أ.د. غادة محمد عامر
زميل ومحاضر الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية
أستاذ هندسة النظم الذكية – كلية الهندسة – جامعة بنها
شهدت العقود الأخيرة تحولاً جوهرياً في طبيعة التكنولوجيا الفضائية، إذ انتقلت من كونها مجالاً تقنياً نخبوياً إلى عنصر محوري في إدارة النزاعات الحديثة. فلم تعد الأقمار الصناعية وأنظمة الملاحة مجرد أدوات مدنية مكرسة للزراعة أو النقل أو إدارة الكوارث، بل أصبحت جزءاً أساسياً من البنية التحتية العسكرية التي تُعيد صياغة ميزان القوى الإقليمي والدولي. هذا التحول يرتبط مباشرة بظاهرة الاستخدام المزدوج للتكنولوجيا الفضائية، حيث تُسوَّق الأنظمة كخدمات مدنية أو تجارية، لكنها في الحقيقة يمكن تُوظَّيفها في السياقات العسكرية لتوفير قدرات متقدمة في الاستطلاع والمراقبة والملاحة الدقيقة والتحكم العملياتي. على سبيل المثال، خلال عملية “الغضب الملحمي” التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، لم يأتِ التأكيد الأول من الحكومات، بل من صور التقطتها أقمار صناعية تجارية تابعة لشركات أمريكية، أظهرت دخاناً كثيفاً فوق طهران وسفناً محترقة في مدينة “كوناراك” الساحلية. هذه الصور، التي انتشرت عبر وسائل الإعلام العالمية خلال ساعات، جسدت الدور الحاسم للفضاء التجاري في توثيق وتأكيد العمليات العسكرية. وفي هذا السياق، تبرز الشراكة الإيرانية–الصينية كجزء من نمط أوسع للتعاون الاستراتيجي في مجال التكنولوجيا الفضائية، إذ ساعدت إيران على التغلب على القيود التقنية ومواصلة جهودها للتحايل على العقوبات من خلال الوصول إلى أنظمة متقدمة في الاستشعار عن بعد والملاحة العالمية، ما منحها أدوات إضافية في إدارة الصراعات، لكنه في الوقت نفسه رسّخ اعتمادها الاستراتيجي على بكين.
الدور المتنامي للبنية التحتية الفضائية لقوة الدول اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وعسكرياً
أصبحت البنية التحتية الفضائية أحد أعمدة القوة الوطنية الشاملة، حيث تؤثر بشكل مباشر في الاقتصاد والمجتمع والسياسة والأمن وجميع القطاعات العسكرية. ففي المجال الاقتصادي، توفر الأقمار الصناعية بيانات دقيقة عن الموارد الطبيعية والزراعة وإدارة الكوارث، وتدعم شبكات الملاحة العالمية مثل “GPS” “وبيدو” التجارة الدولية والخدمات اللوجستية. أما في المجال الاجتماعي، فقد أصبحت الاتصالات عبر الأقمار الصناعية أساساً لربط المجتمعات، كما أثبتت خدمات الإنترنت الفضائي مثل “ستارلينك” أهميتها في دعم المجتمعات خلال الأزمات. وفي المجال العسكري، تُعد الأقمار الصناعية عنصراً لا غنى عنه للعمليات الحديثة، إذ توفر معلومات استخباراتية وتُمكّن من توجيه الصواريخ والطائرات المسيّرة بدقة متناهية. أما سياسياً، فإن السيطرة على الفضاء تمنح الدول نفوذاً استراتيجياً في علاقاتها الدولية، وتُظهر الشراكات الفضائية مثل التعاون الإيراني–الصيني كيف يمكن للتكنولوجيا المدنية أن تتحول إلى أداة لإعادة تشكيل ميزان الردع الإقليمي.
