كيف صنعت الجامعات منظومة الدفاع متعدد الطبقات في إسرائيل

أ.د. غادة محمد عامر 
أستاذ الهندسة الكهربائية – كلية الهندسة – جامعة بنها
دكتوراة في الاستراتيجية والأمن القومي – الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية

Northrop Grumman - IVEWS

حين يُذكر الدفاع الجوي الإسرائيلي ينصرف الذهن إلى الصواريخ والرادارات. غير أن القراءة المتأنية تكشف أن السلاح الحقيقي منظومة فكرية تقف خلفها، من جامعات تُنتج المعرفة، ومؤسسات تحترم العلم، ومجتمع يقدّر الكفاءات. وهذا المقال لا يهدف إلى الإشادة بخصم، بل إلى فهم كيف تُصنع القوة، فهذا أول شروط الاستعداد لها.

أربع طبقات في سماء واحدة

تتكون منظومة الدفاع الإسرائيلية من طبقات متتالية، في القمة منظومة “حيتس” أو “السهم” المسؤولة عن اعتراض الصواريخ الباليستية، بعضها خارج الغلاف الجوي، وفي الوسط منظمة “مقلاع داود” للصواريخ متوسطة المدى وصواريخ كروز، وفي الأسفل “القبة الحديدية” التي دخلت الخدمة عام 2011 لاعتراض القذائف قصيرة المدى والمسيّرات. ثم أُضيفت طبقة رابعة هي منظومة الليزر “الشعاع الحديدي”، التي سُلّمت أول وحدة منها للجيش في ديسمبر 2025، بوصفها أول منظومة ليزر اعتراضية تصل إلى التشغيل الفعلي في العالم. ويجمع هذه الطبقات شبكة قيادة وسيطرة تحسب خلال ثوانٍ نقطة سقوط كل مقذوف، فلا تعترض إلا ما يهدد المناطق المأهولة. وهذه “الخوارزمية الاقتصادية” ثمرة مباشرة لعقول تشكّلت في قاعات الجامعات.

من مدرجات الجامعة إلى ساحة الاعتراض

لم تولد هذه المنظومات في مصانع السلاح وحدها، بل في مثلث أضلاعه الجامعة والصناعة والمؤسسة العسكرية. ف”التخنيون” و”معهد وايزمان” وجامعتا “تل أبيب” و”العبرية” هي الخزان الذي تُستمد منه الكوادر والأفكار. ويكفي أن نعرف أن “داني غولد” صاحب فكرة القبة الحديدية، درس الهندسة الإلكترونية في “التخنيون”، وحصل على الدكتوراه من “جامعة تل أبيب”. وتتجاوز العلاقة حدود التوظيف إلى صناعة العقول عمدًا؛ فبرنامج “تلبيوت” التابع لوزارة الدفاع الإسرائيلية ينتقي المتفوقين من خريجي الثانوية لدراسة الفيزياء والرياضيات وعلوم الحاسب ثم يدمجهم في البحث والتطوير. كما أن تقنيات “الشعاع الحديدي” كانت حصيلة عقود من البحث الأكاديمي في البصريات، ويدعم ذلك كله إنفاق على البحث العلمي حيث إن إسرائيل من الأعلى عالميًا قياسًا بالناتج المحلي.

احترام العلم، حين يُسمع صوت المهندس وصاحب الفكر

وتكشف قصة “القبة الحديدية” جوهر احترام العلم. فحين طُرحت الفكرة قوبلت بتشكيك واسع من قادة وخبراء عسكريين رأوا أنها غير عملية. ولم يكن الطريق سهلًا حتى داخل المؤسسة؛ فقد بدأ “غولد” تطوير المنظومة قبل أن تكتمل الموافقات الرسمية من القيادة العليا، فانتقده مراقب الدولة (جهة رقابية مستقلة تشبه الجهاز المركزي للمحاسبات) لأنه اتخذ قرارات تتجاوز صلاحياته. ومع ذلك لم يُعاقَب ولم يُقصَ، بل أُتيحت للفريق مساحة للتجربة، وحين أثبتت المنظومة نجاحها كان الحكم للنتائج لا للرتب. فاحترام العلم يعني أن يُمنح الباحث حق المخاطرة المحسوبة، وأن تُناقش أفكاره بالأدلة والتجارب لا بالأقدمية والمناصب.

