كشفت القيادة الشمالية الأمريكية (NORTHCOM) في 12 أغسطس/ آب 2026، أن طائرة نقل من طراز Globemaster III تابعة للقوات الجوية الملكية الكندية نقلت جوًا منظومة صواريخ المدفعية عالية الحركة “هيمارس” M142 التابعة للجيش الأمريكي، إلى جانب جنود ومعدات مساندة، إلى ولاية ألاسكا وإخراجها منها، وذلك في إطار عملية “توندرا مرلين” (Operation TUNDRA MERLIN). وتُظهر هذه المهمة قدرة النقل الجوي الاستراتيجي الأمريكي-الكندي على تحريك منظومات نيران دقيقة بعيدة المدى بسرعة عبر منطقة القطب الشمالي، حيث تُعقّد المسافات الشاسعة والبنية التحتية المحدودة مهمة الدفاع عن المقتربات الشمالية لأمريكا الشمالية.
ونقلت الطائرة الكندية منظومة “هيمارس” من ولاية واشنطن إلى مدينة نوم في ألاسكا، ثم أعادت لاحقًا المنظومة والجنود المشاركين إلى قواعدهم، في إثبات عملي على القدرة على نشر واسترجاع قوة نيران متحركة من موقع نائي في القطب الشمالي. وإلى جانب استخدام العملية لطائرات مقاتلة ورادارات وقوات برية، تُبرز هذه المهمة كيف يمكن للتنقل الجوي المشترك بين الحلفاء أن يوسّع مدى ومرونة شبكة دفاع قارية موزعة.
ونقلت طائرة CC-177 “غلوبماستر III”، في 31 يوليو/ تموز الماضي، منظومة “هيمارس” M142 من القاعدة المشتركة لويس-مكورد في واشنطن إلى مدينة نوم في ألاسكا، دعمًا لانتشار لواء المدفعية الميداني السابع عشر التابع للفيلق الأول. وفي الطريق، حطت الطائرة الكندية في قاعدة فورت وينرايت لتحميل جنود من الكتيبة الأولى، الفوج الخامس للمشاة، ضمن فرقة القتال المتنقلة الأولى (الهجوم الجوي) التابعة للفرقة المحمولة جوًا الحادية عشرة. وبعد إتمام العملية، عادت القوات الجوية الملكية الكندية إلى نوم في 10 و11 أغسطس/ آب لإعادة نشر منظومة “هيمارس” والجنود الأمريكيين المشاركين إلى قواعدهم الأصلية. ووصفت القيادة الشمالية الأمريكية المهمة بأنها إثبات لقدرة الدولتين على إسقاط القوة القتالية بسرعة، والحفاظ عليها، وإعادة نشرها عبر لوجستيات متكاملة ونقل جوي استراتيجي في بيئات قطبية شمالية وعرة. وتكمن الأهمية العملياتية الأعمق فيما تم نقله فعليًا، إذ لا يتعلق الأمر بشحنة عسكرية ضخمة عادية، بل بمنظومة نيران دقيقة متحركة تابعة للجيش الأمريكي قادرة على إعادة الانتشار بسرعة عبر مسافات هائلة. وفي مسرح عمليات قطبي تنعدم فيه البنية التحتية الدائمة وتفرض فيه الجغرافيا قيودًا شديدة على حشد القوات، فإن القدرة على نقل منظومة إطلاق جوًا إلى منطقة عمليات أمامية ودمجها مع قوات مشتركة ثم استعادتها تمنح القادة وسيلة لتحويل التنقل الجوي الاستراتيجي مباشرة إلى قوة قتالية.
ويندرج نشر منظومة “هيمارس” أيضًا ضمن منظومة الدفاع الأوسع عن القطب الشمالي التي ظهرت خلال عملية “توندرا مرلين”. وبحسب ما ذكرته مجلة “دفاع العرب” سابقًا في تحليلها بعنوان “القيادة الشمالية الأمريكية تكشف عن دليلها الدفاعي في القطب الشمالي في مواجهة التهديدات المتقدمة”، فإن العملية دمجت مقاتلات F-35 لايتننغ II ومقاتلات F-16 فايتنغ فالكون وطائرات التزود بالوقود KC-135 إلى جانب منظومة “هيمارس” M142 ورادار AN/TPQ-53 وجنودًا أمريكيين مدرَّبين على القتال في القطب الشمالي، تحت إشراف القيادة الشمالية الأمريكية والقيادة الألاسكية. وأفادت التقارير بأن مقاتلات F-35 ومنظومة “هيمارس” جرى تزامن عملهما ضد هدف افتراضي على بعد نحو 135 ميلًا، في حين نفذت مقاتلات F-16 تدريبات دفاع جوي ضد مقاتلات F-35 التي مثّلت تهديدات قادمة. ولم تكن الأهمية في أداء منظومة سلاح واحدة، بل في تكامل القوة الجوية والاستشعار وقوات المناورة والنيران الدقيقة بعيدة المدى ضمن مهمة موحدة للدفاع عن الوطن. ولم تكشف القيادة الشمالية الأمريكية علنًا عن هوية المستشعر الذي أنتج حل الاستهداف لمنظومة “هيمارس”، أو الشبكة التي انتقلت عبرها معلومات الاستهداف، أو ما إذا كانت بيانات الاستهداف انتقلت مباشرة من مقاتلة F-35 إلى منظومة الإطلاق، ما يعني أن عملية “توندرا مرلين” لا ينبغي وصفها بأنها دليل على سلسلة استهداف مباشرة تربط بين المستشعر والمنظومة من F-35 إلى “هيمارس”. لكن ما أثبتته العملية فعليًا، وهو الأكثر أهمية بالنسبة للدفاع القاري، هو القدرة على مزامنة تأثيرات القوات المشتركة الأمريكية المتكاملة، ثم استخدام لوجستيات الحلفاء لنقل عناصر أساسية من هذه المنظومة إلى أي مكان تدعو الحاجة إليه.
