Rafale F5 الفرنسية: كيف تعيد فرنسا بناء مقاتلتها لحروب المستقبل؟

Rafale F5

لا تبدو Rafale F5 مجرد مرحلة تطوير جديدة في مسيرة المقاتلة الفرنسية، بل إعادة صياغة لدورها داخل منظومة قتال موزعة، صُممت للعمل في بيئات تتعرض فيها الملاحة والاتصالات وأجهزة الاستشعار للتشويش أو الحرمان. وتجمع النسخة الجديدة بين مقاتلة مأهولة، وطائرات قتالية مسيّرة شبحية، وقدرات حرب إلكترونية، وشبكات اتصال متقدمة، وذكاء اصطناعي، في محاولة لنقل الرافال من منصة قتالية متطورة إلى عقدة مأهولة داخل منظومة أوسع.

برنامج F5 يدخل مرحلة التطوير

في 10 أيلول 2026، أخطرت المديرية العامة للتسليح الفرنسية DGA شركات Dassault Aviation وThales وSafran وMBDA بعقود أولية لأعمال تطوير Rafale F5، على أن تبدأ مراحل التطوير الرئيسية للنسخة الجديدة، مع استهداف التأهيل في حدود عام 2033 للقوات الجوية والفضائية الفرنسية والبحرية الفرنسية.

ويركز البرنامج على عدد من التقنيات الأساسية، من بينها أنظمة الملاحة، وروابط تبادل البيانات، والرادار، والحرب الإلكترونية، إضافة إلى تطوير منظومة الدفع.

وتعكس هذه الأولويات طبيعة البيئة القتالية التي تستعد فرنسا لها: خصم قادر على التشويش على الاتصالات والملاحة، واكتشاف الطائرات، وتعطيل أو إرباك الشبكات التي تعتمد عليها القوة الجوية الحديثة.

مقاتلة للحرب في بيئة مشوشة

أحد أبرز عناصر F5 سيكون تعزيز قدرتها على العمل عندما تصبح أنظمة الملاحة والاتصالات معرضة للتشويش أو الحرمان.

وتتجه فرنسا إلى دمج نظام ملاحة قصوري منخفض الانجراف، إلى جانب وصلة بيانات جديدة عالية السرعة ومنخفضة البصمة ومقاومة للتشويش. كما تشمل عملية التطوير راداراً جديداً، وأنظمة حرب إلكترونية، ومستشعرات كهروبصرية محسنة.

أهمية هذه التحديثات لا تكمن في كل نظام منفرد، بل في قدرتها على العمل معاً. ففي بيئة قتال حديثة، لا يكفي أن تمتلك المقاتلة راداراً قوياً أو نظام حرب إلكترونية متقدماً إذا تمكن الخصم من تعطيل الاتصال أو التشويش على الملاحة.

وهنا يصبح السؤال الأساسي بالنسبة إلى F5 هو: كيف تواصل المقاتلة الاستشعار والاتصال والملاحة واتخاذ القرار عندما يحاول الخصم تعطيل هذه القدرات؟

من مقاتلة منفردة إلى منظومة قتالية

التحول الأهم في F5 لا يتعلق بالمقاتلة نفسها فقط، بل بما سيعمل إلى جانبها. فقد ربطت فرنسا البرنامج بتطوير طائرة قتالية مسيّرة شبحية قادرة على العمل مع Rafale، مستفيدة من الخبرة الفرنسية في برنامج nEUROn. وتشمل المهام المطروحة لهذه المنصة العمليات الجوية المضادة، والهجوم جو-أرض، والاختراق الأولي للمجال الجوي، ومهام قمع أو تدمير الدفاعات الجوية المعادية.

ويشكل الذكاء الاصطناعي أحد العناصر الرئيسية في هذا التصور، خصوصاً في إدارة التعاون بين المنصات وتوزيع المهام داخل القوة الجوية.

وبذلك، لا تصبح Rafale F5 مجرد مقاتلة تحمل أسلحة ومستشعرات أكثر تطوراً، بل عقدة مأهولة داخل منظومة قتال موزعة يمكن أن تضم طائرات مأهولة ومسيّرات شبحية وأنظمة حرب إلكترونية وشبكات تبادل بيانات.

