألماني السابق “مانشتاين/Manstein” أنه من الأفضل مجابهة أي هجوم مكثف من القوات السوفياتية بمناورات حول الأجناب بدلا من الدفاع الثابت، حيث يعتمد السوفيات على الهجمات المكثفة رغم بطئها الشديد، وعلى الاعداد الهائلة لقواتها ومركباتهم حيث يعتقدون أن العدد والكثافة تعوض افتقار المبادرة والمرونة.

تاريخيا، أثبت أن الجيس الأحمر السوفياتي خاض حربه ضد غزو الألمان لأراضيه، كحرب ضرورة حيث تعرض لغزو مفاجيء وبالتالي تطلب منه أخذ المبادرة مدة استغرقت عامان كي يبادر هو باستعادة أراضيه.

إجراءات يائسة

في العام 1982، أدرك السوفيات أن ترسانتهم النووية الضخمة لن تحميهم من الإبادة إذا ما قرر الغرب وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية شن هجوم نووي شامل عليهم، ولهذا ابتكروا منظومة آلية بالكامل تعتمد على جهاز كمبيوتر (حاسوب) يتولى عملية الرد النووي بشكل تلقائي كإجراء انتقامي لذلك. أطلق على هذه المنظومة “The Dead Hand/اليد الميتة”.

كادت هذه المنظومة في العام 1983 أن تتسبب في هلاك العالم حينما أخطأت أنظمة الرصد الملحقة بها عبر الأقمار الصناعية التقدير حيث اعتقدت خطئا أن سحابة تعكس ضوء الشمس على أنها صاروخ عابر للقارات قد انطلق للتو من الولايات المتحدة باتجاه الاتحاد السوفياتي، ولولا يقظة ضابط المناوبة وتدخله في منع الاطلاق التلقائي لانتهى العالم في حينها.

لكن الولايات المتحدة كانت هي الأخرى في مرحلة انتقال وتطور لطور جديد من أطوار الحرب، فقد عبث الأمريكيون في عهد الرئيس ريغان بمقومات الأنظمة الخاصة بالمعدات السوفياتية، وخصوصا إحتياجاتهم التجارية لمكونات إلكترونية و تصاميم لمعدات مثل أنظمة حاسوبية لإدارة عمل التوربينات الخاصة بقطاع النفط ومحطات توليد الطاقة وتقطير المياه، وبعض المكونات التي تخضع لمراقبة المخابرات السوفياتية (KGB) حيث يتم استيرادها كمعدات ومكونات مدنية لكن يمكن استعمالها بالمعدات ذات الطابع العسكري، بحيث جعلوها (CIA) تدمر نفسها وكأن عطلا ما قد طرأ عليها بعد مدة معينة، الأمر الذي يجعلها عصية على الاستخدام والاعتماد عليها في أغلب الأحيان. هذا إلى جانب معلومات مفبركة ومغلوطة وبعضها خيالية الطابع تم استخلاصها من كتب وأفلام الخيال العلمي، وليست موجودة على أرض الواقع، تم تسريبها بشكل متعمد إلى السوفيات، من أجل تعطيل عجلة تطورهم و جعلهم يضيعون الجهد والوقت في أبحاث تطوير قد لا تتحقق على أرض الواقع.

أطلق على الإجراءات التي قام بها الأمريكيون بإيعاز من الرئيس السابق رونالد ريغان، مشروع (Line X) الذي يعد من الناحية الدقيقة، الشرارة الأولى للحرب السايبرية أو السيبرانية، والتي بدأت في العام ١٩٨٢، حينما عطلت الأنظمة الحاسوبية المعطوبة والمستوردة وحدة أنبوب الغاز الطبيعي الذي يمتد من سيبيريا في الاتحاد السوفياتي إلى أوروبا حيث يمدها بالطاقة، مما ادى الى حدوث انفجار هائل لدرجة تم رصده بوضوح من الفضاء بواسطة الأقمار الصناعية وبلغت قوته ٣ كيلوطن وهو اشبه بتفجير قنبلة نووية تكتيكية صغيرة الحجم. تم ذلك عبر زرع ما يطلق عليه مجازا قنبلة منطق  Logic bomb)) في كمبيوترات مركز التحكم وهو إجراء أشبه بذلك الذي تم استخدامه لتعطيل مفاعل نتانز بإيران.

