نفّذت تركيا لأول مرة في تاريخها تجربة إطلاق صاروخ باليستي بمهمة مضادة للسفن، في خطوة تضعها إلى جانب عدد محدود من الدول التي تملك هذه القدرة. فقد أعلن عن نجاح صاروخ “تايفون بلوك 3″، المزوّد برأس باحث للتوجيه النهائي، في إصابة هدف بحري متحرك بحجم قارب صيد، خلال تجربة أُجريت في منطقة سينوب شمال البلاد، مستخدماً رأساً حربياً حياً. وذكرت المصادر أن الصاروخ بلغ سرعات فرط صوتية خلال التجربة، وهو ما يُثبت قدرته على العمل كصاروخ باليستي مضاد للسفن.
لم تُكشف تفصيلات رسمية عن السرعة الفعلية أو نوع الباحث المستخدم في التوجيه النهائي، لكن هذا الأمر لا يستدعي تخميناً بعيداً، فالصواريخ الباليستية المضادة للسفن تعتمد في غالبيتها على باحثات رادارية نشطة أو باحثات بصرية لهذه المهمة. ومن خلال المراقبة الدقيقة لمقدمة الصاروخ، يظهر أنها تحتوي على درع حراري قابل للفصل، وهو ما يرجّح استخدام باحث بصري، إذ تكون الأنظمة البصرية أكثر حساسية للتأثيرات الحرارية الهوائية الناتجة عن السرعات العالية، في حين لا تحتاج الباحثات الرادارية عادة إلى دروع إضافية ما دام الرادوم قادراً على تحمّل هذا التأثير.

وإلى جانب نوع الباحث، من المرجّح أن يحمل “تايفون بلوك 3” نظام ربط بيانات لتحديث موقع الهدف خلال مرحلتي الدفع والمسار الأوسط، باعتبار أن الباحث لا يعمل إلا في المرحلة النهائية من الرحلة. ولتحقيق تتبّع مستمر للسفن المتحركة، سيكون لمنظومات استشعار متعددة دور محوري، من بينها الطائرات المسيّرة المزوّدة بأجهزة تصوير كهروبصري متقدمة كمنظومة “أسيلفلير 600″، إلى جانب رادارات المراقبة الساحلية، ورادار “YDYFR” العامل بنطاق التردد العالي والمخصص للاستكشاف بعيد المدى وما وراء الأفق، الذي طورته “تُبيتاك”.
ويُتوقّع أن يمثّل “تايفون بلوك 3” رأس الحربة في منظومة الدفاع الساحلي التركية الجديدة، إلى جانب صاروخ “أتماجا” المضاد للسفن العامل من قواعد برية، وصاروخ “تشاكير” الانسيابي المدمج القادم أيضاً من منصات برية، على أن تعمل جميعها في إطار منظومة “باربروس” المتكاملة. وتُعدّ الصين وباكستان وإيران من أبرز الدول المشغّلة للصواريخ الباليستية المضادة للسفن حالياً، وهي منظومات توفر زمن وصول أقصر للهدف وقدرة تدميرية أعلى بفضل الانحدار شبه العمودي والسرعات القصوى. كما تعتزم الولايات المتحدة دخول هذا المجال عبر برنامج “PrSM Increment 2″، الذي يدمج باحثاً متعدد الأنماط على صاروخ “PrSM” قصير المدى العامل من منظومة “هيمارس”.
وتكمن الصعوبة الحقيقية في تشغيل الصواريخ الباليستية المضادة للسفن بكفاءة في حلقة الاشتباك نفسها، أكثر منها في مرحلة التطوير، إذ يتطلب الأمر تتبّع هدف متحرك على مسافة مئات الكيلومترات حتى تتمكن منظومة التوجيه النهائي من التقاطه، وهو ما يفرض شبكة استشعار موثوقة من حيث أداء الاتصالات والتكرار الاحتياطي، لضمان إحالة معلومات الهدف إلى منصات الإطلاق في الوقت المناسب.
وتضم عائلة “تايفون” إلى جانب “بلوك 3” نسخاً أخرى، منها “بلوك 1″ الأساسي الأقصر مدى وجسماً، و”بلوك 2” الذي يُفهم أنه نسخة موسّعة المدى من “بلوك 1″، فضلاً عن “بلوك 4” ذو الحجم الأكبر الذي يحمل أطول مدى وأثقل رأس حربي، وذلك على حساب حمل منصة إطلاق واحدة فقط بدلاً من عدة صواريخ. وإذا كان صاروخ “يلدريم” أول صاروخ باليستي تكتيكي محلي الصنع في تركيا، وجاء صاروخ “بورا” لاحقاً بتوجيه محسّن، فإن عائلة “تايفون” تفتح آفاقاً جديدة من المرونة التصميمية، عبر أحجام وحمولات توجيه مختلفة، إلى جانب تقنية دفع أكثر كفاءة.