البنية التحتية الفضائية كأداة مزدوجة الاستخدام ومخاطر الاعتماد الخارجي
تُعدّ البنية التحتية الفضائية اليوم محوراً أساسياً في النزاعات الحديثة، إذ تكمن أهميتها في طبيعتها مزدوجة الاستخدام. فالتقنيات التي تُسوَّق باعتبارها أدوات مدنية، مثل أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية وأقمار مراقبة الأرض ومنصات التحليل الجغرافي المكاني، تُستخدم في دعم الزراعة وإدارة الكوارث والخدمات اللوجستية والتخطيط الحضري، لكنها قابلة لإعادة التوظيف لتحقيق نتائج عسكرية مباشرة. فمثلا أنظمة الملاحة مثل “GPS” أو “بيدو” الصيني، التي تخدم الطيران المدني والشحن التجاري، يمكنها في أوقات النزاع أن توجه الصواريخ والطائرات المسيّرة بدقة عالية، فيما توفر أقمار رصد الأرض صوراً تفصيلية لتحركات القوات والبنية التحتية العسكرية، وتُستخدم منصات البيانات الجغرافية في توليد إحداثيات الاستهداف وتعزيز الوعي الظرفي في ساحة المعركة. هذه الطبيعة المزدوجة تُطمس الحدود بين الاستخدام المدني والدعم العسكري، وهو ما يجعل التكنولوجيا مزدوجة الاستخدام محور النقاش المعاصر حول الفضاء والأمن، ويُثير تحديات كبيرة أمام القانون الدولي الذي لم يواكب بعد هذا التحول . ويُثير الاعتماد على أنظمة الأقمار الصناعية التجارية أو تلك الخاضعة لسيطرة جهات أجنبية مجموعة من المخاطر التي تتجاوز الأداء التقني لتصل إلى قضايا الثقة والاستقلالية والانكشاف في بيئات النزاعات. كما إن الاعتماد على أنظمة تسيطر عليها جهات أجنبية يُرسّخ التبعية الاستراتيجية، كما هو الحال في استخدام إيران للأقمار الصناعية الصينية الذي يعزز قدراتها لكنه يربط فعاليتها العسكرية باستعداد بكين للتعاون. ويُثير هذا الاعتماد إشكاليات قانونية وأخلاقية، إذ يمكن إعادة تهيئة الأقمار الصناعية المدنية للاستخدام العسكري، بينما يعاني القانون الدولي في تحديد مشروعيتها كأهداف، مما يزيد من مخاطر التصعيد ويُعقّد قواعد الردع.
تقنيات الفضاء المدنية في السياقات العسكرية: إيران والصين والمنطقة الرمادية للصراع الحديث
هذا التداخل بين المدني والعسكري يخلق منطقة رمادية قانونية وسياسية، حيث يمكن للهجمات الإلكترونية أو إعادة توظيف البيانات أن تُستخدم لتحقيق أهداف عسكرية دون أن تُصنّف رسمياً كـ”هجوم مسلح” بموجب القانون الدولي. وفي ظل التوترات الجيوسياسية، يبدو إبرام معاهدة جديدة بشأن العمليات العسكرية الفضائية أمراً بعيد الاحتمال، مما يترك للشركات والهيئات التنظيمية والجيوش مهمة تحديد حدود السلوك المقبول من خلال استجاباتها الفورية، لتصبح الأقمار الصناعية جزءاً من ساحة معركة تتطور أسرع من قدرة المشرعين على مواكبتها. يتجلى هذا التداخل بوضوح في اعتماد إيران المتزايد على الأنظمة الخارجية، لا سيما الصينية منها. فبدلاً من الاكتفاء بقدرات محلية محدودة، تستفيد طهران من تقنيات مدنية تُستخدم في تمكين التطبيقات العسكرية، مثل تحسين دقة الضربات التي تنفذها الميليشيات المدعومة منها في العراق وسوريا، أو رصد حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز عبر أنظمة مخصصة للشحن والخدمات اللوجستية. هذا الاستخدام يُبرز صعوبة التمييز بين المدني والعسكري عندما تخدم نفس تدفقات البيانات كلا السياقين، ويُظهر كيف يمكن للتقنيات التجارية أن تتحول إلى أدوات استراتيجية في إدارة الصراع.
