العميد م. ناجي ملاعب – باحث في الشؤون الأمنية و الاستراتيجية
أمور ثلاثة تبوأت المشهد التركي خلال هذا الشهر: نجاح استضافة انقرة لقمة الناتو، وإمكانية تعافي الوضع الجيوسياسي التركي كدولة متوسطة اذا ما ثبت حسم التوجه نحو الغرب، والامر الثالث الدروس المستفادة من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وقد نتطرق في القادم من الأيام الى دور الموقع الاستراتيجي لتركيا في خطوط الطاقة سيما بعد الغموض في مستقبل مضيق هرمز
مقدمة
تبرز تركيا اليوم كدولة متوسّطة على أعتاب النظام الدولي متعدد الأقطاب، تسعى فيه الدول إلى بسط نفوذها على محيطها الإقليمي وتوسيع مروحة تحالفاتها، في هذا السياق، سعت الدولة التركية إلى بناء علاقات وثيقة تتجاوز حلفاءها الغربيين التقليديين، بما في ذلك مع روسيا والصين، وتُجسّد سياسات تركيا الأخيرة في سوريا نقلة نوعية، رسّخت مكانتها كواحدة من القوى الخارجية الرئيسية ذات النفوذ الجيوسياسي.
عدم الاستقرار الإقليمي وتدهور العلاقات الأمنية مع الشركاء الغربيين دفع تركيا إلى تطوير تقنيات الدفاع والفضاء المحلية. وساهمت الاستثمارات الحكومية والخاصة واسعة النطاق في نمو صناعة الطائرات المسيرة في تركيا. وقد استُخدمت طائرة بيرقدار TB2 المسيرة في صراعات مختلفة، بما في ذلك في ليبيا، وناغورنو كاراباخ، وسوريا، وأوكرانيا، وتُصدّر الآن إلى أكثر من 30 دولة. وبحلول عام 2024، ارتفع إجمالي صادرات تركيا من الدفاع والفضاء إلى 7.2 مليار دولار، بزيادة تقارب 30% عن العام السابق. واعتبارًا من عام 2023، أصبحت ثلاث شركات دفاعية تركية من بين أكبر 100 شركة مصدرة للأسلحة في العالم.
عروض تركية متميزة تحت مظلة الناتو
في توصيف مظهر أنقرة المتميز اثناء استضافتها لقمة دول حلف الشمال الأطلسي، بداية هذا الشهر، كتبت يسرا عادل على موقع مجلة الخليج: في أنقرة، تحدثت الجمهورية بلسان السلطنة، ووقفت تحت مظلة الناتو، وهي تحمل بين يديها صناعةً دفاعية تركية، وكأنها تقول إن الدول الصاعدة لا تختار بين تاريخها ومستقبلها، بل تعرف كيف تجعل أحدهما يشرح الآخر.
ولم تتوقف الرسائل التركية عند الأرض التي سار عليها الضيوف، ولا عند الموسيقى التي استقبلتهم، بل امتدت إلى الهدية التي غادروا بها. ففي ختام القمة، حمل كل زعيم صندوقاً خشبياً فاخراً صُمم بعناية، وفي داخله نسخة حديثة ونادرة من مسدس تركي منقوش عليه اسم صاحبه، مرفقة بعدة تنظيف وخمسمئة طلقة ذخيرة. لم تكن الهدية قطعة بروتوكولية تُحفظ في خزائن التذكارات، بل كانت امتداداً للسردية التي بدأت منذ اللحظة الأولى لوصول الوفود. فالدول غالباً ما تهدي ضيوفها ما يختصر تاريخها، أما تركيا فاختارت أن تهديهم ما تختصر به مستقبلها. لم تكن تقدم مسدساً، بقدر ما كانت تعرض صناعة دفاعية أصبحت خلال سنوات قليلة إحدى أدوات نفوذها السياسي والاقتصادي، ورسالة تقول إن أنقرة لم تعد تطرق أبواب أسواق السلاح، بل باتت تسعى إلى أن تكون من صُنّاعها.

وتضيف الكاتبة: “في خطاب سياسي واحد، صاغته أنقرة بعناية لتقول إن القوة لا تُقاس بما يُكتب في البيانات الختامية، بل بالقدرة على تحويل التاريخ إلى هوية، والهوية إلى صناعة، والصناعة إلى نفوذ. لذلك، ربما لم تكن قمة الناتو في أنقرة مناسبة ليُظهر الحلف تماسكه بقدر ما كانت المنصة التي اختارتها تركيا لتعرض نسختها الجديدة أمام العالم. دولة تستند إلى ذاكرة إمبراطورية دون أن تتخلى عن مؤسسات الجمهورية، وتفاوض الغرب دون أن تغادر الشرق”.
تركيا ومعوقات صعود القوة المتوسطة
يتحدّث الكاتب، مصطفى كوتلاي، في مقالة ُنشرت في مجلة فورين أفيرز عن التطور الاقتصادي والسياسي التركي، وانشغال تركيا بأمنها الاقتصادي. ويحذّر من انعكاس النظام المتعدد الأقطاب على الدولة المتوسّطة التركية، فعلى الرغم من اتاحته فرصاً اقتصادية إلا أنه يحمل أيضاً مخاطر استراتيجية، في إطار عالم مضطرب استطاعت فيه تركيا كقوة متوسطة بسط نفوذها في إقليمها خاصة في سوريا، بعد سقوط نظام الأسد.
