أوروبا أعلنت رسمياً فشل أضخم مشروع عسكري في تاريخها: خلاف على “من يقود” دمّر 110 مليارات دولار

سقط في 8 يونيو/ حزيران 2026 أضخم مشروع دفاعي في تاريخ أوروبا الحديثة، سقوطاً لم يُحدث دوياً بقدر ما أحدث صمتاً مدوياً. أسدلت برلين وباريس الستارَ رسمياً على برنامج FCAS، نظام القتال الجوي المستقبلي، بعد أن أنهكته سنواتٌ من التجاذب الصناعي بين داسو وإيرباص، وبعد أن راحت معه أكثر من 110 مليارات دولار من الأحلام والوعود والدراسات.

لم يكن الإعلان مفاجئاً لمن تابع ملف المشروع عن كثب. لكنه كان صاعقاً لطرف لم يكن طرفاً في الخلاف أصلاً: الهند، التي أبلغت باريسَ رسمياً في فبراير/ شباط 2026 عن رغبتها الانضمام إلى المشروع، وجدت نفسها تقف أمام باب مُوصَد، لا بسبب رفضها، بل لأن الدار نفسها انهارت.

وبينما تغرق عواصم القرار الأوروبي في تداعيات هذا الانهيار، تواصل الصين في هدوء مُحسوب رحلاتها التجريبية بمقاتلات الجيل السادس، غير آبهة بالفوضى الغربية.

تصحيح: الهند لم تُلغِ شيئاً.. بل أُسقط ما كانت تسعى إليه

تداولت منصات التواصل السيناريو مقلوباً: “الهند تُلغي برنامج الجيل السادس”. والحقيقة أدق وأكثر إيلاماً من ذلك بكثير. لم تمتلك الهند أصلاً برنامجاً مستقلاً للجيل السادس كي تُلغيه، ما جرى هو أن نيودلهي راهنت على ركوب القطار الأوروبي، فاكتشفت أن القطار نفسه خرج عن السكة.

كشفت وثائق وزارة الدفاع الهندية المقدّمة للبرلمان في مارس/ آذار 2026 أن القوات الجوية الهندية كانت تُقيّم مساريْن: برنامج FCAS الفرنسي الألماني الإسباني، وبرنامج GCAP البريطاني الياباني الإيطالي. جاء هذا التوجه بعد تأخيرات متراكمة في برنامج المقاتلة المتوسطة المتقدمة AMCA، مقاتلة الجيل الخامس التي لا تتوقع نيودلهي أولى رحلاتها التجريبية قبل عام 2032 في أحسن الأحوال، وفق تقييمات مؤسسات دفاعية متخصصة.

وفي بنغالور خلال الحوار الدفاعي الهندي الفرنسي 6 فبراير/ شباط 2026، أبلغت نيودلهي باريسَ بوضوح برغبتها في استكشاف التطوير والتصنيع المشترك تحت مظلة FCAS. في غضون أسابيع، تحوّل هذا الاهتمام إلى حطام، إذ كان المشروع الأوروبي ذاته يتداعى قبل أن يُسوّى 8 يونيو/ حزيران 2026 كل شيء.

قصة FCAS: حين تعصف الخلافات الصناعية بأحلام الاستقلالية الاستراتيجية

أُطلق برنامج FCAS عام 2017 بدعوة مشتركة من ميركل وماكرون، ثم انضمت إسبانيا عام 2019. كان الطموح واضحاً: منظومة قتالية جوية متكاملة تجمع مقاتلة الجيل السادس المأهولة مع طائرات مسيّرة وسحابة قتالية رقمية، لتحلّ محل الرافال الفرنسية واليوروفايتر الألمانية الإسبانية بحلول عام 2040.

بيد أن سؤالاً واحداً حطّم كل ذلك: من يقود؟

أصرّت داسو على احتفاظها بنحو 80% من حصة العمل الصناعي وقيادة تصميم المقاتلة، في حين رفضت إيرباص تسليم زمام البرنامج بالكامل مطالبةً بشراكة متكافئة. في مارس/ آذار 2026، حذّر رئيس داسو إيريك ترابيير صراحةً من أن المشروع “ميت” إن لم تُذعن إيرباص. في فبراير/ شباط، رجّح رئيس إيرباص غيوم فوري ظهور مقاتلتين أوروبيتين منفصلتين.

علّقت وساطة أبريل/ نيسان 2026 دون نتائج، وعقدت قمة غير رسمية في قبرص بين ماكرون والمستشار ميرتس لم تُطفئ نيران الخلاف. وفي الثامن من يونيو/ حزيران أكدت مصادر حكومية ألمانية أن ميرتس أبلغ ماكرون بأن مواصلة بناء المقاتلة المشتركة لم تعد ممكنة — وإن أُقرّ الإبقاء على مكوّن السحابة القتالية الرقمية وحده. هكذا دُفنت ركيزة ما كان يُروَّج له باعتباره عماد الاستقلالية الاستراتيجية لأوروبا.

