ممرات الطاقة والتجارة البحرية تعيد ترتيب قواعد الجيوبوليتيك

العقيد الركن م. ظافر مراد

لم تعد ممرات الطاقة وطرق التجارة البحرية مجرد شرايين اقتصادية، بل أصبحت أحد أهم العوامل المؤثرة في رسم خرائط النفوذ والسيطرة للقوى العُظمى وللقوى الإقليمية أيضًا، وبذلك، هي اليوم تعيد تحديد الأسس والقواعد الجديدة التي تفسر وتحكم مفاهيم الجيوبوليتيك الحديث، فلم تعد قيمة الممرات البحرية نابعة من حركة التجارة فقط، بل من قدرتها على التحكم بتدفقات الطاقة وسلاسل الإمداد والتوريد العالمية، لذلك أصبحت السيطرة على المضائق والموانئ جزءًا من معادلة الردع والقوة.

لقد اكتسبت التجارة البحرية أهمية كبيرة في العقود المنصرمة، ولا زالت حتى يومنا هذا الخيار الأقل من حيث التكلفة، والأسرع من حيث المهل الزمنية في الإستجابة لطلبات الأسواق العالمية، وتعود أفضلية النقل البحري إلى قدرته على الجمع بين الحمولة الضخمة بكلفة قليلة، والقدرة على الربط بين القارات بطرق مختصرة، وهي مزايا لا يستطيع النقل البري منافستها على المستوى العالمي، ووفقًا لتقريرUNCTAD – Review of Maritime Transport 2025، تم نقل أكثر من 80% من حجم التجارة العالمية وحوالي 70% من قيمتها عن طريق البحر، ما يجعل النقل البحري العمود الفقري لإقتصادات ومصالح العديد من الدول. 

ظهرت في العقود الماضية مجموعة من النظريات التي تحدثت عن تموضع وإستخدام القوات إستنادًا للجغرافيا العالمية، وتسببت هذه النظريات بتغيير حاسم في الوعي والتقدير الإستراتيجي عند القادة وصناع القرار، فتم الإنتقال من دراسة الجغرافيا العسكرية، إلى دراسة الجيوبوليتيك، التي تحدد الفرص والمخاطر والتهديدات التي تؤثر أو تصيب بشكلٍ مباشر مصالح اللاعبين في منطقة جغرافية محددة، وكانت الإعتبارات التي يتم التركيز عليها، تتعلق بقضايا السيطرة العسكرية والنفوذ الأمني، ولكن اليوم تغيَّر الوضع، بسبب الوعي والإدراك بشأن أهمية التجارة البحرية التي ترتبط مباشرة بالمصالح الإقتصادية للاعبين الدوليين، فتداخل مفهوم “الجيوبوليتيك_ Geopolitics” مع مفهوم “الجيوإيكونومي-Geoeconomics” وإذا كانت أدوات الجيوبوليتيك لتكريس النفوذ هي: القواعد العسكرية، الاساطيل، التحالفات، الإحتلال أو السيطرة على الأراضي والمضائق، فإن أدوات الجيوإيكونومي هي: التجارة، سلاسل الإمداد والتوريد، مصادر الطاقة، العقوبات، الإستثمارات، الموانيء، التكنولوجيا.  

