استخبارات أمريكية وفرنسية تلعب دوراً محورياً في الضربات الأوكرانية العميقة بالمسيّرات داخل الأراضي الروسية

كشف تقرير حديث عن الدور المحوري الذي تضطلع به الاستخبارات الأمريكية والفرنسية في دعم الضربات الأوكرانية بعيدة المدى بواسطة الطائرات المسيّرة، والتي تستهدف البنية التحتية والمنشآت السكنية والعسكرية الروسية. فبحسب تقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، تسهم الدولتان العضوان في حلف الناتو بتزويد كييف بمعلومات استخباراتية تساعدها على تحديد الأهداف وتفادي منظومات الدفاع الجوي الروسية، ما سمح لمخططي العمليات الأوكرانيين برسم مسارات طيران تتجنب نقاط الرصد الروسية وتحديد مواقع البطاريات الدفاعية بدقة متزايدة.

وبحسب مسؤولين أوكرانيين نقلت الصحيفة تصريحاتهم، ساهمت الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية والفرنسية أيضاً في تحسين دقة الإصابة، إذ ساعدت في تحديد المنشآت العسكرية الأكثر قيمة عملياتية عند استهدافها، بما يتيح توجيه العدد المحدود من المسيّرات بعيدة المدى نحو أهداف ذات أولوية أعلى.

وليست هذه المرة الأولى التي يُثار فيها الحديث عن دور غربي مباشر في العمليات الأوكرانية بعيدة المدى؛ ففي مارس/ آذار 2025، اتهمت الخارجية الروسية كلاً من المملكة المتحدة وفرنسا بالضلوع في هجوم أوكراني استهدف البنية التحتية الروسية للطاقة، بعدما تعرضت منشآت خط أنابيب سودجا في منطقة كورسك الروسية لتدمير شبه كامل، في هجوم استخدمت فيه أوكرانيا منظومات صواريخ «هيمارس» أمريكية الصنع. وقالت الخارجية الروسية حينها إن لديها “أسباباً تدعو للاعتقاد بأن عملية الاستهداف والملاحة جرت بالاستعانة بأقمار اصطناعية فرنسية، وأن متخصصين بريطانيين هم من أدخلوا إحداثيات الهدف وأطلقوا الصواريخ”، مضيفةً أن “الأوامر صدرت من لندن”.

وفي مطلع عام 2023، ذهبت موسكو إلى أبعد من ذلك حين أعلنت أن كامل الشبكة الفضائية لحلف الناتو تعمل لدعم المجهود الحربي الأوكراني. ففي بيان رسمي صادر عن الكرملين بتاريخ الأول من فبراير/ شباط، جاء أن “البنية التحتية العسكرية لحلف الناتو بأكملها تعمل ضد روسيا، كما أن البنية الاستخباراتية للحلف بكامل مكوناتها، بما فيها طائرات الاستطلاع ومجموعات الأقمار الصناعية، تعمل لصالح أوكرانيا على مدار الساعة”. ومنذ ذلك الحين، باتت القدرات الفضائية تلعب دوراً محورياً غير مسبوق في مجريات الحرب، حيث منحت قدرات الأقمار الصناعية الجماعية لدول الحلف القوات الأوكرانية والجماعات شبه العسكرية الداعمة لها تفوقاً واضحاً، في ظل محدودية شبكة الأقمار الصناعية الروسية الأصغر حجماً، وهو ما انعكس في توفير بيانات استهداف سريعة للضربات الصاروخية والمدفعية التي كبّدت القوات الروسية خسائر فادحة.

ومنذ اندلاع الحرب الشاملة في فبراير/ شباط 2022، تعددت المصادر التي سلّطت الضوء على حجم الدعم الاستخباراتي والبشري الغربي في الميدان الأوكراني. فقد أشارت صحيفة نيويورك تايمز في يونيو/ حزيران 2022 إلى أن الولايات المتحدة أقامت داخل الأراضي الأوكرانية “شبكة سرية من الكوماندوز والجواسيس لتوفير الأسلحة والاستخبارات والتدريب”، مضيفة أن عناصر وكالة المخابرات المركزية الأمريكية واصلوا العمل سراً داخل البلاد، معظمهم في العاصمة كييف، بإشراف مباشر على الكم الهائل من المعلومات الاستخباراتية التي تتقاسمها واشنطن مع القوات الأوكرانية. ووصفت الصحيفة “آثار هذا الدعم اللوجستي والتدريبي والاستخباراتي السري” بأنها “ملموسة على أرض المعركة”، مشيرة إلى أن “عناصر كوماندوز من دول أخرى في الناتو، من بينها بريطانيا وفرنسا وكندا وليتوانيا، يعملون أيضاً داخل أوكرانيا”، وهو ما يعكس “اتساع نطاق الجهد السري لمساندة أوكرانيا الجاري تنفيذه”. ولفتت الصحيفة بشكل خاص إلى حجم الاستخبارات المتاحة لكييف، حيث زُوّد الضباط الأوكرانيون بأجهزة لوحية تعمل بتطبيقات رسم خرائط ميدانية لاستهداف الوحدات الروسية ومهاجمتها، إلى جانب إتاحة صور من الأقمار الصناعية من منظومة الاستطلاع الأمريكية الواسعة.

وعلى مدى السنوات الماضية، وسّعت أوكرانيا قدراتها في مجال الضربات بعيدة المدى بالمسيّرات بشكل تدريجي، إذ اعتمدت في البداية بشكل أساسي على طائرات استطلاع سوفيتية معدَّلة وأنظمة محلية الصنع، قبل أن تنتقل تدريجياً إلى تصنيع مسيّرات هجومية مخصصة قادرة على بلوغ أهداف في عمق الأراضي الروسية. وفي مارس/ آذار 2026، أقرّ سيرغي شويغو، أمين مجلس الأمن القومي الروسي، بأن المسيّرات الأوكرانية بعيدة المدى باتت تشكل تهديداً مباشراً لمناطق في عمق روسيا، من بينها منطقة الأورال الصناعية ذات الأهمية الاستراتيجية. وبهذا، تحوّل التشارك الاستخباراتي الغربي إلى عامل مضاعِف لقوة العمليات الأوكرانية بعيدة المدى، إذ إن دقة المعلومات المتعلقة بتغطية الرادارات ومواقع الدفاع الجوي والأهداف العسكرية عالية القيمة تتيح لأنظمة مسيّرة زهيدة التكلفة نسبياً تهديد أصول استراتيجية كانت لتبقى محمية لولا ذلك، لدرجة أن قيمة هذه المعلومات الاستخباراتية قد توازي أحياناً قيمة التطورات التقنية في المسيّرات ذاتها.