ويضيف الكاتب: “لقد عانت تركيا من عواقب المبالغة في سياسة خارجية مستقلة في أعقاب الانتفاضات العربية، عندما أثقلت كاهلها بالصراع مع كلٍّ من الدول المجاورة والشركاء العالميين. لقد فتحت خلافات دبلوماسية – أو فاقمت الخلافات القائمة – مع سوريا بعد أن قمع الأسد المتظاهرين بعنف عام 2011، ومع المملكة العربية السعودية بعد دعم أنقرة لحكومة محمد مرسي في مصر عام 2012، ومع مصر بعد تولي عبد الفتاح السيسي السلطة عام 2013، ومع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بشأن الهجرة والسياسة تجاه سوريا وقضايا أخرى على مدار العقد. ومع استمرار هذه الجمودات، انخفض الاستثمار الأجنبي في تركيا بشكل ملحوظ. كما اضطرت الحكومة إلى تخصيص موارد إضافية للأمن، مما حدّ من قدرتها المالية في مجالات أخرى، وأصبحت قرارات السياسة الخارجية أكثر إثارةً للجدل، مما غذى الاستقطاب السياسي. ولتخفيف هذه الضغوط، خصصت تركيا قدراً كبيراً من الطاقة الدبلوماسية للسيطرة على الأضرار على مدى السنوات القليلة الماضية”.
غالبًا ما يُنظر إلى الانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب على أنه نهضة للقوى المتوسطة، مما يمنح فرصًا لدول تتجاوز بضع قوى عظمى لتشكيل السياسة الإقليمية والعالمية. كانت الحجة أن الطريق أمام القوة المتوسطة للتنقل في السياسة الدولية اليوم هو تجنب فرض التزامات تقييدية أو اختيار أحد الجانبين. وكما قال الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا للصحافة الشهر الماضي: “لا أريد الاختيار … أريد أن تكون لدي علاقات مع الولايات المتحدة، أريد أن تكون لدي علاقات مع الصين. لا أريد أن يكون لدي تفضيل لأحدهما على الآخر”.

دروس عسكرية من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران
بعد انتهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لم تكتفِ تركيا بمتابعة الأخبار ولا بالتصريحات السياسية بل جلست تدرس الحرب بكل تفاصيلها. لكن اللافت أن من قام بذلك لم يكن وزارة الدفاع. بل أكاديمية الاستخبارات الوطنية التركية التي أُسست عام 2023، لتقديم رؤية إستراتيجية حول التحولات العسكرية والأمنية والجيوسياسية.
لقد أكدت الدراسة أن الحروب الحديثة تغيّرت بالكامل، وأن القوة العسكرية لم تعد تُقاس بعدد الطائرات أو الدبابات فقط، بل بسرعة معالجة المعلومات، والذكاء الاصطناعي، والحرب الإلكترونية، والقدرة على إنتاج السلاح أثناء الحروب الطويلة. وهنا يجب أن نتوقف قليلًا: لأن هذه ليست مجرد دراسة أكاديمية، بل وثيقة تحاول رسم شكل الجيش التركي في السنوات القادمة.
والأخطر من ذلك، أن تلك الحرب كشفت حدود التفوق الجوي. فرغم امتلاك الولايات المتحدة وإسرائيل أحدث المقاتلات، استمرت إيران في إطلاق الصواريخ والمسيرات، واستطاعت أن تفرض حرب استنزاف مكلفة على منظومات الدفاع الجوي باهظة الثمن. ولهذا، ترى الأكاديمية أن المستقبل لن يكون لمن يملك السلاح الأغلى، بل لمن يستطيع إنتاجه بكميات كبيرة، ويواصل القتال لفترة أطول، ويحافظ على صناعاته العسكرية تحت أي ظرف.
ولم يتوقف الأمر هنا، بل أوصت الدراسة العسكرية بتوسيع الصناعات الدفاعية المحلية وبناء منشآت إنتاج وتخزين تحت الأرض،
وتطوير الدفاعات الجوية متعددة الطبقات، والاستثمار بشكل أكبر في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والحرب الشبكية.
لكن خلف هذه الدراسة توجد رسالة أكبر بكثير، فتركيا لا تريد أن تكرر تجارب غيرها بل تريد أن تتعلم من كل حرب تقع حولها قبل أن تجد نفسها في مواجهة مشابهة. ولهذا، فإن كل صاروخ سقط في الحرب على إيران، وكل طائرة أُسقطت، وكل ثغرة ظهرت، تحولت بالنسبة لأنقرة إلى درس عسكري مجاني يُدرس اليوم ليتحول غدًا إلى مشروع أو سلاح أو عقيدة قتالية جديدة.
وتخاص الدراسة الى أن الدول الكبرى لا تراقب الحروب لأنها بعيدة عنها، بل لأنها تعتبر كل حرب مختبرًا مفتوحًا، ومن يفهم دروس المختبر اليوم قد يكون هو الأقوى في حروب الغد.