هذا التحول لم يُلغِ النظريات الكلاسيكية، بل أعاد تفسيرها في ضوء المصالح الاقتصادية العالمية، ومن بين مجموعة من النظريات الجيوبوليتيكية التي ظهرت سابقًا، إكتسبت نظريتان أهمية كبيرة في الدراسة والتحليل وتم الأخذ بهما في عمليات التقدير والتخطيط الإستراتيجيين للسياسات الخارجية، الأولى نظرية ألفريد ماهان- Alfred Mahan (1840-1914)،  وهو ضابط بحري أميركي كان رئيسًا للكلية الحربية البحرية الاميركية، ومؤسسًا لنظرية القوة البحرية_ Sea Power، أصدر كتابه الشهير The Influence of sea power upon history  ، وتنطلق نظرية ماهان من مبدأ بسيط ولكنه عميق وحاسم، يؤكد أن من يسيطر على البحار، يمتلك النفوذ السياسي والعسكري والإقتصادي، وحدد عددًا من العناصر التي تصنع القوة البحرية للدولة وهي: إسطول بحري ضخم وقوي، قواعد بحرية منتشرة ومتقدمة، سيطرة على خطوط الملاحة البحرية، سيطرة على المضائق ونقاط الخنق الإستراتيجية. بنتيجة هذه النظرية أسست الولايات المتحدة قوتها البحرية، فامتلكت أقوى وأضخم إسطول في العالم، ونشرت قواعدها وقطعها البحرية على امتداد البحار والمحيطات، ما مكنها من التدخل في اي منطقة في العالم بسرعة وبقدرات عسكرية كبيرة.

أما النظرية الثانية، فهي نظرية “نيكولاس سبايكمان_ Nicholas Spykman” (1893- 1943)، الهولندي الأصل والأميركي الجنسية، الذي كان أستاذًا للعلاقات الدولية في جامعة “Yale” ولاحقًا مديرًا لمعهد العلاقات الدولية الذي اعتبر من أهم مراكز البحث في السياسة الدولية والإستراتيجيا في الولايات المتحدة آنذاك. يعتبر سبايكمان أحد أهم منظري الجيوبوليتيك في القرن العشرين، والأب الروحي لـ “سياسة الإحتواء” الأميركية، أسَّس “نظرية الريملاند_Rimland Theory” التي تعتبر أن مفتاح الهيمنة على العالم يتمثل بالسيطرة على الحافة الساحلية لأوراسيا، وهذه النظرية تفسِّر تمامًا أسباب الصراعات الحالية التي في معظمها تقع على أطراف أوراسيا، أي منطقة الخليج، البحر الأحمر، شرق المتوسط، بحر الصين الجنوبي، بحر البلطيق، وفي هذا الإطار، أصبحت الممرات البحرية جزءًا أساسيًا من الصراع على الريملاند.

فرضت هاتان النظريتان سياسات خارجية وإستراتيجيات لم تقتصر فقط على الولايات المتحدة الأميركية، بل طالت دولًا عديدة أبرزها الصين والإتحاد السوفياتي سابقًا وروسيا لاحقًا، وأبرز هذه الإستراتيجيات هي:

  1.  استراتيجية السيطرة على نقاط الاختناق البحرية  (Maritime Chokepoint Strategy)، وهي استراتيجية معتمدة في التخطيط العسكري، ترتكز على السيطرة أو حماية مضائق: هرمز، باب المندب، مالاكا، البوسفور والدردنيل، وقناتي السويس وبناما. إن إغلاق أو تعطيل الملاحة في أي من نقاط الإختناق تلك قد تتسبب بأزمة إقتصادية عالمية.
  2. استراتيجية سلاسل الجزر الاميركية  (Island Chain Strategy)، تعتمدها الولايات المتحدة في مواجهة الصين، تركز على: نشر عشرات القواعد البحرية والجوية والإستخباراتية للقوات الأميركية في المناطق الإستراتيجية لتأمين التدخل السريع والفاعل، بناء شبكة من التحالفات مع العديد من الدول، السيطرة أو التواجد على الجزر الإستراتيجية. كل ذلك بهدف السيطرة على تحركات البحرية الصينية ومراقبة نشاطاتها وتحركاتها العسكرية.
  3. استراتيجية عقد اللآلئ الصينية  (String of Pearls)، وهي رد الصين على الاستراتيجية الأميركية، تعتمد على إنشاء أو تطوير موانئ ومنشآت لوجستية ونقاط إرتكاز بحرية وشبكة علاقات أمنية وإقتصادية، تمتد من بحر الصين الجنوبي إلى المحيط الهندي وصولًا إلى الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، تهدف إلى تأمين وحماية خطوط تجارتها وإمدادها بالطاقة.
  4. استراتيجية التمركز المتقدم  (Forward Presence)، تعتمدها الولايات المتحدة وحلف الناتو، تقوم على نشر القوات والقواعد مسبقًا بالقرب من الممرات الاستراتيجية لتفعيل الردع وتسريع الاستجابة.
  5. استراتيجية منع الوصول وحرمان المنطقة (A2/AD- Anti Access/ Area Denial)، تعتمدها الصين وروسيا وإيران بدرجات مختلفة، الهدف ليس السيطرة على المناطق الهامة في البحار وعلى الممرات الإستراتيجية، بل جعل الاقتراب منها مكلفًا عبر: الغواصات، الصواريخ المضادة للسفن، المسيرات، الألغام البحرية، الزوارق المسيرة، وسائط الدفاع الجوي.