المثير في الأمر أن التحقيقات التي تمت من قبل المسؤولين السوفيات آنذاك لم تكشف بتاتا انه بفعل متعمد بل خلصت بسذاجه وجهل الى انه حادث عرضي. 

كشفت عن هذه الحادثة مجلة “السياسة الخارجية/ Foreign policy ” الأمريكية في موضوع حصري بعددها الصادر في مارس/ أبريل ٢٠١٢.

مناورات كر و فر

مارست البحرية الأمريكية إبان عهد الرئيس ريغان، مهمات ومناورات غاية بالخطورة، وتمكنت مجموعة قتالية لحاملة طائرات هي ميدواي (المجموعة القتالية تتكون من سفن إمداد و دفاع جوي واشتباك وغواصات تنطلق بقيادة حاملة الطائرات) من الاقتراب من أرخبيل الكوريل وهي جزر ممتدة ما بين شواطيء الاتحاد السوفياتي في أقصى الشرق وبين اليابان، ولم تتمكن الأجهزة السوفياتية من إكتشافها إلا بعد أن قامت طائرات إنطلقت من على متن الحاملة ميدواي باختراق الأجوء السوفياتية، الأمر الذي اثار الرعب وصعقت موسكو من فشل قواتها من اكتشاف مجموعة قتالية هائلة مثل تلك دون رصد، وقد كشفت البحرية الأمريكية بعد انتهاء الحرب الباردة من أنها قامت بإغلاق كافة الاتصالات وما من شأنه أن يصدر عنه إنبعاث إلكتروني، مما جعلها تختفي تماما عن أنظمة الرصد.

وخلال تلك الحادثة التي وقعت في عام 1983، لم تفشل فقط القيادة السوفياتية في رصد المجموعة القتالية للحاملة ميدواي وحسب، بل وتفاجأت المقاتلات السوفياتية التي أرسلت لاعتراض الطائرات التي ولجت إلى المجال الجوي للاتحاد السوفياتي وكانت من طراز سوخوي Su-15 من أنها وقعت فريسة سهلة أيضا حينما أطبقت مقاتلتي F-14 تومكات اعتراضيتين عليهما بشكل مفاجيء من الخلف بعد أن تسللتا أيضا من دون أن يتم اكتشافها بواسطة مقاتلتي السوخوي.

بين كل ما سبق بداية التصدع السوفياتي وصولا إلى خلفها روسيا والتي لم تتعلم ولم تتعظ من كل ذلك للتعنت والمكابرة في تحرير الفكر من القيود الهرمية البيروقراطية للقيادة في موسكو. والآتي هو النعش الذي دق في إسفين الاتحاد السوفياتي وأرداه قتيلا.

عاصفة الانهيار

عشية احتلال العراق للكويت في عام 1990، ساد اعتقاد طغى على تفكير القادة العسكريين الغربيين و تحديدا التابعين للولايات المتحدة الأمريكية، بأن عملية طرد تلك القوات العراقية من الكويت قد تتم لكن بثمن باهض جدا. فالجيش العراقي الذي خاض 8 سنوات حرب مع إيران قبل غزوه للكويت، يتمتع بقابلية كبيرة على الصمود لأيام بل ولشهور عدة. وقدر عدد الخسائر حسب تقديراتهم للجانب الأمريكي بـ30 ألف جندي، حيث صرح Trevor duPuy وهو خدم بالسلك العسكري و مؤرخ واستشاري بالبنتاغون (وزارة الدفاع الأمريكية) بأن ما معدله 10 آلاف إصابة للجنود الأمريكيين قد تحدث فقط في الأيام العشر الأولى للحرب من أجل تحرير الكويت. وأيده في ذلك Joshua Epstein الخبير العسكري حينما صرح أمام جمع من الحضور بإحدى المناظرات:

“سنفوز بهذه الحرب .. ولكنها ستكون بثمن باهض و خسائر عالية، فكثير من الجنود ستزهق أرواحهم بها.”

