الأجنحة الروبوتية لمقاتلات “إف-35″ و”إف-22” تصل رسميًا.. “فيوري” و”فينجينس” في قلب صحراء نيفادا

تسلّم سلاح الجو الأمريكي أولى طائراته القتالية المسيّرة المرافقة ، وهما طائرة FQ-44 Fury من إنتاج شركة أندوريل، وطائرة FQ-42 Vengeance من إنتاج جنرال أتوميكس. وقد سُلّمت الطائرتان إلى وحدة العمليات التجريبية في قاعدة كريتش الجوية بولاية نيفادا.

وتحمل الطائرتان في نسختيهما التجريبيتين التسميتين YFQ-44A وYFQ-42A، وستُستخدمان لاختبار قدرة الطائرات النفاثة غير المأهولة وشبه المستقلة على التحليق إلى جانب المقاتلات المأهولة، وإضافة كتلة قتالية أقل كلفة في المجالات الجوية المتنازع عليها. ويقوم البرنامج على نشر أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة المعيارية والاقتصادية ذات القيمة العملياتية، لتعزيز ما يسميه سلاح الجو “الكتلة بكلفة معقولة” في البيئات المتنازع عليها.

وجاء في بيان لسلاح الجو الأمريكي صدر في 24 سبتمبر/أيلول 2026 أن أندوريل سلّمت أولى طائراتها إلى وحدة العمليات التجريبية الشهر الماضي، وأن جنرال أتوميكس سلّمت طائرتها الأسبوع الماضي. وأضاف البيان أن الطائرتين ستدعمان التجارب العملياتية بقيادة “قيادة القتال الجوي”، بهدف تحسين أساليب توظيفهما إلى جانب الطائرات المأهولة.

وأكد وزير سلاح الجو تروي مينك Troy Meink أن وضع هذه الطائرات بين أيدي الطيارين هو السبيل لبناء المستقبل العملياتي للبرنامج، مشيرًا إلى أن تسليم “فيوري” و”فينجينس” يثبت القدرة على التحرك بسرعة كبيرة والمنافسة وتقديم قوة قتالية فعالة من حيث الكلفة. وقال رئيس الأركان الجنرال Ken Wilsbach إن الوحدة التجريبية سعيدة باستقبال الطائرتين، وإن الطيارين متحمسون لاكتشاف قدرات هذه الفئة الجديدة.

وتيرة تطوير استثنائية

تحقق التسليم في أكثر بقليل من عامين على اختيار سلاح الجو الشركتين في أبريل/نيسان 2024، وخلال عام واحد من الطيران الأول للطائرتين. وأسهمت في ضغط الجدول الزمني عوامل عدة، منها مشاركة المشغّلين مبكرًا، والمنافسة المفتوحة، والاستقلالية المعتمدة على البرمجيات، والتحضير المتوازي للإنتاج.

وفي يوليو/تموز 2026، أطلقت طائرة YFQ-44A صاروخ AIM-120 AMRAAM على هدف محاكى فوق صحراء موهافي بعد إقلاعها من قاعدة إدواردز الجوية. ووصف سلاح الجو العملية بأنها أول اختبار إطلاق حي لهذه الفئة، فيما أشارت بعض التقارير إلى أن الصاروخ كان خاملًا. وظل القرار النهائي بإطلاق السلاح بيد مشغّل بشري.

وفي الشهر ذاته، نفّذ سلاح الجو تمرينًا منفصلًا على مفهوم “الانتشار القتالي الرشيق” بمشاركة الطائرتين في قاعدة كريتش، بهدف نقلهما من بيئة الاختبار المعزولة إلى استخدام أقرب إلى الواقع العملياتي. وبحسب ما تبيّن، كان مشغّلو سلاح الجو ينفّذون خلال التمرين رحلات بمهام مستقلة لطائرة YFQ-44A من دون وجود موظفي أندوريل ضمن حلقة التشغيل.

وبعد التسلم الرسمي، يُتوقع أن يقود أفراد سلاح الجو الطائرات ويشغّلوها بقدر متزايد من الاستقلالية، لبناء دليل العمل الذي سيُعتمد عند الاستخدام القتالي مستقبلًا. وستتيح الدفعة الأولى للوحدة التجريبية تطوير التكتيكات والتقنيات والإجراءات الخاصة بالمهام التعاونية في البيئات المتنازع عليها، ومنها الانتشار الموزع، وعمليات الانتشار القتالي الرشيق، والتشغيل من مطارات بدائية، بما يفيد في تحديد احتياجات التدريب والإدامة والقوى البشرية والبنية التحتية.

