صغيرٌ في الحجم وفاتكٌ في الحساب: كيف قلبت صواريخ الـ 70 ملم موازين التسليح؟

APKWS

خاص – Defense Arabia

لم يكن أحدٌ يتوقع يوم تصميمه أن صاروخاً بحجم ذراع الإنسان سيُصبح أحد أكثر الأسلحة إثارةً للجدل في غرف العمليات حول العالم.

صاروخ الـ 70 ملم الموجَّه بالليزر، الذي بدا لعقود مجرد تطوير تدريجي لذخيرة قديمة، يُحوِّل اليوم معادلات الاشتباك التكتيكي من أوكرانيا إلى اليمن، ويُعيد طرح سؤال بالغ الحساسية في عواصم القرار الدفاعي: هل ما زلنا بحاجة إلى الصاروخ الموجَّه باهظ التكلفة في مواجهة كل هدف؟

مشكلة عمرها عقود

ظلّت القوات الجوية والمروحية تعيش لعقود طويلة مع معضلة لا مفرّ منها: الصاروخ غير الموجَّه رخيصٌ كالتراب لكنه يضرب ما يشاء لا ما تريد، والصاروخ الموجَّه دقيقٌ كالجراح لكن سعره يجعل قادة الأسراب يُحجمون قبل الإطلاق. وبين الخيارَين، كانت الحروب تُخاض بحسابات اقتصادية أحياناً أكثر مما تُخاض بحسابات عسكرية. ثم جاء صاروخ الـ 70 ملم الموجَّه ليقول: “أنا الوسط الذي كنتم تبحثون عنه”.

الفكرة في جوهرها بسيطة لدرجة تُثير الدهشة: خُذ الصاروخ غير الموجَّه القائم في الخدمة، أضِف إليه حزمة توجيه ليزرية، واحتفظ بكل شيء آخر كما هو. لا تغيير في المحرك، لا تعديل في الرأس الحربي، لا استبدال لمنصة الإطلاق. والنتيجة؟ سلاحٌ يُصيب هدفه بدقة متر واحد على بعد 6 كم، بتكلفة تُعادل جزءاً يسيراً من صاروخ Hellfire.

APKWS الأمريكي: حين تولد الثورة من رحم المخزون القديم

أنجزت BAE Systems الأمريكية ما بدا مستحيلاً: حوَّلت ملايين الصواريخ غير الموجَّهة المكدَّسة في المستودعات العسكرية إلى ذخائر دقيقة فائقة القدرة، بمجرد إدخال وحدة توجيه مركزية بين قسمَي الصاروخ القائم. هذا هو APKWS II، أو نظام التدمير الدقيق المتطور، الذي أصبح في سنوات قليلة المرجع الأكثر استخداماً في هذه الفئة على مستوى العالم.

GA-ASI and U.S. Air Force Test APKWS Guided Rockets on MQ-9A Reaper - The  Aviationist

لكن ما فاجأ الجميع ليس دقته في استهداف الدبابات والمركبات المدرعة، بل قدرته على تعقُّب أهداف لم تكن في حسبان مصمميه. أسقط APKWS II طائراتٍ مسيّرة وصواريخ كروز، مُثبتاً أن هذا الصاروخ الصغير يستطيع أن يُؤدي ما تعجز عنه منظومات دفاع جوي أضخم وأغلى ثمناً. في يناير/كانون الثاني 2026، كان الجيش البلجيكي يختبره من على متن F-16 لمواجهة تهديد المسيّرات، وهو مشهد كان يبدو سريالياً قبل عقد من الزمن.

CİRİT التركي: الصاروخ الذي تعرفه المنطقة جيداً

يحتلّ APKWS صدارة المشهد وتتصدر أخباره نشرات التسليح، غير أن صاروخ CİRİT التركي اختار مساراً مختلفاً تماماً: أن يتكلّم بالنتائج لا بالإعلانات. طوَّرته شركة Roketsan بنظام توجيه ليزري مستقل كلياً عن سلاسل التوريد الغربية، وحين جاء تكاملُه مع منظومة Bayraktar TB2 لم يكن ذلك مجرد اختيار تقني، بل قراراً استراتيجياً أعاد رسم الخريطة التسليحية في منطقتنا. رأت دول المنطقة هذا الصاروخ يعمل بأمّ أعينها، لا في كتالوجات المعارض ولا على شاشات التجارب المُصوَّرة، بل تحت نار حقيقية وضغط حقيقي. وتلك التجربة الميدانية المتراكمة هي بالضبط ما يجعل CİRİT يُقدِّم لزبائنه عرضاً لا يستطيع منافسوه تقليده: أنت لا تشتري صاروخاً، بل تشتري يقيناً.

