سقوط كيدال وهجوم حركة أزواد… إعادة رسم التوازنات في الساحل الإفريقي

العميد صلاح الدين الزيداني الأنصاري

تمثل منطقة الساحل الأفريقي أولوية استراتيجية للأمن والاستقرار في إفريقيا، ما يستدعي اهتمامًا دوليًا كبيرًا في ظل التحديات المستمرة التي تواجهها باعتبارها واحدة من أكثر المناطق الجيوسياسية تعقيدًا وأهمية في العالم حيث تتجاذب فيها مصالح القوى الكبرى التي تعتبرها منطقة نفوذ حيوي يرتبط بمواردها الغنية من المعادن والأراضي الزراعية الخصبة والثروة الحيوانية الضخمة إلى جانب كونها مركز للنمو الإقتصادي المتصاعد في القارة الأفريقية.

ونتيجة لذلك تشهد المنطقة تصاعدًا في التهديدات الأمنية نتيجة النزاعات الداخلية، مما يؤثر على الاستقرار النسبي لدول الساحل التي تمتد عبر الجزء الأوسط من القارة الأفريقية ، وتتألف منطقة الساحل الأفريقي من مالي والنيجر وتشاد وموريتانيا وبوركينا فاسو وهذه الدول جميعها تعاني من تهديدات متعددة تشمل النزاعات المسلحة، وارتفاع نشاط الجماعات المتطرفة، مما يجعل التعاون الإقليمي ضروريًا لتعزيز الأمن والتنمية في المنطقة.

من أهم التهديدات ما شهدته مالي في الخامس والعشرين من أبريل 2026، حيث تعرضت لأعنف اختباراتها الأمنية والعسكرية منذ وصول المجلس العسكري الحاكم إلى السلطة عام 2020 في عملية هجوم عسكرية مباغتة ومنسقة بأربعة محاور متزامنة استهدفت قلب الدولة وأطرافها في وقت واحد , الهجوم المباغت المتزامن أستهدف العاصمة باماكو وضاحية كاتي القريبة من باماكو ، ومدينة غاو عاصمة منطقة كاغو على ضفاف نهر النيجر، ومدينة كيدال في أقليم أزواد أقصى شمال البلاد، وسيفاري في الوسط لم يكن مجرد عمل عسكري تقليدي بل كان رسالة إستراتيجية أعادت رسم خريطة النفوذ في منطقة الساحل الإفريقي برمتها , وكان القاسم المشترك بين المناطق المستهدفة هو أنها تعتبر مراكز الثقل السياسي والعسكري في مالي وضربها في عملية متزامنة يعني تعمد الوصول المباشر لقلب السلطة الحاكمة.

العملية جاءت مشتركة بين جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام التابعة لتنظيم القاعدة في منطقة الساحل الأفريقي ما جعلها تعد أكبر عملية عسكرية في الصراع القائم في البلاد منذ عام 2012 وكان من أهم عوامل نجاحها إعتمادها على مبدأ المفاجأة وتنفيذ ضربات سريعة وحاسمة سقطت معها مدينة كيدال في يد جبهة تحرير أزواد المتحالفة مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين ، والانسحاب المفاجئ والمثير للجدل لقوات فيلق إفريقيا الروسية (فاغنر سابقاً).

شهدت البيئة المسلحة في شمال مالي خلال عامي 2024 و2025 تحولات مهمة تمثلت في التقارب التدريجي بين جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة ورغم وجود مواجهات سابقة بين الطرفين، خاصة على الحدود مع موريتانيا، فإن التطورات الميدانية دفعت الجانبين إلى بناء تفاهمات عسكرية مشتركة قائمة على المصالح المتبادلة وقد أتاح هذا التحالف للحركات الأزوادية توسيع قدراتها القتالية والاستفادة من خبرات الجماعات الجهادية في حرب العصابات والعمليات الصحراوية المعقدة، في حين استفادت جماعة النصرة من الغطاء المحلي والانفصالي الذي توفره الحركات الأزوادية لتخفيف الضغوط الدولية المرتبطة بالتصنيف الإرهابي.

