في عقد جديد يعكس استمرار اعتماد الجيش الأمريكي على أحد أقدم صواريخه المضادة للدروع، منحت القوات البرية الأمريكية شركة رايثيون (Raytheon)، الذراع الصناعية لصناعة الصواريخ التابعة لمجموعة RTX، تعديلا على عقد قائم بقيمة 536 مليون دولار، يغطي الإنتاج بالمعدل الكامل وخدمات هندسية لمنظومة سلاح “تاو” (TOW). ووفق إعلان تعاقدي صادر عن وزارة الحرب الأمريكية، يرفع هذا التعديل القيمة التراكمية الإجمالية للعقد الأساسي إلى 750,818,274 دولارا، على أن يُنفَّذ العمل في منشأة رايثيون بتوسان، وبتاريخ إنجاز مقدر بـ31 أغسطس/ آب 2027.
اسم “تاو” اختصار لعبارة Tube-launched, Optically Tracked, Wire-guided، أي الصاروخ المُطلق من أنبوب والمُتتبَّع بصريا والموجَّه سلكيا، وهي تسمية تصف بدقة الآلية التي عمل بها الصاروخ عند تطويره في شركة هيوز إيركرافت (Hughes Aircraft Company) خلال ستينيات القرن الماضي، بحيث يُطلق العملية الصاروخ من أنبوب الإطلاق مع إبقاء تثبيت بصره على الهدف، بينما يحمل سلك رفيع متصل بمؤخرة الصاروخ أوامر التوجيه من منصة الإطلاق حتى لحظة الارتطام. دخل السلاح الخدمة في الجيش الأمريكي عام 1970، ما يجعل عمره يتجاوز 55 عاما حتى الآن، وقد أشار الجيش الأمريكي إلى توقعه بقاء “تاو” ضمن الترسانة الأمريكية إلى ما بعد عام 2050، بعمر خدمة قد يمتد في نهاية المطاف إلى ما يتجاوز 80 عامًا لمنظومة سلاح واحدة، وهو أمر نادر الحدوث في العتاد العسكري الذي عادة ما يُستبدل كل بضعة عقود.

واصلت رايثيون تحديث تقنيات التوجيه والدفع والرأس الحربي للصاروخ منذ إدخاله للخدمة، وكان أبرز هذه التحديثات في عام 2010، حين استبدلت الشركة سلك التوجيه المتخلف عن الصاروخ بوصلة بيانات لاسلكية تعمل بترددات الراديو والموجات الدقيقة (Microwave)، بما يتيح للعملية توجيه الصاروخ نحو هدفه بالطريقة ذاتها، أي عبر تثبيت خط التسديد على نقطة الهدف المقصودة، لكن من دون الحاجة إلى الاتصال السلكي الفعلي الذي تطلبته إصدارات “تاو” الأقدم. وتشمل نسخ الإنتاج الحالية طرازي “تاو 2 إيه” (TOW 2A) و”تاو 2 بي” (TOW 2B)، إلى جانب نسخة ذات مدى ممتد تحمل اسم “تاو 2 بي إيرو” (TOW 2B Aero)، وطراز “بانكر باستر” (Bunker Buster) المصمم خصيصا لتدمير المواقع المحصنة بدلاً من المركبات المدرعة، بما يمنح وحدات الجيش مرونة في اختيار تشكيلة الرأس الحربي المناسبة تبعًا لطبيعة الهدف، سواء كان دبابة أو ملجأ محصنًا أو موقعًا دفاعيًّا محصّنًا.
يُستخدم صاروخ “تاو” حاليا لدى أكثر من 40 قوة مسلحة حول العالم، وهو مدمج على أكثر من 15,000 مركبة برية ومدرعة ومنصة جوية، تتراوح بين قاذفات ثلاثية القوائم محمولة على مركبات همفي (Humvee)، ونظام اكتساب الهدف المطور (Improved Target Acquisition System) المستخدم على مركبات مضادة للدروع مخصصة، ومركبات سترايكر (Stryker) المعدّلة، ومركبات برادلي القتالية (Bradley) المزودة بنظام اكتساب هدف محسّن (Improved Bradley Acquisition Subsystem)، إضافة إلى مروحيات هجومية مثل طراز “إيه إتش-1 دبليو كوبرا” (AH-1W Cobra) التابع لسلاح مشاة البحرية الأمريكية. وسلّمت رايثيون أكثر من 700,000 منظومة “تاو” للولايات المتحدة وحلفائها على مدار تاريخ إنتاج الصاروخ، إذ يمثل طراز “تاو 2 إيه” وحده أكثر من 118,000 وحدة مسلَّمة منذ دخوله الإنتاج عام 1987، فيما أضاف طراز “تاو 2 بي” نحو 40,000 وحدة إضافية منذ عام 1991.

