تداعيات التوتر ما بين ضفتي الأطلسي على مؤتمر ميونيخ للأمن 

العميد م. ناجي ملاعب

افتتح مؤتمر ميونيخ للأمن أعماله وسط ما وصفه المنظمون أنفسهم بـ “أزمة ثقة” في العلاقة عبر الأطلسي.. هل ما زال هناك أمل في أن تستعيد العلاقات – التي كانت حتى الماضي القريب – وثيقة بين  الولايات المتحدة وأوروبا عافيتها وتعود إلى سابق عهدها؟ أم أن سياسات الرئيس الأمريكي  دونالد ترامب  تدفع هذه الشراكة نحو انقسام عميق قد يصعب ترميمه؟

لقد هيمنت هذه الأسئلة على فعاليات مؤتمر ميونيخ للأمن في نسخته الـ 62 في عاصمة بافاريا، والذي يُعد أهم اجتماع من نوعه في العالم لمناقشة سياسات الأمن والدفاع. وبعد ثلاثة أيام من الخطب والاجتماعات، تبدو الحصيلة قاتمة. فماذا أسفرت عنه مناقشات مؤتمر ميونيخ الذي عُقد وسط أكبر تحول يشهده النظام العالمي منذ نهاية الحرب الباردة؟

انعقد مؤتمر ميونيخ الدولي في 13 شباط للأمن، وحضره أكثر من 60 شخصية من قادة العالم، في مشاركة ملفتة لنحو 100 وزير من وزراء الخارجية والدفاع. افتتح المستشار الألماني فريدريش ميرتس المؤتمر، وعلى جدول اعماله مناقشة سياسات الأمن والدفاع، وتشمل “تآكل النظام الدولي وتفكّك المنظومة العالمية، والردع النووي بعد انتهاء معاهدة نيو ستارت، والحرب في أوكرانيا  وعمليات  الحرب الهجينة“، وغيرها من القضايا.

وكان نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس قد فاجأ الحضور، في مؤتمر العام الماضي، بانتقاده اللاذع للقادة الأوروبيين، حيث اتهمهم بقمع حرية التعبير وتجاهل آراء الناخبين المنتمين إلى التيار اليميني. مسألة ما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة بأمن أوروبا وبحلف الناتو هيمنت على معظم جلسات النقاش والاجتماعات الجانبية المغلقة.

لذلك، يشارك الأوروبيون في هذا المؤتمر، في ظل ضغوط قاسية يمارسها حليفهم الأمريكي الذي يتهمهم بالتقاعس، وفي ظل مواصلة  الغزو الروسي لأوكرانيا  وتحذيرات ترامب من أن بلاده قد تواجه ضربات عسكرية الى إيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق نووي قريبا مع طهران.

واقع الناتو المنتظر في عهد الرئيس ترامب 

على مدى عقود، عملت العلاقة عبر الأطلسي كمنصة جيوسياسية نهائية. فقد وفّرت نظام تشغيل أمني طوّرته وصانته الولايات المتحدة، وكانت أوروبا مستخدمه الأساسي الدائم الاتصال. منح الناتو الردع والاستقرار ومساحة استراتيجية مكّنت من التكامل الأوروبي. ومع الوقت، لم يكتفِ الأوروبيون باستخدام هذا النظام، بل آمنوا به بحماسة.

بحسب مقال نشره موقع ناشيونال انترست، فالولايات المتحدة لم تقتل الناتو، لكنها بدأت بتحويله إلى منصة مستنزِفة عبر تحويل الضمانة الأمنية المشتركة إلى نظام يشبه جسر عبور خاص تُفرض عليه رسوم: لا يمكن الاستغناء عنه (ولو أصبح أكثر كلفة)، وهو معادٍ بنيوياً لأي طرق بديلة. لقد استردّت واشنطن استثمارها الأصلي في مرحلة ما بعد الحرب، وبدأت الآن باستخلاص قيمة متكررة من حركة المرور الأوروبية المقفلة على الجسر الأطلسي.

أضافت الولايات المتحدة تكاليف إضافية على حلفائها، مثل الضغط لاعتماد المعايير التكنولوجية الأميركية وقوانين الملكية الفكرية، والالتزام بأنظمة العقوبات التي تخدم غالباً المصالح الاقتصادية الأميركية، وإعطاء الأولوية للمورّدين الدفاعيين الأميركيين. وكل ذلك يُقدَّم باعتباره الثمن الحتمي للاستمرار في الحصول على “الحماية الأميركية المتميزة”. أي أن الضمانة الأمنية لا تزال قائمة، لكنها أصبحت أساساً لمنظومة استخلاص واسعة سبقت حتى إدارة الرئيس دونالد ترامب.