وتؤدي إدارة البحث والتطوير بوزارة الدفاع، المعروفة اختصارًا بـ”مافات”، دور حلقة الوصل بين ثلاثة أطراف، الجيش الذي يحدد احتياجات الميدان، والجامعات التي تقدم الأبحاث والعقول، وشركات الصناعات الدفاعية مثل “رافائيل”و”إلبيت” التي تتولى التصنيع. وبهذا التكامل تتحول الفكرة من بحث أكاديمي على الورق إلى منظومة تعمل في الميدان.

تقدير الكفاءات – العالِم في قمة الهرم الاجتماعي

ولا يكتمل احترام العلم دون تقدير صانعيه، وهو تقدير متجذر في الثقافة الإسرائيلية منذ نشأة الدولة؛ فأول رئيس لها كان عالم الكيمياء حاييم وايزمان، وحين خلا المنصب عُرض على أينشتاين، في دلالة على أن العالِم هو الوجه الذي اختارته الدولة لتمثيلها. ومن هنا يُعدّ الأستاذ الجامعي وصاحب الفكر والمهندس أعلى قيمة في المجتمع، لا مجرد موظفين. ويتجلى هذا التقدير في صورتين متكاملتينوهما التكريم والثقة. فجائزة إسرائيل، أرفع جوائز الدولة، تُمنح في احتفال وطني رسمي يتصدره العلماء والمفكرون، ويُستقبل علماء نوبل من “التخنيون“ ومعهد “وايزمان“ استقبال الأبطال. وعلى المستوى الدفاعي، مُنحت جائزة الدفاع الإسرائيلية عام 2012 لثمانية مهندسين طوروا “القبة الحديدية“. أما الثقة فتعني أن الكفاءة تقود إلى موقع القرار؛ فقد عُيّن “غولد“ رئيسًا لإدارة البحث والتطوير الدفاعي عام 2016، ويترأس الأساتذة اللجان الوطنية ويحضرون في الإعلام بوصفهم مرجعية، ويتنقل المهندس بحرية بين الجيش والجامعة والصناعة والشركات الناشئة، فيرى أثر علمه ويجني ثمرته معنويًا وماديًا. والنتيجة أن الشاب حين يرى الأستاذ والمهندس يحظيان بالاحترام والنفوذ والدخل الكريم، يصبح التفوق العلمي حلمًا يسعى إليه، لا طريقًا شاقًا ينتهي بالتهميش. فالمجتمع الذي يجعل العالِم قدوته يحصد عقولًا تحميه، والمجتمع الذي يهمّش علماءه يخسرهم مرتين،مرة حين يهاجرون، ومرة حين يصنعون تفوق غيره واحيانا للأسف قد يكون غيره عدوا يوما ما!

ما الذي ينبغي أن نتعلمه؟

الدرس الأهم لمنطقتنا العربية أن الدفاع الجوي، كغيره من مجالات الأمن القومي، يبدأ من المدرج والمعمل قبل أن يصل إلى منصة الإطلاق. ويتطلب ذلك ربط بحوث الجامعات بمشكلات وطنية حقيقية بدل أن تبقى أبحاثًا للترقية فقط، وبناء جسور مؤسسية دائمة بين الجامعة والصناعة والمؤسسة الدفاعية، وإطلاق برامج لاكتشاف الموهوبين مبكرًا ورعايتهم، ومنح الباحثين الثقة وهامش التجربة والخطأ، وتكريم المبدعين علنًا ووضعهم في مواقع القرار، ووقف نزيف العقول التي تهاجر لتصنع تفوق الآخرين. إن منظومات الدفاع متعددة الطبقات ليست في جوهرها صواريخ وليزرًا ورادارات، بل انعكاس لطبقات أعمق، جامعة تبحث، ومؤسسة تحترم العلم، ومجتمع يقدّر أصحاب الكفاءات. ومن يملك هذه الطبقات الخفية يستطيع أن يبني ما شاء من الطبقات الظاهرة، أما من يكتفي بشراء السلاح فسيظل دائمًا متلقيًا لتقنيات صنعتها عقول غيره وللأسف تكون هي نقطة الاختراق لكل مجالات أمنه القومي.