وتتضح الأهمية الأكبر لمساهمة طائرة “غلوبماستر” الكندية عند تفحص تسلسل عملية النقل الجوي بأكملها. إذ أظهرت صور نشرتها القيادة الشمالية الأمريكية تحميل منظومة “هيمارس” على متن الطائرة الكندية في نوم بتاريخ 11 أغسطس/ آب، إلى جانب قيام أفراد أمريكيين وطيارين من القوات الجوية الملكية الكندية بتحميل رادار AN/TPQ-53 على متن طائرة C-17 كندية في 10 أغسطس/ آب. وكان هذا الرادار قد نُشر من قاعدة فورت وينرايت لأغراض عملية “توندرا مرلين”. ولم تكشف القيادة الشمالية الأمريكية عن الدور الدقيق لرادار Q-53 في بنية الاستهداف الخاصة بالعملية، لذا لا يمكن الجزم بأنه هو من ولّد بيانات الاستهداف لعملية اشتباك “هيمارس”. ومع ذلك، فإن نقل منظومة نيران دقيقة متحركة إلى جانب رادار قابل للنشر يعكس مفهومًا عملياتيًا أوسع، مفاده أن النقل الجوي الاستراتيجي يمكنه إعادة توزيع عناصر من منظومة استشعار ونيران موزعة، وليس مجرد نقل منصات فردية. وبإضافة جنود الفرقة المحمولة جوًا الحادية عشرة الذين نُقلوا عبر فورت وينرايت، تكون الطائرة الكندية قد دعمت فعليًا تنقل عناصر النيران والاستشعار والقوات البرية ضمن العملية القطبية ذاتها. وتزداد أهمية ذلك في محيط نوم ومقتربات ألاسكا الغربية، حيث تجعل المسافات الشاسعة وضعف البنية التحتية وقرب بحر بيرينغ من سرعة التعزيز عنصرًا محوريًا في الدفاع عن الوطن.
وبالنسبة لكندا، تكتسب هذه المهمة أهمية إضافية لأن أوتاوا بصدد اقتناء منظومة “هيمارس” M142 ذاتها التي نقلتها طائرتها CC-177 لصالح الجيش الأمريكي. وقد أبرمت كندا والولايات المتحدة في يناير/ كانون الثاني 2026 اتفاقية مبيعات عسكرية أجنبية بين الحكومتين لشراء 26 منظومة إطلاق “هيمارس”، إلى جانب مخزون تشغيلي أولي من الذخائر وقطع الغيار والتدريب وخدمات الدعم، على أن يبدأ التسليم اعتبارًا من عام 2029. ويُقدَّر مشروع الضربات الدقيقة بعيدة المدى (البرية) الكندي بنحو 2.6 مليار دولار كندي، وتقول أوتاوا إن الذخائر المستقبلية ستتيح ضربات دقيقة على مسافات تتجاوز 300 كيلومتر، مع دعم العمليات في جميع أنحاء كندا بما فيها القطب الشمالي. كما تهدف المنظومة إلى استيعاب قدرات مضادة للسفن بريّة المنشأ مستقبلًا للدفاع عن السواحل الكندية. واللافت أن قائد الجيش الكندي الفريق مايكل رايت أشار إلى أن إمكانية النقل الجوي هي أحد أسباب ملاءمة “هيمارس” لجغرافيا كندا، مؤكدًا أن “منظومة الإطلاق يمكن نقلها على متن طائرات C-17 الاستراتيجية أو طائرات C-130J هرقل التابعة للقوات الجوية الملكية الكندية، ونشرها في مختلف أنحاء كندا كجزء من قدرة مشتركة لمنع الوصول وحرمان استخدام المناطق”.