فعندما تصبح مندمجاً في نظام ذي كلفة خروج مرتفعة، وما زال الكلام نقلا عن الموقع المذكور، يصبح الانفصال مؤلماً. لم يقدّم الناتو الأمن فحسب، بل صاغ الهوية الأمنية الأوروبية حول القدرات والهياكل القيادية والنظم الصناعية الأميركية. وهكذا ضمرت الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية لا بفعل مؤامرة، بل بفعل الراحة والاعتماد. لماذا تبني أقماراً صناعية باهظة الثمن أو أنظمة دفاع جوي متكاملة أو هياكل قيادة سيادية، ما دامت النسخة الأميركية “المتميزة” متاحة دائماً، ويبدو أنها مجانية؟

الأمين العام للناتو مارك روته عزّز هذا الرأي حين صرّح بأن أوروبا “غير قادرة على الدفاع عن نفسها من دون أميركا”، واعتبر أن أي محاولة لبناء ركيزة أوروبية هي “كلمة فارغة”. بالتحذير من أن الاستقلال سيتطلب 10% من الناتج المحلي الإجمالي ومليارات اليوروهات لتعويض الردع النووي الأميركي، تضمن إدارة المنصة استمرار الإحساس بأن كلفة الخروج كارثية. غير أن هذه الرسالة ليست تحليلاً بقدر ما هي منطق بائع يسعى لترسيخ الاحتكار تحت غطاء الواقعية السياسية.

اقتصادياً، تحوّلت معايير “قابلية التشغيل البيني” وأهداف الإنفاق إلى ما يشبه “الرسوم المخفية”. معيار 2% من الناتج المحلي الإجمالي الذي أُعيد تأكيده في قمة ويلز عام 2014 مثال واضح. ففي علاقة تعاملية، تصبح هذه الالتزامات أقل ارتباطاً بتقاسم الأعباء وأكثر توجيهاً للميزانيات الأوروبية نحو أنظمة سلاح أميركية. إذ تشير بيانات مركز “بروغل” البلجيكي إلى أن مبيعات الأسلحة الأميركية لأوروبا قفزت من 11 مليار دولار بين 2017 و2021 إلى 68 مليار دولار في 2024 وحده. أوروبا لا تشتري معدات فحسب، بل تستأجر منظومة يملك مالكها التراخيص والتحديثات وقطع الغيار.

ترحيب أوروبي حذر في نبرة روبيو “التصالحية”

كان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو من أبرز المشاركين الأمريكيين، وشكّل خِطابه في المؤتمر نقيضًا لخطاب نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس قبل عام في نفس المكان، والذي تضمن انتقادات شديدة لأوروبا. ويأتي ذلك أيضًا بعد تصاعد التوتر بسبب مساعي ترامب للاستحواذ على  غرينلاند ، التابعة للدنمارك العضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي..

وجّه روبيو رسالة تهدئة إلى الأوروبيين، داعيًا إلى الانضمام للطموحات الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب. وقال: “نعلم أن مصير أوروبا لن يكون أبدا بمعزل عن مصيرنا”، مؤكدًا أن الولايات المتحدة ستكون “دائما ابنة أوروبا”.

لكن روبيو لم يتردد في خطابه في التطرق لقضايا مثيرة للجدل كالهجرة الكثيفة وتراجع القطاع الصناعي، الذي يهدد أوروبا والولايات المتحدة معًا، وشنّ هجومًا على الأمم المتحدة لفشلها في حل النزاعات. وأكد أن الولايات المتحدة تريد في عهد ترامب قيادة “التجديد والترميم” العالميين، مضيفًا أن بلاده “مستعدة، إذا لزم الأمر، للقيام بذلك بمفردها، لكنها تفضّل أن يكون ذلك مع “أصدقائنا هنا في أوروبا”.

استقبلت دول أوروبية بحذر النبرة التصالحية لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في مؤتمر ميونيخ للأمن، مؤكدة أن تباينات كبيرة ما زالت تفصلها عن حليفها التقليدي.

وفي تعليقها على كلمة ماركو روبيو في مؤتمر ميونيخ للأمن، كتبت الصحيفة الألمانية هاندلس بلات الصادرة في دوسلدورف أن الحكومة الأمريكية لو كانت مهتمة حقًا بأوروبا قوية، “لكانت أنهت حربها التجارية واستأنفت تقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا”، مشيرة إلى أن الثقة قد اهتزت.

