ميزانيات الدفاع.. نحو نموذج إستراتيجي جديد لإدارة القوة

العقيد الركن م. ظافر مراد

شهدت البيئة الأمنية الدولية خلال العقدين الاخيرين تحولاً كبيراً في طبيعة الصراعات المسلحة وإدارة القوة العسكرية، ما فرض إعادة النظر بطريقة الإنفاق الدفاعي وإتجاهاته الإستراتيجية، لتكون الحكومات قادرة على إدارة وإستثمار مواردها العسكرية بكفاءة عالية، في ظل تعدد المجالات القتالية، والتطور المتسارع للتكنولوجيا العسكرية، والإعتماد المتزايد على الذكاء الإصطناعي، وفي هذا الإطار، نلاحظ أن الإنفاق الدفاعي يتعرض للعديد من التقييدات والتحديدات التي تفرض قواعدها عليه، وفقاً للواقع الجيوسياسي لكل دولة، ووفقاً لطبيعة التهديدات والمخاطر في بيئتها الإستراتيجية الخارجية، ورغم كثرة الدراسات والأُطر المفاهيمية والإدارية التي تعالج مسألة الإنفاق الدفاعي عند الحكومات، إلا أن الفكر الإستراتيجي لا زال يفتقر إلى إطار يربط بصورة منهجية بين حجم وإتجاهات الإنفاق، والعائد الإستراتيجي الذي يقدمه.

إن فكرة إخضاع الإنفاق الدفاعي لإطار نظري مُبتكر، تقوم على فرضية مفاهيمية واضحة، إلا أن تطبيقها العملي يستلزم بناء نموذج تحليلي متعدد الأبعاد، كونها تحتوي على تعقيدات وتفاصيل هائلة تتعلق بتصميم نموذج مثالي لقياس كفاءة الإنفاق الدفاعي، ما يمكن أن يُطلق عليه “نظرية العائد الإستراتيجي للإنفاق الدفاعي-Theory of Strategic Return on Defense Spending، وقد يحتاج ذلك إلى سنوات من الدرس والتحليل والمقاربات والتجارب والقياس، كي يتبلور هذا الإطار النظري، والذي من المفترض أن يعالج الإشكالية التي نتحدث عنها، فالحكومات تتعرض للعديد من الضغوطات الجيوسياسية والتهديدات الأمنية التي قد تكون مفاجأة، وتضعها في حالة من الغموض واللاإستقرار الأمني، كما أن هذه الحكومات قد تتأثَّر بالدعاية التسويقية عندما تُقدَّم المنظومات العسكرية على أنها حلول شاملة لجميع التهديدات، أو عندما تُبالغ الشركات في إبراز قدراتها التقنية ونجاحاتها العملياتية. ويزداد هذا الخطر في غياب تقييم استراتيجي مستقل يربط قرارات الشراء بالعقيدة العسكرية والتهديدات الفعلية، دون وجود دراسة أو تخطيط بعيد المدى لأثر هذا الإنفاق وجدواه في المستقبل، عندها قد تتحول ميزانية الدفاع إلى أداة لاقتناء قدرات باهظة الثمن تحقق تفوقاً تقنياً ظاهرياً، لكنها لا تضيف قيمة حقيقية إلى الجاهزية القتالية ومتطلبات الأمن القومي.

تعتمد معظم الجيوش على اعتبارات سياسية أو تاريخية أو على متطلبات الأفرع (البرية، الجوية، البحرية)، وليس على نموذج استراتيجي متكامل يربط الإنفاق بالتهديدات والبيئة الجيوبوليتيكية والتكنولوجية، والمطلوب اليوم إخضاع هذا الإنفاق لنموذج استراتيجي لتوزيع الميزانية الدفاعية بشكلٍ يتناسب مع الحاجات الامنية والدفاعية في عصر الحروب متعددة المجالات، يعتمد على عدة إعتبارات توجِّه حجم وإتجاه هذا الإنفاق، وابرز وأهم هذه الإعتبارات هي ما يلي:

