وهم التفوق النوعي وحدوده في تقدير الموقف العسكري

عبد الله الجنيد – كاتب وباحث سياسي بحريني متخصص في الشؤون الجيوسياسية

من أخطر الأخطاء في التقدير العسكري والسياسي البناء على فكرة أن التفوق النوعي، بما يتضمنه من تفوق تقني واستخباري وجوي وناري، قادر بذاته على حسم الصراعات أو فرض الإرادة السياسية. فالتاريخ الحديث، ولا سيما في ساحات غزة وجنوب لبنان وإيران، يثبت أن امتلاك أدوات القوة المتقدمة لا يساوي بالضرورة القدرة على تحقيق الأهداف الاستراتيجية، وأن الفجوة بين النجاح التكتيكي والنتيجة السياسية قد تكون واسعة وحاسمة.

في غزة، لا تنحصر معادلة الصراع مع حركة حماس في ميزان السلاح التقليدي أو في قدرة طرف على استهداف البنية العسكرية للطرف الآخر. فغزة تمثل بيئة قتال معقدة، ذات كثافة سكانية عالية، وتضاريس عمرانية متشابكة، وواقع اجتماعي وسياسي يجعل من استنزاف التنظيم أو إنهائه مهمة تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. قد يحقق التفوق النوعي قدرة كبيرة على الرصد والضرب والمناورة، لكنه لا يجيب تلقائياً عن سؤال: ماذا بعد؟ إذ إن السيطرة الميدانية المؤقتة لا تعني بالضرورة إنتاج واقع سياسي مستقر، كما أن إضعاف بنية تنظيمية لا يمنع إعادة تشكلها إذا بقيت الأسباب السياسية والاجتماعية التي تغذيها.

وفي جنوب لبنان، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً مع حزب الله، بسبب امتلاكه خبرة تراكمية في القتال غير المتكافئ، وحضوره ضمن بيئة محلية وإقليمية أوسع. هنا، لا تكون القضية في حجم القوة النارية أو سرعة الاستجابة فحسب، بل في قدرة أي طرف على تحمّل كلفة التصعيد الطويل وتداعياته على الجبهة الداخلية والاقتصاد والعلاقات الدولية. إن التفوق النوعي قد يمنح قدرة ردع مهمة، لكنه يصبح أقل فاعلية حين يواجه خصماً لا يقيس نجاحه بالسيطرة على الأرض فقط، بل بقدرته على البقاء، وامتصاص الضربات، وإبقاء الصراع مفتوحاً ضمن حدود محسوبة.

أما إيران، فتضيف بُعداً مختلفاً إلى هذا التقدير، يتمثل في مفهوم التخندق العميق. فالقوة الإيرانية لا تُختزل في منشآت أو قدرات ظاهرة يمكن التعامل معها بمنطق الضربة المحدودة، بل تتصل بامتداد جغرافي، وبنية دولة، وشبكات نفوذ، وقدرة على توزيع المخاطر والردود. لذلك فإن التعامل مع إيران بمنطق الحسم السريع ينطوي على مخاطرة كبيرة؛ لأن أي تقدير لا يحسب احتمالات التوسع الإقليمي، وتعدد ساحات الرد، والآثار الاقتصادية والسياسية العالمية، يبقى تقديراً ناقصاً مهما بدا واثقاً في أدواته التقنية.

إن الدرس المركزي هو أن القوة النوعية عنصر مهم، لكنها ليست بديلاً عن الاستراتيجية. فالاستراتيجية الرشيدة تبدأ بتحديد هدف سياسي واقعي، ثم تقيس مدى قابلية الوسائل العسكرية لتحقيقه، وتضع في الحسبان رد فعل الخصم، وكلفة الزمن، وقدرة المجتمع على الاحتمال، وموقف الحلفاء والبيئة الدولية.

إن أسوأ تقدير للموقف هو افتراض أن التفوق العسكري يلغي تعقيد الخصم أو يختصر إرادته. في غزة وجنوب لبنان وإيران، تتجلى حقيقة ثابتة: قد تمنح التكنولوجيا أفضلية في الميدان، لكنها لا تمنح وحدها نصراً سياسياً دائماً.