تعتبر عمليات نشر وإعادة نشر القواعد العسكرية البحرية، سياسة أمنية مرتبطة بتداخل ثلاث نظريات كبرى: حماية ممرات الطاقة والتجارة (ماهان)، التحكم بالحواف البحرية للقارات (سبايكمان)، وإدارة المنافسة بين القوى الكبرى عبر القواعد والتحالفات وإستراتيجية منع الوصول وحرمان المنطقة. بهذا الإطار يصبح انتشار القواعد الاميركية والصينية والروسية، وحتى الاهتمام المتزايد بالبحر الأحمر وشرق المتوسط والخليج، جزءًا من منطق استراتيجي واحد، لا مجرد ردود فعل على أزمات متفرقة، وذلك يفسر عدة نشاطات وأهداف للقوى الكبرى مثل تعزيز الوجود الاميركي في المحيطين الهندي والهادئ والخليج، توسع الحضور الصيني عبر سلسلة الموانئ والقواعد اللوجستية، عودة روسيا إلى الاهتمام بالمنافذ البحرية الدافئة، سعي القوى الأوروبية لتأمين خطوط الملاحة والطاقة.

لم يعد الجيوبوليتيك الحديث ينظر إلى الجغرافيا باعتبارها مساحة ثابتة، بل باعتبارها شبكة متحركة من تدفقات التجارة والطاقة والبيانات وسلاسل الإمداد العالمية، لقد أصبحت الممرات البحرية والبرية، وخطوط أنابيب النفط والغاز، والكابلات البحرية، ومراكز البيانات، والموانئ، والعقد اللوجستية  (Logistics Hubs)، هي مراكز الثقل الجديدة في الصراع الدولي. لم تعد السيطرة تعني احتلال الأرض، بل القدرة على تأمين أو تعطيل تدفق الموارد والبضائع والطاقة، لذلك برزت مفاهيم مثل ممرات الطاقة، واستراتيجية “عقد اللآلىء” الصينية، والممر الاقتصادي الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي  (IMEC)، ومبادرة الحزام والطريق، بوصفها أدوات جيوبوليتيكية تعيد ترتيب موازين القوى العالمية. وبذلك انتقل التنافس بين القوى الكبرى من الصراع على امتلاك الجغرافيا إلى الصراع على إدارة التدفقات الاستراتيجية التي تمر عبرها، وهو ما يجعل أمن سلاسل الإمداد واستدامة حركة التجارة والطاقة، أحد أهم محددات القوة في القرن الحادي والعشرين.

إن ما يشهده العالم اليوم ليس مجرد إعادة انتشار للقواعد العسكرية، بل إعادة هندسة للجيوبوليتيك بقواعده الحديثة، أي “الجيوبوليتيك الشبكي- Network Geopolitics”، فكل قاعدة جديدة، وكل ميناء استراتيجي، وكل مركز بيانات، وكل قوة بحرية إضافية، ليست سوى انعكاس لمعركة أكبر عنوانها السيطرة على تدفقات الطاقة والتجارة، ومن ينجح في حماية هذه التدفقات والتحكم بها، سيكون الأقدر على فرض النفوذ والهيمنة في النظام الدولي المرتقب.