  1. البيئة الجيوبوليتيكية  (Geopolitical Environment): وهي العامل الأكثر تأثيراً لأن الجغرافيا تحدد طبيعة القوة المطلوبة، وتشمل الدول المعادية، الدول الحليفة، الحدود والممرات البحرية، الموارد الطبيعية، العمق الاستراتيجي، الجغرافيا (جزر، جبال، صحارى…). وفي تحليل ودراسة البيئة الجيوبوليتيكية، نلاحظ أنه لا يمكن تطبيق نفس المعايير والحاجات على كل الدول، فلكل دولة بيئتها الخاصة التي تفرض عليها ميزانية دفاعية مع إتجاهات إنفاق تختلف عن الدول الأخرى، وفي هذه الحالة لا يمكن التقليد أو التماثل في بناء القوة العسكرية مع دول أخرى ولو كانت في نفس الإقليم.
  2. مصفوفة التهديدات  (Threats Matrix): ومن خلالها يمكن تصنيف كل تهديد وفقاً لإحتمال وقوعه، مستوى خطورته، زمن الاستجابة المطلوب، اتجاه التهديد (بر، بحر، جو، فضاء، سيبراني)، ثم تعطى الأولوية للتهديدات الأكثر إحتمالاً والأعلى تأثيراً، مع الأخذ بعين الإعتبار التهديدات الأخرى وإبقاؤها ضمن حسابات خطط الطواريء.
  • طبيعة الحرب المتوقعة: هل الدولة تتوقع أو تستعد لحرب تقليدية، حرب هجينة، حرب استنزاف، حرب نووية، مكافحة إرهاب، حرب بحرية، حرب سيبرانية، فلكل نوع من هذه الحروب إستعدادات وتحضيرات وحاجة لبناء قوة مختلفة، وبالتالي فإن ذلك يفرض ميزانية وإتجاهات إنفاق خاصة، تأخذ بعين الإعتبار طبيعة الحرب والبيئة العسكرية والتكنولوجية المعادية، إضافةً إلى ذلك، يجب توقع الفترة الزمنية للحرب وأمد الصراع، والذي يستوجب التركيز على إستدامة القوة من خلال تجهيز الإحتياطيات والحاجات اللوجستية المطلوبة.
  • فلسفة الردع: وهي نقطة أساسية وهامة جداً في هذا النقاش، فالجيوش بمعظمها تتسلح وتبنى قدراتها العسكرية لتكرس مفهوم الردع ضد الأعداء، وليس للمباشرة بالإعتداء أو الهجوم على أي دولة أخرى، لذلك فإن تحقيق حالة الردع تعتبر أهم إنجاز يحمي المصالح الوطنية، فالحرب تندلع عنما يفشل الردع ويُخطيء صناع القرار الحسابات، لذلك يجب الأخذ بعين الإعتبار مستلزمات الردع والتأكد تماماً من فعاليته وصيانته سنة بعد سنة، وفي هذا الشأن، لا يكفي إمتلاك القدرات العسكرية الرادعة ضد أي جهة معادية، بل يجب أن يشمل إظهار النية والإرادة على الرد وخوض الحرب ضد أي إعتداء محتمل، مع قبول الكلفة المتوقعة مهما كانت كبيرة، وإلا فإن قدرة الردع ستفشل في أول إختبار. ويمكن تخصيص جزء من ميزانية الدفاع لتعزيز الإتجاهين الأساسيين من الردع، وهما الردع بالعقاب(Deterrence by Punishment) أي الرد بهجوم كبير يوقع بالعدو خسارات تتجاوز قيمة المكتسبات التي سيحققها من إعتدائه، والردع بالمنع (Deterrence by Denial) أي جعل هجوم العدو دون تأثير ومنعه من تحقيق أي نتيجة أو أي هدف من أهدافه. في جميع الاحوال، يجب أن تضمن الدولة أن جيشها من خلال قدراته العسكرية، قادر على تنفيذ الرد الفعال والمؤلم، أي “الضربة الثانية” بعد تلقي الضربة الأولى، وربما هذا المبدأ يقود ويوجه ليس فقط حجم وتوزيع الإنفاق، بل أيضاً توزيع ونشر القدرات بما يجعل من الصعب تدميرها أو تعطيلها من الضربة الأولى.
  • العقيدة القتالية والإستراتيجية العسكرية للجيش: لا تُعدّ العقيدة القتالية والاستراتيجية العسكرية مجرد إطارين نظريين لاستخدام القوة، بل تمثلان المرجعية الأساسية التي توجه فلسفة الإنفاق الدفاعي وتحدد أولوياته واتجاهاته. فالعقيدة القتالية ترسم المبادئ الحاكمة لاستخدام القوة، والمفاهيم العملياتية، وأساليب توظيف القدرات العسكرية في مواجهة التهديدات المتوقعة، بينما تحدد الاستراتيجية العسكرية كيفية توظيف الموارد والإمكانات الوطنية لبناء القوة العسكرية واستخدامها لتحقيق الأهداف الوطنية من خلال الردع أو الدفاع أو الحسم العسكري. ومن ثم، فإن هيكل ميزانية الدفاع وتوزيعها في إتجاهات محددة، يعكسان في جوهرهما طبيعة العقيدة القتالية والاستراتيجية العسكرية، ومدى مواءمتهما للبيئة الأمنية والتهديدات القائمة والمستقبلية. وانطلاقاً من ذلك، لا يُقاس نجاح ميزانية الدفاع بقيمتها المالية، بل بمدى انسجام توزيعها مع متطلبات العقيدة والاستراتيجية، إذ تفرض كل عقيدة أنماطاً مختلفة من الاستثمار بين القوى البرية والجوية والبحرية والفضائية والسيبرانية، وبين التسليح والتدريب والبحث والتطوير والجاهزية اللوجستية. ومن ثمّ، فإن أي خلل في التوافق بين العقيدة القتالية وهيكل الإنفاق الدفاعي يؤدي إلى فجوة استراتيجية تُهدر الموارد وتُنتج قدرات عسكرية غير ملائمة للبيئة الأمنية، بما ينعكس سلباً على كفاءة الردع والفعالية العملياتية وتحقيق الأهداف الوطنية.
  • القدرة الاقتصادية والقاعدة الصناعية الدفاعية: لا يمكن بناء قوة عسكرية مستدامة بمعزل عن القدرة الاقتصادية للدولة وقاعدة صناعاتها الدفاعية، إذ تشكل الموارد المالية والإنتاج العسكري المحلي القيد الاستراتيجي الذي يحدد سقف الطموحات العسكرية وإمكانات تنفيذها. فالدول التي تمتلك اقتصاداً متيناً وصناعة دفاعية متطورة تتمتع بقدرة أكبر على تأمين احتياجاتها العسكرية، والحفاظ على استدامة العمليات القتالية، وتخفيض الاعتماد على الموردين الخارجيين، لا سيما في أوقات الأزمات والحروب الممتدة. ومن ثم، ينبغي أن يراعي توزيع ميزانية الدفاع التوازن بين متطلبات بناء القوة العسكرية وبين القدرة الاقتصادية للدولة، مع تخصيص جزء من الإنفاق لتنمية البحث والتطوير، وتوطين الصناعات الدفاعية، وتعزيز الاكتفاء الذاتي، بما يحقق استدامة القوة ويخفض المخاطر الاستراتيجية المرتبطة بسلاسل التوريد الخارجية.