وهذا التحول مهم عملياتياً، لأنه يسمح بتوزيع المخاطر والمهام بين عدة منصات بدلاً من تحميل المقاتلة المأهولة وحدها مسؤولية الاستشعار والاختراق والهجوم وإدارة المعركة.

المحرك والطاقة: متطلبات منظومة أكبر

يشمل برنامج F5 أيضاً تطوير منظومة الدفع، في خطوة ترتبط بالمتطلبات المتزايدة للمقاتلة الجديدة. فزيادة قدرات الاستشعار والحرب الإلكترونية والاتصالات ومعالجة البيانات تعني ارتفاع الطلب على الطاقة الكهربائية والتبريد والأداء الحركي. لذلك لا ينظر إلى المحرك باعتباره عنصراً منفصلاً عن بقية البرنامج، بل باعتباره جزءاً من قدرة المقاتلة على تشغيل منظومة إلكترونية أكثر تعقيداً والمحافظة على أدائها في مختلف ظروف القتال.

F5 والردع النووي الفرنسي

يحمل برنامج F5 أيضاً بعداً استراتيجياً يتجاوز القتال التقليدي، ففي حزيران 2026، أخطرت DGA شركة MBDA بعقد إطار وعقد تطوير لصاروخ ASN4G الجوي النووي من الجيل الرابع، مع دخول الخدمة المستهدف في حدود عام 2035.

ويرتبط الصاروخ مستقبلاً بـRafale F5 ضمن مكوّن الردع الجوي للقوات الاستراتيجية الفرنسية، ما يجعل المقاتلة جزءاً من منظومة الردع النووي الفرنسي إلى جانب أدوارها التقليدية.

وهذا الارتباط يفسر جزئياً حجم الاستثمار في تطوير F5. فالمطلوب ليس فقط الحفاظ على قدرة المقاتلة على تنفيذ مهام القتال الجوي والهجوم الأرضي، بل توفير منصة قادرة على العمل ضمن بيئة استراتيجية تتطلب مستويات عالية من البقاء والاتصال والقدرة على اختراق الدفاعات المعادية.

Forget the F-35: France's F5 Super Dassault Rafale Fighter Is Coming -  19FortyFive

ماذا تريد فرنسا من Rafale F5؟

تعمل فرنسا على بناء مقاتلة تستطيع العمل داخل منظومة قتال تتعرض للتشويش، وتبادل المعلومات مع منصات أخرى، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي، والتعاون مع مسيّرات شبحية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على أدوارها التقليدية، بما فيها الضربة النووية.

وبهذا المعنى، يمثل F5 انتقالاً من مفهوم المقاتلة متعددة المهام إلى مفهوم العقدة القتالية المأهولة داخل شبكة موزعة.

هذه النقلة تعكس أيضاً تغير طبيعة الحرب الجوية نفسها. فالتفوق لم يعد مرتبطاً فقط بمدى الرادار أو سرعة الطائرة أو عدد الصواريخ التي تحملها، بل بقدرتها على الحصول على المعلومات، ومشاركتها، والعمل رغم التشويش، والتنسيق مع منصات أخرى، وتحويل البيانات إلى قرارات قتالية في الوقت المناسب.

Funds Constraint Stalls F5 Upgrade of Marine Rafale

Rafale F5 ومقاتلة الحرب المقبلة

إذا اكتمل هذا التكامل وفق التصور الفرنسي، فستكون Rafale F5 مختلفة في طبيعة استخدامها عن النسخ السابقة من الرافال. لن تكون القيمة الأساسية في إضافة مستشعر أو سلاح جديد إلى مقاتلة قائمة، بل في قدرة المنصة على العمل ضمن منظومة أوسع تجمع بين الاستشعار، والاتصال، والحرب الإلكترونية، والمسيّرات، والذكاء الاصطناعي، والأسلحة بعيدة المدى.

وهنا تكمن أهمية F5: فرنسا لا تطور رافال جديدة فحسب، بل تعيد تعريف الدور الذي يمكن أن تؤديه المقاتلة المأهولة في حرب تعتمد بصورة متزايدة على الشبكات، والبيانات، والأنظمة غير المأهولة، والقدرة على القتال داخل بيئة شديدة التشويش.

تقرير العقيد الركن ظافر مراد