أدرجت الولايات المتحدة صواريخ “تاو-2” (TOW-2) ضمن حزمة مساعدات عسكرية إلى أوكرانيا في يناير/ كانون الثاني 2022، ما أدخل السلاح إلى ساحة القتال الفعلي ضد المدرعات الروسية في غضون أسابيع من بدء الغزو الروسي الشامل، فيما طلبت تايوان بشكل منفصل 1,240 منظومة من طراز “تاو-2” من الولايات المتحدة في عام 2019 ضمن جهودها لتعزيز دفاعاتها البرية في مواجهة احتمال غزو صيني. ووفق ما تؤكده رايثيون، أظهرت اختبارات أُجريت ضمن برنامج انطلق عام 2011 قدرة الصاروخ على إصابة أهداف على مسافات تصل إلى 2.5 ميل (4 كيلومترات) بدقة وصفتها الشركة بـ”الكاملة”، كما سجّلت الشركة ما وصفته بإصابتها المتتالية رقم 100 لهدف اختباري خلال عام 2012، في سجل مثالي بلغ 100 من أصل 100 محاولة ضد أهداف اختبارية، وهو ما تعتبره الشركة دليلاً على نضج منظومة توجيه الصاروخ وموثوقيتها بعد عقود من تصميمه الأصلي.
يأتي تعديل العقد الأخير هذا في وقت واصلت فيه رايثيون رفع طاقتها الإنتاجية من صواريخ “تاو” لتلبية الطلب المتنامي من الجيش الأمريكي والعملاء الدوليين على حد سواء. وذكرت الشركة أن خط إنتاجها قادر على تصنيع ما يصل إلى 10,000 صاروخ “تاو” سنويًّا، وهي طاقة إنتاجية تراكمت عبر عقود إنتاج متتالية لسنوات مالية سابقة، شملت عقدًا بقيمة 430 مليون دولار للسنة المالية 2023، وعقدًا منفصلاً بقيمة 246 مليون دولار للسنة المالية 2024، وهي مستويات تمويل يتجاوزها هذا التعديل الجديد البالغ 536 مليون دولار بشكل كبير، ما يشير إلى احتمال زيادة كمية الطلبية، أو توسيع نطاق الأعمال الهندسية المرتبطة بالعقد، أو كليهما معا. وجرى الالتزام بمبلغ 54,860,567 دولارًا من اعتمادات مشتريات الجيش الأمريكي للسنة المالية 2026 عند توقيع هذا العقد تحديدًا، وهو جزء يسير من القيمة الإجمالية للتعديل، ويعكس النمط المعتاد الذي يعتمده الجيش في تمويل عقود الإنتاج الكبرى متعددة السنوات بشكل تدريجي مع مرور السنوات المالية بدلاً من الالتزام بكامل المبلغ دفعة واحدة.
تتولى قيادة التعاقد التابعة للجيش الأمريكي في مجمع ريدستون آرسنال (Redstone Arsenal) بولاية ألاباما، وهي الجهة المسؤولة عن إدارة عقود الصواريخ والأسلحة الدقيقة، الإشراف على هذه الصفقة. وأشارت رايثيون من جهتها إلى رغبتها في إبقاء “تاو” متوافقًا مع الجيل المقبل من المركبات القتالية للجيش الأمريكي، بما في ذلك برنامج المركبة القتالية القابلة للتشغيل بلا طاقم بشكل اختياري (Optionally Manned Fighting Vehicle) الذي يطوره الجيش لتحل تدريجيًّا محل أسطول برادلي المتقادم.