ذكر Andrew F. Krepinevich, Jr. مؤلف كتاب “THE ORIGINS OF VICTORY” أنه وقبل أيام من بدأ الحرب (عاصفة الصحراء)، تحدث مع أحد زملائهم بالسلك العسكري بالبنتاغون وكان قد عاد للتو من زيارة متبادلة لوزارة الدفاع بالهند، بأنه ذهل لثقة الجانب الهندي بأن الحرب لن تكون مكلفة كما صرح الخبراء سالفي الذكر بالبنتاغون، بل على العكس من ذلك بأنها لن تستغرق مدة طويلة حتى تحسمها القوات الأمريكية لصالحها وبأقل التكلفة والخسائر. وقد اتفق الاثنان على أنه من الصعب تقبل وجهة نظر الهنود. لكنهم في النهاية كانوا محقين. فبمجرد ما بدأت عاصفة الصحراء والتي استغرقت 6 أسابيع حتى تبين صحة وجهة نظر الهنود وسط ذهول الخبراء العسكريين. ويرجع ذلك لانتهاج الجانب الهندي لمفهوم هجين يمزج ما بين العقيدة العسكرية للغرب والشرق.

فبحفنة من الطائرات الخفية (ستيلث) و عدد محدود من الأسلحة الموجهة الذكية، ومركز قيادة وسيطرة تمكنت قوات التحالف من تحييد وتدمير وهزيمة منظومة الدفاع الجوي المتكاملة للعراق لتسيطر على زمام الأمور ويتم تحرير الكويت في غضون 100 ساعة فقط استغرقتها الحرب البرية، بعكس ما توقعه الخبراء قبل الحرب من تكرار لما حدث في فيتنام و حرب أكتوبر عام 1973.

لكن، ما الرابط ما بين الغزو العراقي للكويت وبين تصدع وانهيار الاتحاد السوفياتي؟

والإجابة على ذلك تتلخص بالتالي:

قبل حرب عاصفة الصحراء عام 1991، حذر الخبراء السوفيات من أن هناك مؤشرات لقرب حدوث ثورة في مفهوم شن الحرب، وأطلقوا على رؤيتهم حينها مصطلح (military-technical revolution – MTR / ثورة بتقنية الحرب) مستندين في ذلك على التطور السريع بتكنولوجيا المعلومات. حيث يعتبر أساس هذه الثورة التقدم بمجال الأنظمة الاستطلاعية والكشف والرصد والتي تساهم في ظهور أسلحة موجهة ذكية ودقيقة ويتم تسخيرها عبر شبكات التحكم والقيادة والسيطرة.

لخص الماريشال السوفياتي Nikolai Ogarkov / نيكولاي أوغاركوف رئيس أركان بالقوات المسلحة بالجيش السوفياتي عام 1984 هذا التقدم بأنه يعزى إلى التطور الكبير بمجال الألكترونيات والأنظمة الصاروخية الموجهة ودقة التصويب إلى جانب المركبات الغير مأهولة مما جعلها بديلا عمليا ناجحا لأسلحة الدمار الشامل وخصوصا النووية التكتيكية منها.

وبفضل النظام الغربي للاقتصاد الحر والذي يسمح بتبادل الخبرات والمعرفة بين القطاعين العسكري والمدني، فإن الدول الغربية تمكنت من التقدم والتطور وانتقلت من الثورة الصناعية إلى ثورة المعلومات بسلاسة وسرعة عالية، في حين ظل السوفيات و وريثتهم روسيا بعد ذلك رهن الثورة الصناعية مدة أطول حتى ينتقلوا إلى ثورة المعلومات.