German consortium hopes to build new fighter jet after FCAS collapse

في المقابل: الصين تُعيد رسم خارطة التفوق الجوي بلا ضجيج

بينما كانت باريس وبرلين غارقتين في خلافاتهما الصناعية، أجرت الصين في ديسمبر/ كانون الأول 2024 أولى الرحلات التجريبية لنموذجين متوازيين من مقاتلات الجيل السادس، وفقاً لتقرير وزارة الدفاع الأمريكية الصادر أواخر 2025.

يتجلى البرنامج الأول في الـ J-36 المنسوب إلى شركة تشنغدو للطيران، بتصميم جناح طائر بلا ذيل وثلاثة محركات ومقدرة على المدى الاستراتيجي البعيد. أما البرنامج الثاني، الـ J-50 المنسوب إلى شنيانغ للطيران، فيستهدف تعزيز القدرات البحرية الجوية بتصميم أكثر رشاقة وحركية.

رصد المحللون الغربيون طوال عام 2025 مقاطع متعددة تُظهر النموذجَين يُجريان اختبارات في منشآت متفرقة جغرافياً، رصدتها صور الأقمار الاصطناعية ومنتديات الطيران الصينية. والأكثر دلالةً أن أكتوبر/ تشرين الأول ثم ديسمبر/ كانون الأول 2025 شهدا تحليق النموذجين الثاني والثالث من الـ J-36 متتاليَين، مما يكشف عن مسار تطوير متوازٍ يختصر الزمن بدلاً من تسلسله. وكل نموذج لاحق يُدخل تعديلات مرئية على هندسة المحركات والمداخل، مما يعكس مرونة هندسية عالية وسرعة استثنائية في دمج دروس الاختبار.

تُكمّل هذه الطائرات منظومةً صينية متكاملة تضم مقاتلتَي الجيل الخامس J-20 للعمليات البرية، وJ-35 للعمليات البحرية. يعني ذلك أن الصين لم تعد تلاحق الركب.. بل باتت تحدد وتيرة السباق ومساره وفق تقييم مؤسسات دفاعية غربية متعددة.

الهند في مفترق الطرق: بين GCAP وضغوط الزمن الاستراتيجي

مع انهيار FCAS، تجد الهند نفسها أمام خريطة طريق أضيق مما كانت تتمنى. يبقى أمامها مسار GCAP بقيادة المملكة المتحدة واليابان وإيطاليا، وإن كان البرنامج نفسه يواجه تساؤلات جدية حول التمويل البريطاني وتحفّظ الشريك الياباني على توسيع دائرة الأعضاء — وهو التحفّظ ذاته الذي ظهر حين أبدت طوكيو تحفظها على منح السعودية عضوية في البرنامج، مما يُلمح إلى أن أي انضمام هندي سيمرّ عبر تفاوض دقيق وشائك.

تظل AMCA الركيزةَ الوطنية الهندية، غير أن واقعها الزمني بعيد: لم تنطلق بعد عمليات البناء الفعلي للنماذج الأولى، ولا يُتوقع الطيران التجريبي الأول قبل 2032 في أفضل التقديرات.

في هذا السياق، أعلنت الهند وشركة صافران الفرنسية في فبراير/ شباط 2026 اتفاقاً لتطوير مشترك لمحرك بقوة 120 كيلونيوتن للإصدار الثاني من AMCA، خطوة تُشير إلى أن نيودلهي تستثمر في قدرة الدفع المحلية حتى وإن أُوصدت أمامها أبواب الجيل السادس الأوروبي.

ولا يمكن تأجيل الاستحقاقات الميدانية: تُشغّل القوات الجوية الباكستانية مقاتلات JF-17 الصينية بمختلف إصداراتها، فضلاً عن صفقات محتملة لطائرات الجيل الخامس. وتتدفق التقنيات الصينية عبر قنوات تصدير متشعّبة في المنطقة، مما يعني أن تأخّر الهند في منظومة الجيل الخامس، ناهيك عن السادس، قد يُعيد رسم موازين الردع الإقليمية بصورة لا تصبّ في صالح نيودلهي.

سياق شرق أوسطي: ما الذي يعنيه هذا التحوّل لمنطقتنا؟

لا تمرّ هذه التطورات بمعزل عن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والخليج. يُمثّل انهيار FCAS ضربةً لاستقلالية القدرة الصناعية الدفاعية الأوروبية، مما يُعزّز الاعتماد على المنظومات الأمريكية من F-35 وربما F-47 على المدى البعيد. وبالنسبة للدول الساعية إلى تنويع مصادر تسليحها، يُصبح المشهد الثنائي، أمريكي وصيني، أكثر وضوحاً وحدّةً من أي وقت مضى.

يُضاف إلى ذلك أن الجيل السادس الصيني، إن أثبتت الاختبارات الجارية صلاحيته التشغيلية المقدّرة بحلول 2035 وفق تقرير البنتاغون، سيُصبح نقطة مرجعية جديدة في سوق التسليح الدولي، مع احتمال طرح نسخ تصدير لاحقاً على غرار ما جرى مع J-10 وJF-17. يحمل هذا السيناريو أهمية استراتيجية بالغة لدول الخليج وشمال أفريقيا التي تفكر بجدية في تنويع مصادر تسليحها الجوي خارج المنظومة الغربية الحصرية.