ورأت الصحيفة أن خطاب روبيو جاء متأخرًا عامًا، “لكنه ربما أتى في الوقت المناسب للحفاظ على مظهر من مظاهر الإجماع عبر الأطلسي“. وأضافت أن “أهم نتائج المؤتمر هو إدراك أن الولايات المتحدة لا تزال تنوي لعب دور محوري في الدفاع عن أوروبا، وأن الناتو سيتغيّر مع تحمّل الأوروبيين عبئًا أكبر، لكن الحلف لن ينهار”.

وخلصت هاندلس بلات إلى أن “القواسم المشتركة بين الأوروبيين وأمريكا المؤيدة لترامب قد لا تكفي لشراكة قائمة على القيم، لكنها ربما تكفي لتحالف قائم على المصالح المشتركة”

ماكرون: أوروبا بحاجة إلى قوة ومثابرة للدفاع عن صورة أوروبا

الرئيس الفرنسي ماكرون، وفي رد على خطاب سابق لنائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس، دعا إلى التعامل مع أوروبا بوصفها “مثالاً يُحتذى به” لا مادة للانتقاد أو التشويه. ورفض الصورة التي تُقدَّم أحياناً عن أوروبا بأنها “قارة عجوز وبطيئة ومجزأة”، أو بأنها مجتمع يفقد تقاليده تحت وطأة الهجرة، مؤكداً أن هذه الروايات “مشوّهة وغير دقيقة”.

وشدد ماكرون في كلمته امام المؤتمر على ضرورة أن تطوّر أوروبا قدراتها الدفاعية إذا أرادت أن تكون في “موقع قوة” خلال أي مفاوضات مستقبلية مع روسيا، وأكد على” أن الدول الغربية ستظل مطالَبة بالتعامل مع ما وصفها بـ “روسيا العدوانية”، حتى في حال التوصل إلى تسوية للحرب في أوكرانيا، وأن إنهاء الأزمة لا يتحقق عبر الرضوخ لمطالب موسكو، بل عبر زيادة الضغط عليها وإظهار “القوة والمثابرة”.

ودافع الرئيس الفرنسي عن دور أوروبا، مؤكدا أنها “ستكون جزءا من الحل” لإنهاء الحرب التي تشنها روسيا في أوكرانيا، ورأى أن أوروبا يجب “أن تكون جزءا من الحوار” الذي يقتصر حاليا بشكل مباشر على الروس والأوكرانيين والأمريكيين.

المستشار الألماني: إصلاح الثقة عبر الأطلسي بالشراكة وليس التبعية

بدوره، دعا المستشار الألماني فريدريش ميرتس الولايات المتحدة وأوروبا إلى “إصلاح وإحياء الثقة عبر الأطلسي، معًا”، مؤكّدًا أن عضوية حلف شمال الأطلسي (الناتو) تصب في مصلحة واشنطن أيضًا. وقال خلال كلمته الافتتاحية للمؤتمر: “في عصر تنافس القوى الكبرى، لن تكون الولايات المتحدة قوية بما يكفي للاعتماد على نفسها فقط.”

وأشار المستشار إلى ما وصفه بـ “حقيقة غير مطمئنة”، موضحًا أن فجوة عميقة نشأت خلال السنوات الأخيرة بين أوروبا والولايات المتحدة .  وحذّر من خطر يهدد الحريات في عصر القوى الكبرى، داعيا الى إبداء الحزم للحفاظ عليها، قائلاً “في عصر القوى الكبرى، لم تعد حريتنا مكتسبة، بل باتت مهددة”، مؤكدا أن “التضحيات” ستكون ضرورية “ليس يوما ما، لكن الآن”، وذلك في وقت تعمد الدول الأوروبية لزيادة إنفاقها الدفاعي في مواجهة التهديد الروسي و تراجع الدور العسكري الأمريكي في القارة في عهد الرئيس دونالد ترامب .

وفيما يشبه الرد على سؤال بشأن دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإحياء قنوات التواصل الأوروبية المباشرة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهي قنوات تراجعت منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا رأى ميرتس أن الحرب لن تنتهي إلا عندما تصبح روسيا “منهكة اقتصادياً وربما عسكرياً”، مؤكداً أن هذا الوضع “أصبح قريباً” لكن لم يتحقق بعد.