وفي مطلع الشهر الجاري، أعلن قائد الوحدة التجريبية المقدم ليندون بارتليت (Lyndon Bartlett) أن الطائرتين ستشاركان في أول تمرين واسع النطاق، وهو Emerald Flag في قاعدة إيجلين الجوية بولاية فلوريدا. ووصف بارتليت التمرين بأنه أول خطوة فعلية نحو الدمج في القوة، وأول مرة ستُنفَّذ فيها سلسلة القتل الكاملة بمشاركة هذه الطائرات، ضمن هجوم جوي مضاد مشترك بين طائرات الجيلين الرابع والخامس. وأشار إلى أن التمرين سيكون محدود الحجم، لكن مثل هذه اللبنات هي ما يبني عناصر غير ملموسة كالثقة بالطائرات المسيّرة.

وفي يونيو/حزيران 2026، منح سلاح الجو عقود الإنتاج للطائرتين ضمن المرحلة الأولى من البرنامج، ثم أطلق عليهما اسمي “فيوري” و”فينجينس”. وحلّ اسم “فينجينس” محل الاسم السابق لطائرة جنرال أتوميكس، وهو “دارك ميرلن” (Dark Merlin).

وفي كلمة ألقاها خلال مؤتمر جمعية سلاح الجو والفضاء “الجو والفضاء والسيبراني” 2026، أعلن الوزير مينك أن سلاح الجو يستهدف امتلاك 500 طائرة من هذه الفئة على الأقل بحلول عام 2032. وقال إن أولى دفعات “إف كيو 42″ و”إف كيو 44” تخرج الآن من خطوط التجميع، وإنها ستؤدي كثيرًا من المهام التي تنفذها المقاتلات المأهولة اليوم.

عقيدة قتالية جديدة: الكتلة الرخيصة إلى جانب المقاتلة الغالية

تُعد هذه الطائرات نفاثة وشبه مستقلة وغير مأهولة، وهي مصممة للعمل ضمن منظومة التعاون بين المأهول وغير المأهول مع مقاتلات مثل “إف-35″ و”إف-22” وطائرة الجيل السادس “إف-47”. ولا يُراد بها استبدال الطائرات المأهولة، بل أداء دور مضاعِف للقوة ضمن مفهوم “الكتلة بكلفة معقولة” القائم على اقتناء منصات منخفضة الكلفة لإرباك الخصم وإغراقه.

وتشير التقديرات إلى أن كلفة الطائرة الواحدة ستتراوح بين 25 و35 مليون دولار، أي نحو ثلث سعر مقاتلة “إف-35” الشبحية التي تتراوح كلفتها بين 80 و115 مليون دولار بحسب الفئة. والفكرة أن دعم الطائرات المأهولة الباهظة بمسيّرات رخيصة قابلة للاستهلاك يرفع فرص بقائها ونجاح مهامها، ولا سيما في مواجهة خصوم من مستوى قريب من الندية كالصين وروسيا، أو حتى إيران.

وفي مرحلة النشر الأولى، ستعمل هذه الطائرات في الغالب بوصفها “شاحنات صواريخ” جوية تحلّق بتشكيل مع المقاتلات المأهولة لتوفير قوة نارية إضافية، مع العمل على تعديلها لأداء أدوار قتالية أخرى. وتستطيع حمل تشكيلات معيارية من أجهزة الاستشعار والأسلحة ومنظومات الحرب الإلكترونية وحمولات أخرى. ففي الاشتباك الجوي، مثلًا، تحمل صواريخ مثل “إيه آي إم 120” لتمديد مدى التشكيل وزيادة عدد قواعد الإطلاق، بما يبقي الطائرة المأهولة بعيدة عن مناطق الخطر الأعلى.

كما يمكن توظيفها مستشعرات متقدمة في مهام الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والاستهداف، لرصد الخصم وتتبعه مبكرًا بما يمنح أسبقية في الرؤية والإطلاق. وقد تُستخدم كذلك في الحرب الإلكترونية وقمع الدفاعات الجوية المعادية، عبر التشويش على الرادارات أو خداعها، أو استفزاز الدفاعات لكشف مواقعها، أو امتصاص النيران بوصفها أصولًا قابلة للاستهلاك.

ويرى مؤيدو البرنامج أن الحرب الأخيرة مع إيران أبرزت أهمية هذه الفئة. فقد أحصى تقرير لخدمة أبحاث الكونغرس صدر في مايو/أيار 2026 خسارة أو تضرر 42 طائرة أمريكية في عملية “إبيك فيوري” (Operation Epic Fury)، شملت الإسقاط القتالي والأضرار الأرضية والحوادث والطائرات المدمَّرة لمنع وقوعها في يد العدو والنيران الصديقة. وكان بين الخسائر عدد كبير من طائرات “إم كيو 9 ريبر” (MQ-9 Reaper)، وأربع طائرات “إف-15 إي” (F-15E): ثلاث منها بنيران صديقة فوق الكويت، وواحدة أُسقطت فوق إيران في 3 أبريل/نيسان. ويجادل المؤيدون بأن طائرات مسيّرة أرخص كانت ستتحمل جزءًا من هذه المخاطر، لكن هذه حجة مستمدة من الحرب، وليست دليلًا على أن “فيوري” أو “فينجينس” كانتا ستغيّران النتيجة.