من الناحية الاستراتيجية، يُغيّر هذا التداخل ديناميكيات الأمن الإقليمي. فتعزيز قدرة إيران على رصد الخصوم واستهدافهم يُقوّض استراتيجيات الردع التقليدية، بينما يُعقّد الغموض المرتبط بالتقنيات المزدوجة الاستخدام الاستجابات الدولية. ويزداد هذا التعقيد مع توقيع الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين وإيران عام 2021م، والتي تمتد لخمسة وعشرين عاماً وتشمل مجالات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا، فبحسب تقرير فايننشال تايمز (أبريل 2026)، اشترى الحرس الثوري الإيراني القمر الصناعي TEE-01B الذي طورته وأطلقته شركة Earth Eye Co الصينية في أواخر عام 2024 وفق نموذج “التسليم في المدار”، حيث يتم نقل المركبات الفضائية إلى المشترين بعد وصولها بنجاح إلى المدار. وقد كُلّف القمر بمراقبة المنشآت العسكرية الأمريكية في المنطقة، مع منح إيران حق الوصول إلى شبكة محطات أرضية تجارية تديرها شركة Emposat الصينية. وأفاد التقرير أن القمر رصد قواعد أمريكية في السعودية والأردن والبحرين والعراق والكويت وجيبوتي وسلطنة عمان، إضافة إلى بنى تحتية مدنية حيوية مثل الموانئ ومصانع الطاقة والمياه في الخليج. هذا الاستخدام يُظهر أن إيران تستعين فعلياً بمصادر خارجية لبيانات الاستهداف من الشركات الصينية، وهو ما اعتبره مسؤولون غربيون أكبر قدر من الدعم الذي تقدمه بكين لقوة وكيلة ضد الولايات المتحدة. ورغم نفي وزارة الخارجية الصينية تقديم أي دعم عسكري لإيران، فإن طبيعة هذه الشراكات تُبرز صعوبة الفصل بين الاستخدام المدني والتوظيف العسكري. هذا كله أظهر أن المزودين التجاريين أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المرونة العسكرية، وهو ما يوضح أن عسكرة الفضاء لا تتم عبر إعلانات رسمية، بل من خلال إعادة توظيف التقنيات المدنية بهدوء.
دور تكنولوجيا الفضاء في الحروب الحديثة
لقد أصبح قطاع الفضاء عنصراً محورياً في النزاعات المعاصرة، حيث لم يعد مقتصراً على القوى العظمى، بل باتت خدماته متاحة للدول المتوسطة والجهات الفاعلة غير الحكومية عبر الشراكات والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج. فأصبح الفضاء ساحة صراع للسيطرة، ليس بالضرورة عبر التدمير المباشر، بل من خلال تعطيل المحطات الأرضية أو التدخل السيبراني أو الحرب الإلكترونية. وبات يوفر للجيوش إمكانيات غير مسبوقة في الاتصالات والمراقبة والمناورة الشبكية وإطلاق النار بعيد المدى. هذا التوسع لا يقتصر على دعم العمليات العسكرية، بل يُدخل أيضاً ديناميكيات جديدة في المنافسة على الهيمنة المستقبلية في الفضاء. كما ساهمت تقنيات الإطلاق القابلة لإعادة الاستخدام في خفض التكاليف بشكل كبير، مما أتاح نشر مجموعات ضخمة من الأقمار الصناعية الصغيرة. ومع تزايد الاعتماد العسكري على القدرات الفضائية، يُرجّح أن يتحول الفضاء من مجال عملياتي إلى مجال قتالي عند اندلاع أي نزاع كبير، خاصة مع تطوير قدرات مضادة للأقمار الصناعية تشمل التدمير الحركي المباشر والتشويش الإلكتروني.
الخلاصة
إن دمج إيران للأنظمة الفضائية الصينية يُمثل انتقالاً من القدرات الرمزية إلى قدرات عملياتية ظهرت بوضوح خلال الحرب الجارية، حيث باتت هذه الأنظمة تُسهم في توفير معلومات استخبارية دقيقة ودعم عمليات المراقبة والسيطرة. هذا التطور يُبرز أن الفضاء لم يعد مجرد مجال للتنمية المدنية، بل أصبح ساحة استراتيجية تتداخل فيها المصالح التجارية مع الأهداف العسكرية، مما يُعيد صياغة موازين القوى ويُعقّد ديناميكيات الأمن الدولي. كما يؤكد الحاجة إلى أطر قانونية وتنظيمية جديدة لمعالجة الغموض المرتبط بالتقنيات ذات الاستخدام المزدوج، ويُظهر أن الفضاء أصبح مركزياً في طبيعة الصراع الهجين في القرن الحادي والعشرين.






