شرعت إسرائيل في تسريع وتيرة إنتاج صواريخ منظومة “السهم” المضادة للصواريخ الباليستية، في خطوة تهدف إلى تعزيز جاهزيتها الدفاعية في مواجهة تهديدات متصاعدة ومتعددة الجبهات.
جاء هذا القرار بموافقة لجنة المشتريات الوزارية، وبمبادرة مباشرة من وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الذي أكد أن الوتيرة الإنتاجية الجديدة ستُعزز المخزون الاستراتيجي، وترفع من جاهزية الطبقة الدفاعية العليا، وفق ما أوردته صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”.
ولم يأتِ هذا التحرك بمعزل عن ميدان مشتعل؛ إذ أثبتت المنظومة فاعليتها الميدانية خلال الحرب الجارية من خلال اعتراض صواريخ باليستية أُطلقت من إيران واليمن، وفق ما أعلنته وزارة الدفاع الإسرائيلية. ويعكس القرار كذلك توجهاً استراتيجياً نحو ضمان الاستدامة العملياتية في ظل استمرار التهديدات الصاروخية على جبهات متعددة.
تسريع الإنتاج: قرار استباقي أم استجابة ميدانية؟
داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، تحتل منظومة “السهم” مكانة خط الدفاع الأول في التصدي للصواريخ الباليستية بعيدة المدى. من هذا المنطلق، لا يُفهم رفع وتيرة الإنتاج مجرد إجراء احترازي، بل هو استجابة مباشرة للضغط العملياتي المتراكم، لا سيما مع تصاعد وتيرة الإطلاق الصاروخي الإيراني وذراعيه الإقليميتين.
وأوضح وزير الدفاع كاتس أن الهدف من هذه الخطوة يتمحور حول ضمان حرية العمل العسكري والاستمرارية التشغيلية على المدى البعيد، مشيراً إلى أن المخزون الحالي كافٍ، غير أن التوسع الإنتاجي بات ضرورة لا خياراً لمواجهة سيناريوهات ممتدة. ويكشف هذا التصريح عن قلق ضمني من احتمالية الاستنزاف التدريجي للمخزون في حال استمرت الحرب بوتيرتها الراهنة.
“زئير الأسد” وأثره على الصناعة الدفاعية
ترتبط عملية تسريع الإنتاج ارتباطاً وثيقاً بتداعيات عملية “زئير الأسد” ضد إيران، التي دفعت وزارة الدفاع الإسرائيلية إلى تفعيل منظومة عمل تشبه حالة الطوارئ الصناعية.
وأكد المدير العام للوزارة أمير بارام أن الأشهر الماضية شهدت تكثيفاً غير مسبوق لرفع طاقة الإنتاج عبر مختلف أنظمة الدفاع متعددة الطبقات، مع إيلاء الأولوية القصوى لمنظومة “السهم”. وفي هذا الإطار، جرى توجيه شركات الصناعات العسكرية لزيادة الإنتاج، لا في الأنظمة الدفاعية وحسب، بل في الذخائر الهجومية أيضاً، بما يضمن جاهزية شاملة وطويلة المدى.

من يقف خلف إنتاج “السهم”؟
تتصدر شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية عملية الإنتاج بوصفها المقاول الرئيسي، بمشاركة عملاقَي الصناعة الدفاعية “إلبيت سيستمز” و”رافائيل للأنظمة الدفاعية المتقدمة”، إلى جانب شركاء صناعيين آخرين. يعكس هذا التشابك البنيوي مدى تعقيد المنظومة التي تقوم على تكامل صناعي وتكنولوجي متعدد المستويات.
ويُدار البرنامج بالتعاون مع الولايات المتحدة عبر وكالة الدفاع الصاروخي، مما يمنحه بعداً دولياً راسخاً على صعيدَي التمويل والتطوير. وقد أسهم هذا التعاون الممتد منذ ثمانينيات القرن الماضي في تحويل “السهم” إلى أحد أكثر أنظمة الدفاع الصاروخي تطوراً على مستوى العالم.

منظومة “السهم”: درع إسرائيل في الطبقة العليا
تُعدّ منظومة “السهم” العمود الفقري للدفاع الصاروخي بعيد المدى في إسرائيل، وهي مصمَّمة لاعتراض الصواريخ الباليستية خارج الغلاف الجوي أو في طبقاته العليا، بما يُتيح تدميرها قبل اقترابها من أهدافها. وتعمل ضمن منظومة دفاع متعددة الطبقات تضم أيضاً مقلاع داود والقبة الحديدية.
تتألف المنظومة من عناصر محورية، أبرزها صواريخ الاعتراض “السهم 2” و”السهم 3″، ورادارات إنذار مبكر متطورة، ومراكز قيادة وسيطرة تُدير عمليات الاعتراض في الزمن الفعلي. هذا التكامل يمنحها قدرة على رصد أهداف متعددة وتتبعها آنياً، والتعامل مع تهديدات بالغة التعقيد.
“السهم 3”: الاعتراض من الفضاء
يمثل “السهم 3” الجيل الأكثر تطوراً في المنظومة؛ إذ يعمل على اعتراض الصواريخ في الفضاء الخارجي خلال مرحلة تحليقها، مما يُقلص خطر سقوط الشظايا أو المواد الخطرة على الأراضي الإسرائيلية، فضلاً عن امتلاكه سرعات ومديات تفوق النسخ السابقة.
وتُشير تقديرات تقنية إلى احتمال امتلاك هذه النسخة قدرات إضافية، من بينها إمكانية استهداف الأقمار الصناعية، مما يفتح الباب أمام استخدامات تتخطى حدود الدفاع الصاروخي التقليدي، ويُدرج إسرائيل ضمن مجموعة نادرة من الدول القادرة على مواجهة تهديدات فضائية.
من حرب الخليج إلى مواجهة إيران
يمتد تاريخ منظومة “السهم” إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين انطلق تطويرها استجابةً للتهديدات الصاروخية بعيدة المدى في المنطقة، ولا سيما في أعقاب حرب الخليج التي كشفت محدودية أنظمة الدفاع التقليدية كـ”باتريوت”. ومنذ ذلك الحين، واصلت المنظومة مسار تطورها المتواصل لمواكبة طبيعة التهديدات المتحولة.
اكتسب البرنامج زخماً متجدداً مع تنامي القدرات الصاروخية الإيرانية، بما فيها الصواريخ الباليستية المتقدمة والأسلحة فرط الصوتية، مما رسّخ مكانة “السهم” ركيزةً أساسية في العقيدة الدفاعية الإسرائيلية، في حين تواصل البحث والتطوير نحو إنجاز النسخة القادمة “السهم 4”.