إلا أن هذا التحالف لا يخلو من تناقضات بنيوية، في ظل التباين بين المشروع القومي للطوارق والأهداف العقائدية العابرة للحدود التي تتبناها التنظيمات الجهادية، الأمر الذي يجعل العلاقة بين الطرفين عرضة للتوتر مستقبلاً رغم التقاطع المرحلي في مواجهة الدولة المالية.

جبهة أزواد وكيدال … جغرافيا الصراع وتاريخه.

أزواد اسم يُطلق حالياً على إقليم صحراوي شاسع في شمال مالي (يضم مناطق تمبكتو، كيدال، غاو) يسعى فيه الطوارق إلى الحكم الذاتي أو الاستقلال وهو يخضع لجبهة تحرير أزواد التي تقود الصراع المسلح ضد حكومة مالي وهي كيان انبثق عام 2024 بعد حل الإطار الاستراتيجي الدائم للدفاع عن شعب أزواد لتنضوي تحته حركات عدة أبرزها الحركة الوطنية لتحرير أزواد والمجلس الأعلى لوحدة أزواد.

جاء ميلاد الجبهة رداً مباشراً على انسحاب باماكو من اتفاق الجزائر للسلام الذي وقّعته عام 2015، والذي كان السقف الوحيد الذي قبلت تحته قوى الطوارق المختلفة وضع السلاح وتنسيق العمل العسكري والسياسي في مواجهة الدولة في مالي.

على مدى سنوات، ظلت العلاقات بين الطوارق وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين متوترة، تخللتها اشتباكات مباشرة في أبريل 2024 على الحدود مع موريتانيا لكن تحالفاً وتقارباً استراتيجياً جديداً بين الطرفين أُعلن عنه في 2025 قبل من خلاله مقاتلو الطوارق بتطبيق الشريعة الإسلامية في مناطق سيطرتهم ، وألا يُعيَّن القضاة إلا بموافقة الجانبين، فضلاً عن تقاسم الخبرات العسكرية.

هذا التحالف أتاح للطوارق قدرات تنفيذية أوسع، وأعطى جماعة النصرة الجهاديين غطاءًا انفصالياً يقلل حدة الصورة الإرهابية التي طالما ظهروا بها , ومع ذلك أخفي هذا التحالف تناقضات عميقة قد تكون سببا في الغائه في أي لحظة.

الأهمية الإستراتيجية لمدينة كيدال.

تتمتع مدينة كيدال الواقعة في شمال مالي، بأهمية جيوسياسية بارزة تتلخص في كونها المعقل التاريخي للحركات الطوارقية، وقد شهدت عدة تمردات منذ استقلال مالي إلى جانب موقعها شمال البلاد على بعد 1500كم من العاصمة في منطقة جبلية وتضاريس صحراوية قاسية قرب الحدود مع النيجر ما يجعها نقطة انطلاق استراتيجية لمواجهة الحكومة المالية وأهمية كبيرة في التحكم بالحركة عبر الحدود وتأثيرها على الأمن الإقليمي.

كانت قاعدة عسكرية فرنسية في مطلع القرن العشرين، ومحطة حيوية بين مالي والجزائر وفيها حاليا قاعدة عسكرية ومطار، وهذا يعزز من قيمتها الجيوسياسية كمنطقة استجابة سريعة في الأزمات العسكرية.

تلعب المدينة دورًا محوريًا في الصراعات السياسية والقبلية وهي تضم نحو 55 ألف نسمة، غالبيتهم من الطوارق الذين يمثلون شعباً رحّالاً ينتشر في مالي والنيجر والجزائر وليبيا وبوركينا فاسو , وقد ارتفع عدد سكانها في السنوات الأخيرة بسبب موجات النزوح الداخلي الفارة من تنظيم داعش في منطقة ميناكا ويعتبر الطوارق المدينة المركز التاريخي والسياسي للحركات الأزوادية منذ استقلال مالي عن فرنسا عام 1960، مما يعكس تأثيرها الممتد على استقرار منطقة الساحل الأفريقي بأكملها.