Roketsan - CİRİT Laser-Guided Missile

DAGR: حين تُفكر لوكهيد مارتن بطريقة مختلفة

رفضت لوكهيد مارتن اللعب بالقواعد ذاتها، فابتكرت DAGR (Direct Attack Guided Rocket) بمنطق مغاير تماماً: بدلاً من استبدال منصات إطلاق Hydra-70، صمَّمته ليكون متوافقاً مع منصات Hellfire II ومشغِّل M299 مباشرةً. والنتيجة الحسابية مذهلة: المروحية التي كانت تحمل 8 صواريخ Hellfire تستطيع الآن حمل 32 صاروخ DAGR بالحمولة ذاتها، وهو ما يُعني 4 أضعاف القدرة على الاشتباك قبل العودة للتسليح. هذا المنطق الذي يُغري بالاقتناء لم يتحول بعد إلى إنتاج واسع النطاق، لكنه يُشير إلى الاتجاه الذي تسير نحوه صناعة الذخائر.

LOGIR: حين يرى الصاروخ بعينيه

يذهب نظام LOGIR المطوَّر بتعاون أمريكي-كوري جنوبي إلى ما هو أبعد من التوجيه الليزري؛ إذ يمنح الصاروخ “عيونَ حرارية” تصويرية تُتيح له تتبُّع الهدف ذاتياً دون إضاءة ليزرية مستمرة. يبدو هذا تفصيلاً تقنياً، لكن تداعياته التكتيكية جوهرية: المنصة المُطلِقة لا تحتاج إلى الإبقاء على هدف الليزر وهي في موضع الضعف، والصاروخ يكمل مهمته وحده. يجعله ذلك خياراً مثالياً لمواجهة أسراب الزوارق السريعة أو موجات المسيّرات المتزامنة حيث تتعدد الأهداف وتتسارع الأحداث فوق طاقة المشغِّل البشري.

CRV7 الكندي: هدوء من يعرف قيمته

يسبح CRV7-PG الكندي بهدوء في هذا البحر التنافسي المتلاطم، لا لأنه يفتقر إلى ما يقوله، بل لأن زبائنه لا يُحبّون الضجيج. تصميمه المعياري المتوافق مع مجموعة صواريخ Hydra-70 يفتح له أبواب منصات لا يستطيع منافسوه ولوجها بسهولة، ونظام توجيهه الليزري المستقل يُحرّره من معادلات الاشتراط الغربي والتبعية لسلاسل التوريد الأمريكية أو التركية. يبدو حضوره في أسواق التصدير أكثر تحفظاً، لكن من يختاره لا يبحث عن الشهرة، بل يبحث عمّا هو أثمن: قرار تسليح لا يستأذن أحداً.

CRV7 M247 - War Thunder Wiki

والمنطقة العربية؟

لا تحتاج منطقتنا إلى نظريات مجردة لتفهم قيمة هذه المنظومات؛ فالمشهد يتحدث عن نفسه. كلّفت الحروب بالوكالة والتهديدات المسيّرة المنتشرة من اليمن إلى ليبيا والعراق وسوريا دولَ المنطقة مليارات الدولارات في منظومات اعتراضية باهظة، كثيراً ما اضطُرَّت فيها إلى استخدام صاروخ يُكلِّف مئات آلاف الدولارات لإسقاط طائرة مسيّرة لا تتجاوز قيمتها بضعة آلاف. صواريخ الدقة من عيار 70 ملم ليست مجرد ترقية تسليحية، إنها إجابة اقتصادية-عسكرية لمعادلة باتت مُلحّة: كيف تُحافظ على تفوقك الجوي دون أن يُفلس سلاح جوّك؟

تمتلك دول المنطقة منصات مروحيات ومقاتلات متوافقة مع هذه الصواريخ أصلاً، والتكيُّف التشغيلي سيكون أسرع مما يبدو. أما الانتشار الواسع لمنظومة Bayraktar TB2 المسلحة بـ CİRİT في عدد من الدول العربية، فقد فتح نافذةً إدراكية واسعة لصانعي القرار الدفاعي على قيمة هذه الفئة من الأسلحة، سواء استمروا في التعاون التركي أو قرروا تنويع مصادرهم.

الصاروخ الصغير الذي يُغيِّر الحسابات الكبيرة

يقف عالم الذخائر الجوية اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. الصواريخ الموجَّهة الكبيرة ستبقى لأن هناك أهدافاً تستحقها، لكن صواريخ الـ 70 ملم الموجَّهة ستأخذ حصة متنامية من الإطلاقات الفعلية في كل نزاع مسلح. لن يُحسم هذا التنافس في المعارض الدفاعية بل في الميدان، وكل يوم تُطلَق فيه هذه الصواريخ على هدف حقيقي هو يومٌ يُضيف إلى رصيد مصنّعها بيانات لا تُشترى بالمال.