وأوضح المستشار الألماني أن المطلوب الآن هو زيادة الضغط الأوروبي كي تدرك موسكو أن استمرار الحرب “لن يمنحها أي امتيازات إضافية”. وشدّد على ضرورة أن يستمر الأوروبيون في فعل “كل ما يلزم” لدفع روسيا نحو التراجع عن هجماتها العسكرية.

وعن التحالف مع الولايات المتحدة، حذر ميرتس من التخلي عنه، بل إنه يود إعادة تأسيس الشراكة. ووعد ميرتس بأن أوروبا ستقوم بدورها في هذا الصدد. ويرى أن التسليح الهائل للجيش الألماني هو مساهمة ألمانيا في هذا المجال، ولم يسبق أن كانت ميزانية الدفاع مرتفعة كما هي عليه في ميزانية الدولة لعام 2026.

وبذلك تناول المستشار نقطة انتقاد أساسية من قبل إدارة ترامب، وهي أن الأوروبيين يعتمدون بشكل مفرط على الحماية التي توفرها الولايات المتحدة، بدلا من تعزيز جيوشهم الخاصة. شراكة نعم ولكن على قدم المساواة، هذه كانت رسالة ميرتس الذي عبر عنها بالقول: “الأنظمة الاستبدادية تريد أتباعا، ولكن الديمقراطيات لها شركاء وحلفاء”.

وزير خارجية الصين: صعوباتكم ليست من الصين

وفيما يشعر الاتحاد الأوروبي بالقلق إزاء اتساع العجز التجاري مع الصين، وإغراق الأخيرة السوق الأوروبية ببضائعها نتيجة فوائض إنتاجها والقيود التجارية مع الولايات المتحدة، وكذلك إزاء تعزيز الصين علاقاتها مع روسيا التي تخوض حربا في أوكرانيا.

رسم وانغ يي وزير الخارجية الصيني، سياسة بكين تجاه أوروبا، إنه يأمل بأن “تتبع أوروبا سياسة عقلانية وبراغماتية تجاه الصين”. وأضاف، إن “الطرفين شريكان وليسا خصمين. الاعتماد المتبادل لا يشكّل خطراً، وتقارب المصالح لا يشكل تهديداً، والتعاون المفتوح لن يضر بالأمن”. وأضاف أن “تطور الصين يمثل فرصة لأوروبا، والصعوبات التي تواجهها أوروبا لا تأتي من الصين”.

من تداعيات المؤتمر: هل من استقلالية أوروبية

فيما يواصل الرئيس ترامب، منذ عودته إلى البيت الأبيض، انتقاد الأوروبيين، خاصةً في ملف الهجرة، معتبرا أنهم يواجهون خطر “محو حضاري” من المرجح أن تثير نقاشات المؤتمر غضب الولايات المتحدة، غير أن السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، المقرب من ترامب، قال “لا يهمني ذلك كثيرا. المهم هو تعزيز الردع النووي. العالم يحتاج إلى ناتو قوي وصلب”.

ويرى خبراء أن الصدمة التي عانت منها الدول الأوروبية جراء سياسة ترامب تحوّلت اليوم إلى ما يشبه البراغماتية. فخلال المؤتمر، طُرحت عدة أفكار، منها مناقشة احتمال أن تنشئ ألمانيا وفرنسا مظلة نووية أوروبية تكمل الردع النووي الأمريكي الذي تعتمد عليه الناتو حاليا، ودعوة ميرتس إلى تفعيل بند الدفاع المشترك في معاهدة الاتحاد الأوروبي، المشابه للمادة الخامسة من معاهدة الناتو. فهل تعود اللحمة ما بين جناحي الأطلسي. أم باتت أوروبا مجبرة بالبحث عن استقلالية مستقبلية.

ما خلص اليه موقع ذي انترست، قد يفسح المجال للإجابة على هذه التساؤلات: رفض عقلية “لا بديل” فيمكن لأوروبا أن تختار مسار “تقرير المصير التكنولوجي”، عبر بناء أنظمة دفاع وتقنية مستقلة يمكنها الاندماج مع الناتو دون طلب إذن مسبق من واشنطن. والحل لا يعني الطلاق. فالناتو يبقى جدار حماية أساسياً. لكن المطلوب هو تغيير “شفرة المصدر” للنظام، بحيث تتحول أوروبا من مستخدم محبوس إلى شريك مالك. والاختيار ليس بين القيادة الأميركية والفوضى، بل بين استمرار التدهور والعمل الجاد على تجديد استراتيجي يعيد التوازن للعلاقة عبر الأطلسي.