لا تمثِّل العوامل الستة السابقة وصفة جاهزة لتوزيع ميزانيات الدفاع، بل تشكل إطاراً مفاهيمياً أولياً يمكن البناء عليه لتطوير نموذج استراتيجي متكامل، يربط بين البيئة الجيوبوليتيكية والتهديدات وطبيعة الحرب، وفلسفة الردع، والعقيدة العسكرية، والقدرة الاقتصادية، بهدف تعظيم “العائد الاستراتيجي للإنفاق الدفاعي” والذي هو لب النقاش. ويهدف هذا النموذج إلى الإنتقال من مفهوم إدارة الموازنات إلى مفهوم إدارة القوة العسكرية، بحيث يصبح كل قرار إنفاق مرتبطاً بأثره العملياتي والاستراتيجي، وليس بقيمته المالية أو التقنية فقط. ومع ذلك، فإن بناء نموذج علمي قابل للقياس والتطبيق يتطلب سنوات من البحث والدراسة والتحليل المقارن، واختباره على حالات واقعية متعددة، حتى يتبلور في إطار نظري متكامل يمكن أن يؤسس لما يمكن تسميته “نظرية العائد الاستراتيجي للإنفاق الدفاعي”، بوصفها مرجعاً علمياً يساعد صناع القرار على تحقيق أعلى كفاءة ممكنة في توظيف الموارد الدفاعية.