وفي مواجهة خصم مكافئ كالصين، التي تمتلك شبكة قوية لمنع الوصول وحظر المنطقة على امتداد سواحلها، قد توفر هذه الطائرات ميزة حاسمة. فرادارات الخصم وصواريخه وأنظمة قيادته لا تستطيع معالجة سوى عدد محدود من التهديدات المتزامنة، وبالتالي فإن نشر عدة طائرات مسيّرة إلى جانب مقاتلات مأهولة مثل “إف-35″ و”إف-22” والقاذفات، من اتجاهات وارتفاعات مختلفة، سيجبر العدو على استنزاف موارده في إسقاطها، ويفرض عليه كلفة عالية، ويخلق فوضى في ساحة المعركة، ويقلص الخسائر في الطائرات المأهولة الباهظة.

ويمكن لهذه الطائرات التحليق أمام التشكيل الرئيسي بعشرات أو مئات الكيلومترات لتوسيع تغطية الاستشعار ومدى استخدام الأسلحة، وإنتاج مسارات تتبع عالية الجودة قبل دخول المقاتلات المأهولة المناطق الأشد خطورة. ولأنها مصممة لتحمل قدر أعلى من المخاطرة، يمكنها قيادة الاختراق داخل المجال الجوي المتنازع عليه، أو العمل طُعمًا، أو امتصاص نيران العدو، وهو ما يخفض خسائر المقاتلات المأهولة. كما ستتيح لطائرات أقل تخفيًا، مثل “إف-15” و”إف-16″، الإسهام بفعالية أكبر في البيئات عالية التهديد.

وقد تصبح الطليعة في استراتيجية “الانتشار القتالي الرشيق” التي يشدد عليها سلاح الجو ردًّا على قدرات الصين في منع الوصول، وهي تقوم على تفريق الطائرات سريعًا على شبكة من المطارات الصغيرة لتقليل قابليتها للاستهداف. وتتميز هذه الطائرات ببصمة لوجستية أصغر ومتطلبات صيانة أبسط، كما ظهر في تمارين الانتشار، إذ سجلت نسب منخفضة جدًا بين عدد الفنيين والطائرات، وأزمنة تجهيز سريعة تشمل إعادة تسليح ساخنة تُقدَّر بدقائق. وتستطيع العمل من مواقع نائية ومتفرقة، ما يصعّب على الخصم استهداف القوة الجوية الأمريكية على الأرض، ويسمح باستمرار توليد الطلعات حتى تحت الهجوم. كما تتيح أنظمة القيادة والسيطرة المحمولة إسناد المهام من عدة عقد، ما يدعم سيطرة موزعة تقلل الحاجة إلى القوى البشرية.

وفي نزاع بين قوى متكافئة، يستطيع سلاح الجو ربط مقاتلة مأهولة أو أكثر بعدة طائرات متخصصة تؤدي مهام متكاملة في آن واحد: واحدة للاستشعار والاستهداف، وثانية للهجوم الإلكتروني، وثالثة لحمل الأسلحة، ورابعة للعمل طُعمًا أو محطة ترحيل. وسيمنح ذلك الفريق مرونة وصلابة وفتكًا أكبر، ويضاعف فاعلية العدد المحدود من الطائرات المأهولة الباهظة.

وبحسب تحليل المقال الأصلي، فإن هذه الفئة تغيّر معادلة التفوق الجوي لصالح الطرف الذي ينشرها على نطاق واسع، إذ تحوّل عددًا قليلًا من الطيارين المهرة إلى قادة لفرق قتالية أكبر وأكثر تكيفًا وقابلية للاستهلاك. ويمثل التسليم في كريتش انتقال هذه الرؤية من مرحلة المفهوم والنموذج الأولي إلى أيدي المشغّلين الذين سيستخدمونها في القتال إن اقتضت الحاجة.

وكان المارشال الجوي المتقاعد في سلاح الجو الهندي أنيل شوبرا (Anil Chopra) قد قال للمصدر ذاته إن ميزات المقاتلات مثل الرشاقة ما تزال مهمة لكنها فقدت جزءًا من أهميتها، وإن فرص الاشتباك القريب تتراجع، وإن القتال بعيد المدى خارج مدى الرؤية يتطلب أجهزة استشعار وأسلحة تمنح أفضلية الرؤية والإطلاق والإصابة أولًا. وأضاف أن المسيّرات باتت قادرة على توفير إسناد جوي قريب عالي التعرض للمخاطر، وأن تعريض طائرات مأهولة باهظة لدفاعات جوية متحركة سيكون محفوفًا بالمخاطر.