تزخر كيدال بثروات طبيعية مهمة من ذهب ومعادن أخرى، ما جعلها هدفاً استراتيجياً متجدداً لمختلف أطراف الصراع. مرت كيدال بظروف مختلفة فقد ظلت خاضعة لسيطرة حركة أزواد لنحو عقد من الزمن، حتى نوفمبر 2023 حين استعادها الجيش المالي بدعم مكثف من مجموعة فاغنر الروسية، وكان ذلك انتصاراً رمزياً بالغ الأثر للمجلس العسكري الحاكم في مالي وحلفائه الروس. استعادة كيدال بدعم روسي شكّلت في حينها نقطة تحول لصالح المجلس العسكري بقيادة أسيمي غويتا، خصوصًا بعد انسحاب بعثة الأمم المتحدة والقوات الفرنسية غير أن السيطرة بقيت عسكرية أكثر منها سياسية أو اجتماعية، إذ استمرت الحركات الأزوادية وجماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة في إعادة تنظيم صفوفها داخل الشمال المالي غير أن هذا الانتصار لم يدم طويلاً إذ لم يمر عامان ونصف على ذلك حتى سقطت المدينة مجدداً في عملية عسكرية سريعة وحاسمة أستغرقت يومًا واحدًا.

جذبت كيدال ولا زالت اهتمام المجتمع الدولي بسبب الصراعات المستمرة، مما يجعلها محورًا للقضايا الإنسانية والتنموية في المنطقة.

الهجمات المنسقة وتكتيكات الحرب غير النظامية.

أظهرت العمليات العسكرية التي شهدتها مالي في أبريل 2026 مستوى متقدماً من التنسيق العملياتي بين مقاتلو حركة أزواد وحلفاؤهم , حيث اعتمدت الهجمات على مبدأ المفاجأة وتعدد محاور الاشتباك بهدف تشتيت الجهد العسكري للجيش المالي بشكل أدى إلى إرباك المجلس العسكري في أكبر هجوم عسكري منسق اخترق العاصمة نفسها.

وشملت العمليات استهداف العاصمة باماكو ومطار موديبو كيتا الدولي، بالتزامن مع هجمات على كاتي وغاو وكيدال وسيفاري، في تحرك متزامن كشف عن تطور واضح في قدرات التخطيط والاستخبارات لدى القوى المهاجمة. كما استخدمت الجماعات المسلحة أساليب حرب العصابات وعمليات إغارة ليلية متزامنة على مدن لها رمزية كبيرة لتدمير معنويات الخصم، مستفيدة من الفراغ الأمني الذي خلّفه انسحاب بعثة الأمم المتحدة والقوات الفرنسية، إضافة إلى محدودية الانتشار الحكومي في المناطق الصحراوية الواسعة.

تكمن خطورة الهجمات المنسقة ليس فقط في حجمها، بل في توقيتها الدقيق فالهجوم على مطار باماكو الدولي (مطار موديبو كيتا)، الذي تزامن مع اشتباكات في كاتي حيث مقر إقامة رئيس المجلس العسكري غويتا، وعمليات أخرى مباغتة في غاو وكيدال وسيفاري وقد أسفر الهجوم عن اغتيال وزير الدفاع ساديو كامارا الذي يعد أحد أبرز الوجوه العسكرية الداعمة للرئيس الانتقالي آسيمي غويتا، وأحد مهندسي التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها البلاد منذ انقلاب 2020 ، فضلاً عن مقتل عشرات الضحايا من الجنود وترويع المدنيين.

كما أن الهجوم شهد لأول مرة تعاوناً ميدانياً مباشراً بين الانفصاليين الطوارق في جبهة تحرير أزواد، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بالقاعدة وهو تحالف يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة الصراع ومآلاته.

حركة أزواد وعلاقتها بالنظام الليبي السابق.