هناك العديد من النماذج الناجحة لتوجيه الميزانيات الدفاعية المعتمدة عند الدول، فإسرائيل ركَّزت على التفوق الجوي مع قدرات هجومية برية هائلة وقدرات إستخباراتية متقدمة، ضمنت لها إستجابة فورية وقوية ضد المخاطر والتهديدات طيلة عقود عديدة. وإيران بنت ذراع طويلة وقدرة بعيدة المدى على التأثير ضد خصومها من خلال قدرات صاروخية ومسيرات بعيدة المدى، إضافةً إلى شبكة من الوكلاء في عدد كبير من الدول، إستطاعت من خلالهم تهديد أهم قطاع إقتصادي في العالم، في محاولة لتثبيت نفوذها على المنطقة وفرض إرادتها في أي مفاوضات مع  أقوى دول العالم. وروسيا أدركت أن حسم الحرب مع أوكرانيا المدعومة من الغرب، يتعلق بالقدرة على صمود الإقتصاد، والصبر الإستراتيجي في حرب الإستنزاف، وإدامة القدرات العسكرية، وإدارة الموارد المتعلقة بالأمن والدفاع، وتطوير نماذج حديثة من القدرات وصنوف الأسلحة مثل الصورايخ الإستراتيجية والمسيرات .

كل هذا التحليل والعرض يفرض توزيع الميزانية الدفاعية من خلال رؤية مختلفة لبناء القوة، حيث يتم بناء القدرات المطلوبة ككل وبشكلٍ متكامل، وليس وفقاً لبناء وتعزيز الأفرع منفردة، فيمكن بدلاً من صرف الميزانية على: الجيش، القوات البحرية، القوات الجوية، رصد قسم منها على: الوعي الاستخباري، القيادة والسيطرة، الاستطلاع، الحرب الإلكترونية، الدفاع الجوي، الضربات الدقيقة، المسيّرات، الذكاء الاصطناعي، اللوجستية، الدفاع السيبراني…..، والتي تستطيع ملء الفراغ وإقفال الثغرات العملياتية في القدرة العسكرية، بما ينسجم مع مفهوم العمليات متعددة المجالات (Multi-Domain Operations).

ونحن هنا نرى إمكانية لتقديم مفهوم جديد لقياس العائد الاستراتيجي للإستثمار في الميزانيات الدفاعية (Strategic Return on Investment – SROI)، فبدلاً من قياس النجاح بعدد الطائرات أو الدبابات، يُقاس وفقاً لإجابات على أسئلة محددة مثل: كم ارتفعت قدرة الردع؟ إلى أي مدى إكتسب القرار السياسي مزيداً من التحرر وصلابة الموقف؟ كم ازدادت القدرة على كشف تهديدات الصواريخ والمسيرات وكم ارتفعت القدرة على صد هجماتها؟ كيف أصبح مستوى الأمن السيبراني وحماية شبكات القيادة والسيطرة؟ كم تطورت قدرات الإستخبارات والإستعلام؟ ….وبذلك لا تعود ميزانية الدفاع مجرد رقم مادي أو نسبة مئوية تنفقها الدولة، مثل نسبة 2% من الناتج المحلي المعتمدة في دول الناتو، فهذا مسار خاطيء كلياً ولا يوفر عائد إستراتيجي متكافيء مع قيمة الإنفاق، ولا يعكس فهم ووعي إستراتيجي يأخذ بعين الإعتبار طبيعة الصراعات وأشكال الحروب الحديثة.