وقد قاد هذه المرحلة من التقدم في الغرب وتحديدا بالولايات المتحدة وزير الدفاع حينها “Harold Brown” / “هيرلد براون” و نائبه للأبحاث والهندسة “William Perry / وليام بيري” المخضرم، حيث استثمر البنتاغون أكثر بقطاع تقنية المعلومات و تكنولوجيا الخفاء والأسلحة الذكية الموجهة، والغواصات المزودة بمحركات هادئة و أنظمة رصد متقدمة إلى جانب الاستثمار بمجال الكمبيوترات أو الحواسيب المتقدمة لإدارة المعارك، وكان الغرض من كل ذلك هو تمكين الجيش الأمريكي من التفوق بمجالات يكون فيها الجانب السوفياتي/ الروسي متخلفا وجاءت عملية عاصفة الصحراء لتثبت ذلك.

ولهذا تم تدريب قوات الناتو على تمييز مركبات ومراكز قادة الجيش الروسي وتدميرها وعزلها عن افراد قواتها لتسهيل عملية احتواءهم بعد ذلك ميدانيا.

من ناحية أخرى، تأخر الجيش الروسي في اعتماد مبدأ التمركز ونقل القوات بالسرعة المطلوبة خصوصا من ناحية المدفعية الميدانية رغم امتلاكه لطائرات نقل عملاقة إلى جانب حركية دباباته التي تتسم بالرشاقة إلا أنها ذات مدى قصير بالمقارنة مع قدرة المدرعات والدبابات الغربية التي يمكنها التحرك بزمن أطول قبل اعادة التزود بالوقود.

أما بخصوص تأمين خطوط الإمداد، فإن العقيدة القتالية السوفياتية / الروسية لا تزال تعاني من هذا الموضوع. فكلما طال أمد الهجوم، إزدادت الحاجة لتأمين المزيد من الذخيرة والوقود لدعم ذلك، وهو ما لم تعيره موسكو أهمية كافية.

مرحلة ما بعد الاتحاد السوفياتي

ظهرت الحاجة إلى تحديد ملامح المذهب العسكري للقوات المسلحة الروسية مع أولى سنوات حكم الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسن في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي السابق. وكانت السنوات الأولى لفترة رئاسة يلتسن شهدت احتدام الجدل بين قيادات الجمهوريات السوفياتية السابقة حول اقتسام التركة السوفياتية من خلال آلية «منظومة بلدان الكومنولث» التي تشكلت على عجل في آخر أيام ديسمبر (كانون الأول) 1991 في مينسك عاصمة بيلاروسيا.

وقد تطلبت الحاجة أيضا التفكير في إقرار عقيدة عسكرية روسية لموائمة ما طرأ من تغيرات في موازين القوى الإقليمية والدولية على ضوء تداعيات انهيار الاتحاد السوفياتي وحل حلف وارسو، في الوقت نفسه الذي تصاعدت فيها أخطار توسع حلف الناتو وزحفه على مقربة مباشرة من الحدود الروسية وضم عدد من بلدان البلطيق وشرق أوروبا. ولذا كان من الطبيعي أن تنص هذه العقيدة العسكرية الجديدة الصادرة في 1993 على اعتبار أن الأخطار الرئيسة التي تهدد الأمن القومي الروسي تتمثل في “توسع حلف الناتو، والحروب الإقليمية في الفضاء السوفياتي السابق، واندلاع الحركات الانفصالية.”

كانت تشير هذه العقيدة الجديدة إلى خطرين أساسيّين يلزمان الدولة الروسية التصدّي لهما.

الأول هو: توسع حلف شمال الأطلسي باتجاه بعض دول أوروبا الشرقية، والدول التي كانت جزءًا من الاتحاد السوفياتي.

والثاني هو: تعرّض الأقليات الروسية في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق إلى الخطر.

وعلى الرغم من توصل روسيا والناتو إلى توقيع «اتفاق شراكة» في عام 1997 ينظم العلاقة بين الطرفين ويحد من أخطار الناتو، فإن ما حدث من تدخل مباشر لبلدان الناتو في البلقان وقيام مقاتلات الناتو بقصف صربيا عام 1999، كان في مقدمة الأسباب التي دعت الرئيس فلاديمير بوتين الذي خلف يلتسن إلى إعادة النظر في «المذهب العسكري الروسي»، وتغيير عدد من أحكامه على ضوء المتغيرات الناجمة عن إغراق الناتو في «استهانته» بالدولة الروسية.