ولا تبدأ كندا هذه العملية التعليمية من الصفر، ففي فبراير/ شباط 2025، تدرب جنود من مشاة البحرية الأمريكية التابعين للكتيبة الأولى، الفوج الحادي عشر، مع أفراد من السرب 429 للنقل الجوي الكندي، على إجراءات الإنزال السريع لمنظومة “هيمارس” M142 باستخدام طائرة C-17 غلوبماستر III كندية. وتُظهر الأحداث المتسلسلة زمنيًا نمطًا لافتًا، إذ تدرب الطيارون الكنديون مع القوات الأمريكية على إجراءات الإنزال السريع لـ”هيمارس” عام 2025، ثم أتمت كندا في يناير/ كانون الثاني 2026 صفقة اقتناء 26 منظومة إطلاق، تلتها مشاركة القوات الكندية في تدريبات لوجستية قطبية واسعة خلال عملية “نانووك-نونالفوت” (NANOOK-NUNALIVUT) تحضيرًا لقدرات مستقبلية مثل “هيمارس”، وصولًا إلى نقل القوات الجوية الملكية الكندية فعليًا لمنظومة “هيمارس” أمريكية خلال عملية دفاعية للقيادة الشمالية الأمريكية في القطب الشمالي. وفي حين لا تشكل هذه الأحداث مجتمعة عقيدة كندية معلنة رسميًا لاستخدام “هيمارس” في القطب الشمالي الأعلى، فإنها تُظهر أن كثيرًا من إجراءات النقل الجوي واللوجستيات والتشغيل البيني اللازمة لدعم هذا المفهوم يجري تمرينها فعليًا.
وتحتل طائرة CC-177 موقعًا محوريًا في هذا النموذج الناشئ، إذ لا تمتلك كندا سوى خمس طائرات نقل استراتيجي من طراز غلوبماستر III، تتمركز في الجناح الثامن بقاعدة ترينتون، ما يمنح كل طائرة قيمة استراتيجية كبيرة. وتستطيع CC-177 حمل معدات قتالية ضخمة عبر مسافات قارية، بحمولة قصوى تبلغ نحو 72,727 كيلوغرامًا، والعمل من مدارج نائية. ويعكس تخصيص إحدى هذه الأصول الاستراتيجية النادرة لنقل قدرة قتالية أمريكية في ألاسكا مستوى أعمق من التكامل العسكري الثنائي يتجاوز مجرد المشاركة في تدريب تقليدي، إذ يتطلب التنفيذ الناجح تخطيطًا متوافقًا للحمولة، وشهادات تشغيل للطائرات، ومناولة أرضية، وإجراءات للأفراد، وجدولة، وتنسيقًا قياديًا. وفي سيناريو حقيقي، تترجم هذه العلاقات التقنية إلى سرعة عملياتية. وتشير عملية “توندرا مرلين” استراتيجيًا إلى نموذج ردع موزع في القطب الشمالي، لا تحتاج فيه الولايات المتحدة وكندا إلى حشد كل مستشعر أو منظومة إطلاق أو وحدة برية بشكل دائم في كل موقع شمالي، بل يمكن للقوات أن تبقى موزعة في قواعد ثابتة ويعاد حشدها جوًا بسرعة عند الحاجة، ما يجعل من النقل الجوي الاستراتيجي بحد ذاته جزءًا من معادلة الردع.
وترسل عملية “توندرا مرلين” رسالة قوية حول اتجاه الدفاع عن القطب الشمالي في أمريكا الشمالية، إذ تُظهر الولايات المتحدة وكندا بشكل متزايد أن قدراتهما الوطنية يمكن أن تعمل كعناصر متكاملة ضمن بنية دفاع قاري أوسع. فقد وفّر الجيش الأمريكي قوة نيران دقيقة بعيدة المدى ومتحركة، بينما وفّرت القوات الجوية الملكية الكندية التنقل الاستراتيجي اللازم لوضع هذه القدرة القتالية في عمق مسرح عمليات ألاسكا وإعادتها بعد ذلك، فيما أضافت الرادارات المساندة والجنود المدرَّبون على القتال القطبي طبقات إضافية لهذه القوة المشتركة. ويمنح قرار كندا باقتناء 26 منظومة “هيمارس” هذه العملية بُعدًا استشرافيًا إضافيًا، إذ يمكن لقدرة النقل الجوي الاستراتيجي الكندية ذاتها التي نقلت منظومة إطلاق أمريكية عبر ألاسكا عام 2026 أن تنقل مستقبلًا منظومات “هيمارس” كندية عبر الأراضي الشمالية الشاسعة لكندا نفسها.
وبالنسبة لواشنطن وأوتاوا، يزداد وضوح الميزة الاستراتيجية المتمثلة في أن جغرافيا القطب الشمالي تصبح أقل هشاشة عندما تتمكن القوات الأمريكية والكندية من الجمع سريعًا بين التنقل والاستشعار والقوة الجوية والنيران الدقيقة عبر الحدود الوطنية. ولم تُثبت عملية “توندرا مرلين” مجرد قدرة طائرة غلوبماستر كندية على حمل منظومة “هيمارس” أمريكية، بل أظهرت كيف يمكن للحلفاء الموثوقين تحويل النقل الجوي الاستراتيجي إلى مدى قتالي فعّال، وكيف تبني الولايات المتحدة وكندا الأسس العملية لتعزيز المقتربات الشمالية لأمريكا الشمالية معًا حين وأينما دعت الحاجة.