تعد العلاقة بين جبهة أزواد (ممثلة بشكل رئيسي في الحركة الوطنية لتحرير أزواد ) وليبيا علاقة تاريخية ومعقدة، شهدت تحولاً جذرياً بعد سقوط نظام معمر القذافي في 2011. فقد كان النظام الليبي السابق داعماً، مدرباً، ومستوعباً لآلاف الطوارق، وتحول انهياره إلى نقطة انطلاق لتمرد مسلح واسع في شمال مالي. ومع سقوط نظام القذافي تدفق السلاح والعتاد المتطور الى مالي وعاد الآلاف من مقاتلي الطوارق الذين كانوا ضمن الجيش الليبي إلى شمال مالي (أزواد) محملين بترسانة عسكرية ضخمة ومتطورة، شملت أسلحة ثقيلة، عربات مسلحة، وصواريخ مضادة للطائرات. وهذا العتاد مكنهم من التفوق ميدانياً على الجيش المالي، الذي كان معتاداً على مواجهات بأسلحة خفيفة.

ولا ننسى الخبرات القتالية العالية التي اكتسبوها خلال فترة تدريبهم وعملهم بالجيش الليبي، مما أعاد تشكيل البيئة الأمنية في الساحل وساهم في تقوية الجناح العسكري للحركة. في أكتوبر2011 أعلن عن تشكيل الحركة الوطنية لتحرير أزواد حيث استغل المقاتلون العائدون الفوضى في ليبيا لإعلان تأسيس الحركة بهدف استقلال الإقليم، حيث تحول التمرد من مجرد مطالب حقوقية إلى محاولة انفصال عسكرية والسيطرة لاحقاً على مدن استراتيجية كبرى مثل جاو وتمبكتو وكيدال.

وعلى الرغم من الاستفادة العسكرية المباشرة للحركة من سقوط نظام القذافي إلا أنه كان عاملاً حاسماً في إشعال التمرد الطوارقي في 2012، من خلال ما توفر لحركة أزواد من عتاد وخبرات قتالية لتستفيد من التوقيت وتعلن عن نفسها بشكل قوي وفعال ، لكنه أيضاً أغرق المنطقة في فوضى أمنية طويلة الأمد.

التدخل الأوكراني … بعد دولي مفاجئ.

 في الغالب تكون مثل هذه المناطق التي تكثر فيها النزعة الأثنية والقومية ساحة خلفية لتصفية حسابات دولية حيث كشفت أحداث يوليو 2024، حين لقي أكثر من 80 عنصراً من فاغنر مصرعهم في كمين قرب الحدود الجزائرية، عن بُعد دولي غير متوقع , فقد اتهمت روسيا أوكرانيا أثر ذلك بتقديم أسلحة متخصصة وتدريبات عسكرية ومعلومات استخباراتية حول تحركات العناصر الروسية لصالح مسلحي أزواد.

وقد أقرّ ممثلون عن جبهة أزواد بهذا التنسيق مع كييف، مما جعل من مالي ساحة جديدة للتنافس الروسي الأوكراني بالوكالة.

الدور الروسي في مالي من فاغنر إلى فيلق إفريقيا.

بدأ الحضور الروسي في مالي بصورة متصاعدة منذ أواخر عام 2021 عبر مجموعة فاغنر، في أعقاب تراجع العلاقات بين باماكو وباريس، واتجاه المجلس العسكري نحو بناء شراكة أمنية جديدة مع موسكو. وقد لعبت القوات الروسية دوراً محورياً في دعم العمليات العسكرية ضد الجماعات المسلحة، خاصة في شمال البلاد، إلا أن تطورات أبريل 2026 كشفت عن حدود القدرة الروسية على إدارة بيئة الصراع المعقدة في الساحل الإفريقي.    

وقد أثار الانسحاب المفاجئ لقوات فيلق إفريقيا من كيدال جدلاً واسعاً، خاصة بعد ورود معلومات عن تفاهمات مباشرة مع جبهة تحرير أزواد لتأمين خروج القوات الروسية من المدينة، في وقت تُركت فيه وحدات الجيش المالي في مواجهة مباشرة مع المهاجمين. كما أظهرت الأحداث قصوراً واضحاً في الأداء الاستخباراتي والعملياتي الروسي، سواء من حيث فشل الإنذار المبكر أو ضعف سرعة الاستجابة أو محدودية القدرة على حماية المدن الاستراتيجية، وهو ما انعكس سلباً على صورة موسكو كشريك أمني قادر على فرض الاستقرار في بيئات النزاع الإفريقية.