ومن هنا، كان التفكير في «العقيدة العسكرية الروسية الجديدة» التي صدرت في أبريل (نيسان) عام 2000 والتي كانت تسمى «عقيدة استعادة الدولة»، وبدت في جوهرها «عقيدة دفاعية» في مضمونها البعيد إلى حد كبير عن «العقيدة الهجومية»، بتركيزها على تعزيز الأمن على الحدود الجنوبية للدولة الروسية، والتأكيد على وصف «الناتو» بأنه العدو الرئيس لروسيا الاتحادية.

وما إن رحل بوتين عن الكرملين واضطرت موسكو إلى مواجهة غزو جورجيا المجاورة التي طالما أعلنت عن توجهاتها نحو الانضمام إلى الناتو، لأوسيتيا الجنوبية في أغسطس 2008، حتى اضطر الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف، وبإيعاز من بوتين بطبيعة الحال، إلى طرح صياغة جديدة للعقيدة العسكرية الروسية وهي التي صدرت في فبراير عام 2010، لكنها لم تختلف كثيرا عن سابقتها.

العقيدة الروسية الجديدة

في منتصف تسعينيات القرن الماضي وقّعت اتفاقية حول أوكرانيا بين الدول المعنية وروسيا في عهد بوريس يلتسين الحليف القويّ للغرب. ركّزت هذه الاتفاقية على ضرورة حياد أوكرانيا، ولكن تصويت البرلمان الأوكراني في 23 ديسمبر (كانون الاول) 2014 على إلغاء حياد أوكرانيا وطلب الحكومة الأوكرانية رسميًا الانضمام إلى حلف الناتو، شكّل خروجًا على الخطوط الحمر التي حدّدتها روسيا، والذي اعتبرته إسفينًا بين الشعبين الروسي والاوكراني وبين روسيا واوروبا.

وقد كان الرئيس الروسي مضطرًا إلى تجديد العقيدة العسكرية في بلاده بعد حصول العديد من التطورات التي تدل على أنّ «الحرب الباردة» عادت بالفعل، وإنما بشكل «ساخن»، من الحرب في سوريا إلى حشد قوات حلف «الناتو» ونشر الأسلحة الاستراتيجية في بعض دول شرق أوروبا، والانقلاب السياسي في أوكرانيا، والعقوبات الاقتصادية على روسيا وصولًا إلى انخفاض سعر النفط.

وفي 26 ديسمبر (كانون الأول) 2014 أي بعد تصويت البرلمان الأوكراني على إلغاء حيادها، صادق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على وثيقة مراجعة العقيدة الروسية الجديدة التي جعلت من «حلف الناتو» (NATO) «التهديد الأساسي» (fundamental threat) لروسيا.

أتت هذه الخطوة بعد تعديل العقيدة السابقة المصادق عليها العام 2010 والتي كانت تعتبر أن حلف الناتو يشكّل «تهديدًا كبيرًا» أو «رئيسًا» لروسيا الإتحادية (Major threat).

قد لا يبدو الفارق كبيرًا بين المصطلحين، ولكن السياق العام للعلاقات بين روسيا والغرب خلال هذه الفترة هو ما يعكس الفارق ما بين عقيدة 2010 وعقيدة 2014. وتضم الوثيقة التي نشرت على موقع الكرملين بعد اعتمادها من قبل الرئيس الروسي، 14 بندًا تتضمن مخاطر أمنية وعسكرية أساسية بالنسبة لروسيا.

ركّزت العقيدة العسكرية الروسية الجديدة على مجموعتين من الأخطار التي تهدد الكيان الروسي: داخلية وخارجية.

• المخاطر الداخلية: أية ممارسات إرهابية تستهدف زعزعة استقرار الأوضاع في البلاد تشكل خطرًا عسكريًا داخليًا رئيسًا على روسيا الاتحادية.

