حريق وأعطال فنية تجبر “جيرالد فورد” على الانسحاب المفاجئ من الشرق الأوسط

جيرالد فورد

تستعد حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس جيرالد فورد” (USS Gerald R. Ford) -أضخم سفينة حربية في العالم- لمغادرة مسرح العمليات مؤقتاً باتجاه قاعدة بحرية في اليونان لإجراء إصلاحات عاجلة. يأتي هذا التطور إثر تعرضها لحريق داخلي غير قتالي أثناء أداء مهامها في البحر الأحمر، ضمن مظلة الدعم العسكري المرتبطة بالمواجهة المفتوحة مع إيران.

وتُشير مصادر عسكرية أمريكية إلى أن الحاملة سترسو لفترة وجيزة في قاعدة “سودا باي” بجزيرة كريت اليونانية. وفي خطوة تعكس حرص واشنطن على عدم إحداث فراغ أمني، لن ترافق الحاملة جميع وحدات مجموعتها القتالية الضاربة، في محاولة واضحة للحفاظ على التوازن العملياتي والردع الإقليمي رغم غياب درة تاج البحرية الأمريكية.

ضغط عملياتي وأعطال فنية

لم يكن الحريق هو التحدي الوحيد الذي واجهته السفينة؛ فقد عانت من مشكلات تقنية أخرى، أبرزها في نظام الصرف الصحي. وتتزامن هذه الأعطال مع اقتراب الحاملة من تسجيل أطول فترة انتشار بحري في تاريخ البحرية الأمريكية الحديث، وذلك بعد تمديد مهمتها مرتين متتاليتين، مما يسلط الضوء بوضوح على حجم الاستنزاف والضغط اللوجستي الذي تواجهه القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة.

“جيرالد فورد”: أسطورة بتكلفة قياسية

تُعد “جيرالد فورد” القطعة الرائدة ضمن فئتها الحديثة، والتي صُممت لتكون الجيل المستقبلي لحاملات الطائرات الأمريكية، متجاوزة فئة “نيميتز” الكلاسيكية. دخلت الخدمة رسمياً عام 2017 لتخلف الحاملة التاريخية “إنتربرايز”، حاملةً اسم الرئيس الأمريكي الأسبق تكريماً لخدمته العسكرية في الحرب العالمية الثانية.

بدأ بناء هذه القلعة العائمة عام 2005 في أحواض نيوبورت نيوز، وبلغت تكلفة إنشائها رقماً فلكياً تجاوز 13 مليار دولار، لتصبح القطعة العسكرية الأغلى في التاريخ، ناهيك عن مليارات الدولارات التي أُنفقت على برامج البحث والتطوير.

قدرات استثنائية تواجه اختبار الواقع

شكلت السفينة نقلة نوعية في التكنولوجيا البحرية، متبنيةً “نظام الإقلاع الكهرومغناطيسي” (EMALS) بديلاً عن المقاليع البخارية التقليدية، مما منحها القدرة على زيادة معدل الطلعات الجوية بنسبة 25% بطاقم بشري أقل. كما زُودت بأنظمة رادار متعددة المهام وتقنيات دفاعية متطورة لإدارة أعقد العمليات الجوية والبحرية المتزامنة.

ورغم هذه المواصفات الجبارة، طاردت الأعطال التقنية الحاملة منذ تدشينها، خاصة في مصاعد الذخيرة المتقدمة ونظام الإقلاع، مما استدعى تعديلات جوهرية قبل إعلان جاهزيتها. ويأتي الحريق الأخير، الذي استمر لساعات، ليؤكد مدى الحساسية والتعقيد في تشغيل هذا النوع من المنصات المتقدمة.

رسائل استراتيجية من قلب الصراع

منذ اندلاع المواجهات مع إيران، شكلت الحاملة رأس حربة في عملية “الغضب الملحمي” ضمن تنسيق عسكري أمريكي-إسرائيلي غير مسبوق. وكان وجودها جزءاً من أكبر حشد بحري أمريكي شهدته المنطقة مؤخراً لردع الهجمات، لا سيما تلك التي استهدفت البنية التحتية العالمية للطاقة.

يُعد خروج أضخم سفينة حربية من الخدمة المؤقتة حدثاً مفصلياً؛ فهو يطرح تساؤلات جدية حول قدرة الأسطول الأمريكي على استدامة جاهزيته في بيئة شديدة التوتر. ورغم أن إبقاء جزء من المجموعة القتالية يؤكد تمسك واشنطن بنفوذها، إلا أن هذا الحدث يثبت أن الحرب لا تستنزف الخصوم فحسب، بل تمتد آثارها لتطال أحدث القدرات العسكرية للقوى العظمى، مما ينذر بمرحلة مقبلة أشد تعقيداً على الصعيدين الاستراتيجي والتكتيكي.