الأزمة السياسية وهشاشة المجلس العسكري في مالي.

جاء المجلس العسكري برئاسة آسيمي غويتا إلى السلطة بعد انقلابين في عامي 2020 و2021، متعهداً باستعادة الأمن وتسليم السلطة للمدنيين بحلول مارس 2024 لكن المجلس عاد مرة أخرى في يوليو 2025 ومنح غويتا ولاية رئاسية لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد ودون إجراء انتخابات، مع تقييد حرية الصحافة وحل الأحزاب السياسية وهذا الوضع عكس بأن صورة الحكم العسكري لا زال خياراً قائماً .

على الصعيد الدبلوماسي، اتخذ المجلس قراراً حاسماً في يناير 2024 بإلغاء اتفاق السلام والمصالحة الموقع مع الحركات الأزوادية عام 2015 في الجزائر، وقد جاء هذا القرار نتيجة توترات دبلوماسية مع الجزائر بلغت شبه قطيعة إثر حادث إسقاط مُسيَّرة اخترقت الأجواء الجزائرية في أبريل 2025، وردت الجزائر بإغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات المالية، مما أنهى فعلياً مسار الوساطة الجزائرية. الأبعاد الإقليمية والدولية للصراع في مالي. لم تعد الأزمة المالية شأناً داخلياً معزولاً، بل تحولت إلى بؤرة تداخل إقليمي ودولي معقد، خاصة في ظل تصاعد المنافسة بين القوى الدولية على النفوذ داخل الساحل الإفريقي. وفي هذا الإطار، برز البعد الأوكراني بصورة غير مسبوقة بعد اتهامات روسية لكييف بتقديم دعم استخباراتي وعسكري لمسلحي أزواد خلال العمليات التي استهدفت القوات الروسية في شمال مالي عام 2024، الأمر الذي كشف عن انتقال جزء من الصراع الروسي الأوكراني إلى الساحة الإفريقية.

إقليمياً، أثارت التطورات الأخيرة مخاوف متزايدة لدى دول الجوار، خاصة موريتانيا والنيجر وبوركينا فاسو، في ظل احتمالات توسع النشاط المسلح وازدياد حركة النزوح وتنامي التهديدات العابرة للحدود, كما أن انهيار مسار اتفاق الجزائر للسلام ساهم في إضعاف فرص التسوية السياسية، ودفع الأزمة نحو مزيد من العسكرة، في وقت تتراجع فيه قدرة المؤسسات الإقليمية والدولية على احتواء الصراع.

سيناريوهات مستقبل الصراع المطوّل في مالي.

تثير التطورات في مالي مخاوف من انتقال الفوضى إلى دول الساحل المجاورة مثل النيجر وبوركينا فاسو وكذلك امكانية تصاعد نشاط الجماعات المرتبطة بالقاعدة وخلافاتها مع مجموعات تابعة لداعش في أفريقيا ما يؤدي إلى تراجع الاستقرار في منطقة الساحل بأكملها.

ومن خلال تسارع الأحداث الجارية فعلى الأرجح أن استمرار الصراع طويل الأمد دون نصر حاسم لأي طرف سيكون هو العنوان لواجهة الأحداث في مالي ، مع إمكانية تصاعد الخسائر البشرية وتدهور الأوضاع الإنسانية وهذا الأمر من النتائج الكارثية لأي نزاع داخلي فالجبهة الأزوادية أعلنت عزمها التوسع نحو غاو وتمبكتو، بعد السيطرة على كيدال التي ستمكن الجبهة من الانطلاق جنوباً وهذا يعني أن الجبهة لن تتوقف بعد أن حققت إنتصارات سريعة عرفت من خلالها نقاط الضعف التي ترهق الجيش المالي والتي استطاعت من خلالها تنفيذ هجماتها وتحقيق مكاسب على الأرض , قد يعرض مالي فعلياً إلى إنقسام شمال وجنوب وفق خطوط السيطرة الميدانية، مع مفاوضات تحت ضغط الوقائع على الأرض. هناك عدة سيناريوهات من الممكن أن نراها أو على الأقل نرى أحدها على أرض الواقع في مالي ويتمثل السيناريو الأول في استمرار الحرب الاستنزافية، مع توسع سيطرة الجماعات المسلحة في شمال البلاد وتراجع قدرة الحكومة المركزية على فرض نفوذها خارج المدن الرئيسية. أما السيناريو الثاني فيتمثل في احتمالية العودة إلى مسار تفاوضي جديد تحت ضغط الوقائع الميدانية، خاصة إذا استمرت الخسائر العسكرية وتزايدت الضغوط الإقليمية والدولية. في المقابل، يبقى سيناريو التقسيم الواقعي قائماً، في حال ترسخت خطوط السيطرة الحالية وتحولت إلى حدود فعلية بين شمال يتمتع بحكم ذاتي غير معلن وجنوب يخضع لسلطة المجلس العسكري.