• المخاطر الخارجية: إن إنشاء ونشر أنظمة الدفاع الصاروخي البالستية الاستراتيجية للولايات المتحدة والناتو، يقوّض الاستقرار العالمي الحالي ويخل بميزان القوة الذي يحكم القدرات الصاروخية النووية. كما إن نشر القوات الأجنبية في الدول المجاورة وفي مياهها، واستخدام القوة العسكرية في أراضي هذه الدول إضافة إلى ظهور بؤر للنزاعات العسكرية هناك، وإقامة أنظمة تهدد بسياستها المصالح الروسية يعتبر خطرا محدقا لروسيا.

روسيا .. إلى أين ؟!

ما إن غزت روسيا في أواخر فبراير 2022 أوكرانيا، حتى صعق المراقبون العسكريون من شلل آليات الجيش الروسي في بداية المعارك ولا زالت كذلك وعانت من عدم مرونة تحركاتها، ولم تحسن تطبيق مبدأ مناورة الحرب والحرب الحركية وأخفقت في تأمين خط إمداداتها والدعم اللوجستي، كما تعرضت الكثير من مركباتها إلى التعطل نتيجة لعدم كفائتها، ناهيك عن المعاناة في تأمين وسائل الإتصال بين قواتها، وهي أمور بديهية يجب الحرص عليها في اية عملية عسكرية، لكن الذي حدث أدهش حتى المتعاطفين مع الجانب الروسي، خصوصا من عدم تمكن القوات الروسية الجوية من فرض هيمنتها على الأجواء فوق كييف، وهذا حتى قبل أن تتدفق المساعدات العسكرية الأكثر تأثيرا وتقدما إلى أوكرانيا، و كل هذا يرجع إلى الأسباب التي تم الخوض بها في السطور السابقة و التي تعد تراكما زمنيا هائلا لا يمكن إغفاله.

في نهاية الأمر، يشير الكاتب المخضرم “جورج فريدمان” في كتابه “المئة عام القادمة”، من أن روسيا تعرضت للانهيار في 1917 حينما كانت قيصرية، ثم في 1991 حينما كانت عبارة عن إتحاد سوفياتي، وأنها ستنهار مرة أخرى ما بعد العام 2020 و أن إنهيارها هذا، سيؤدي لتفكك حتى الاتحاد الفيدرالي لها، مما يدخلها في دوامة حرب إقليمية داخلية، تكون ما بين مناطق الأعراق المتعددة مثل الشيشان و التجمعات في الشرق الأقصى لها. فهل سيتحقق ذلك على ارض الواقع؟..؟

المراجع

* THE NEXT 100 YEARS – A FORCAST for the 21st CENTURAY – GEORGE FRIEDMAN – ANCHOR BOOKS – 2010 edition

* FOUR BATTLEGROUNDS – POWER IN THE AGE OF ARTIFICIAL INTELLIGENCE – PAUL SCHARRE – AUTHOR OF ARMY OF NONE – NORTON 100 YEARS – 2023 edition

* BLITZKRIEG – A HISTORY OF THE NAZIS’ LIGHTNING WAR – BRYAN PERRETT – CANELO HISTORY – 2022 edition

* THE BLIND STRATEGIST – JOHN BOYD AND THE AMERICAN ART OF WAR – STEPHEN ROBINSON – EXISLE PUBLISING – 2021 edition

* THE DEAD HAND – THE UNTOLD STORY OF THE COLD WAR ARMS RACE AND ITS DANGEROUS LEGASY – DAVID E. HOFFMAN – ANCHOR BOOKS – 2010 edition

* THE ORIGIONS OF VICTORY – How Disruptive Military Innovation Determines the Fate of Great Powers – Andrew F. Krepinevich, Jr. – Yale UNIVERSITY PRESS – 2023 edition

* عن صحيفة الشرق الأوسط – نشر في سبتمبر 2014

* الموقع الرسمي للجيش اللبناني – دراسات وأبحاث العدد 356 – شباط فبراير 2015 إعداد: د. أحمد علو – عميد متقاعد