كما لا يمكن استبعاد تصاعد التدخلات الخارجية، سواء عبر إعادة تمركز روسي جديد، أو من خلال محاولات قوى إقليمية ودولية أخرى ملء الفراغ الأمني في الساحل.

الوضع الحالي في كيدال … والنتائج المباشرة للأحداث.

تعد أحداث كيدال نقطة تحول حقيقية جيوسياسية في منطقة الساحل الإفريقي كشفت عن مرحلة جديدة من الصراع في مالي، تتجاوز إطار المواجهة التقليدية بين الدولة والجماعات المسلحة، لتعبّر عن أزمة كبيرة تمس طبيعة الدولة وحدود السلطة المركزية في منطقة الساحل الإفريقي , فقد أظهرت الأحداث هشاشة المقاربة العسكرية التي اعتمدها المجلس العسكري الحاكم، كما كشفت محدودية فعالية التدخلات الخارجية في معالجة جذور الأزمة الأمنية والسياسية , وفي المقابل، نجحت جبهة تحرير أزواد في إعادة فرض نفسها لاعباً رئيسياً في المعادلة الميدانية، مستفيدة من التحالفات العسكرية الجديدة ومن حالة الفراغ الأمني والسياسي التي تعيشها البلاد.

غير أن ارتباطها المتزايد بالجماعات الجهادية يطرح تحديات معقدة تتعلق بمستقبل مشروعها السياسي وإمكانية حصولها على شرعية إقليمية أو دولية, كما تؤكد الأزمة المالية أن الاستقرار في الساحل الإفريقي لم يعد مرتبطاً بالحلول العسكرية وحدها، بل يتطلب معالجة شاملة للأبعاد السياسية والعرقية والتنموية والأمنية التي غذّت الصراع لعقود طويلة.

وفي ظل استمرار التنافس الدولي وتراجع فعالية الوساطات الإقليمية، تبدو مالي مرشحة للدخول في مرحلة صراع ممتد قد يعيد تشكيل التوازنات الأمنية والجيوسياسية في الساحل بأكمله.

حاليا ً يتسم الوضع العسكري في مالي بـ”هدوء نسبي” لكن الحاكم العسكري أسيمي جويتا يقول بأن الوضع “بالغ الخطورة” ولا يزال الجهاديون والانفصاليون الطوارق يسيطرون على كيدال المعقل التاريخي للحركات الأزوادية الهجمات المتزامنة على خمسة مدن كبرى من بينها العاصمة حولت مالي من ساحة حرب محدودة في الشمال إلى صراع شامل يهدد كيان الدولة مما قد يجعل سقوط النظام العسكري في باماكو احتمالًا يمكن حصوله لأول مرة منذ 2020.

وتبقى مالي في قلب العاصفة، بين مجلس عسكري يتصدع، وشمال يتحرر ميدانياً ويتشابك مع التطرف، وجيران يترقبون بقلق، ومجتمع دولي يبحث عن أدوات استجابة في مواجهة أزمة تتجاوز كل المقاربات التقليدية وتمنع تحول شمال مالي إلى فضاء دائم للصراعات المسلحة العابرة للحدود.