العميد صلاح الدين أبوبكر الزيداني الأنصاري
يتبادر إلى أذهان الكثيرين السؤال التالي: لماذا الحرب على إيران، وما الذي فعلته ليستوجب غضب أمريكا وحليفتها إسرائيل؟ هل هو التطور التقني ومحاولات الانضمام للنادي النووي التي من الممكن أن تجعلها في مصاف الدول القوية، أم أنه سلطان القوة والهيمنة والتحكم في أحداث العالم التي تبيح لهم الهجوم على من يرون خروجه عليهم لتحجيم قوته أو للقضاء على محاولاته للوصول للسلاح النووي في هذا الزمن.
هذه الحرب تمثل نموذجًا تطبيقيًا مهمًا لفهم تحولات الصراع في القرن الحادي والعشرين فالتصاعد الملحوظ في التوتر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، بلغ ذروته في مواجهة متعددة المستويات اتخذت طابعًا غير تقليدي، حيث لم تندلع حرب شاملة كلاسيكية، بل صراع مركب تداخلت فيه العمليات العسكرية المباشرة مع الحرب السيبرانية، والضربات المحدودة، والحروب بالوكالة.
ما جرى ويجري مع إيران كدولة إسلامية تنتمي للعالم الثالث يثير العديد من التساؤلات: لماذا إيران؟ ولماذا لا يراد لها أن تكون دولة نووية؟ هل يخشون على أنفسهم أم على حليفتهم إسرائيل أم على إختلال النظام العالمي والتوازن العسكري في المنطقة؟
وفق الرواية الإيرانية في التطورات الأخيرة للأحداث الضربات الأمريكية والإسرائيلية لا تستند إلى مبررات قانونية كافية، وحتى إن وُجدت فلا تصل لمستوى شن ضربات جوية وصاروخية من البحر والجو على دولة تهمتها أنها تريد أن تمتلك سلاحاً رادعاً يحفظ أمنها واقتصادها ويجعلها في مصاف الدول الكبرى.
طبيعة الحرب وأشكالها.
لم تكن هذه الحرب تقليدية بالمعنى المعروف (جيوش مقابل جيوش)، بل اتسمت بعدة خصائص وجمعت بين عدة أنواع من الحرب أبرزها الحرب الهجينة التي جمعت بين العمليات العسكرية المحدودة، والهجمات السيبرانية، والعمليات الاستخباراتية وجمعت أيضا ضربات دقيقة ومحدودة اعتمدت الأطراف المتنازعة فيها على استهداف منشآت حساسة (عسكرية أو نووية) دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
والأبرز فيها هو حرب الظل فجزء كبير من المواجهةدار في الخفاء عبر عمليات استخباراتية واغتيالات وهجمات غير معلنة رسميًا مع استخدام الحرب بالوكالة حيث لعبت الجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران دورًا رئيسيًا في توسيع نطاق الصراع.
خلال إعدادي لهذا المقال، تتبعت أصل المواجهات الأمريكية-الإيرانية على فترات من الزمن، لعلنا نصل سويا إلى إجابة وافية عن هذا السؤال، وأيضاً عن حرب الاثني عشر يوماً التي جرت في العام 2025، وعن الضربات الأخيرة في العام 2026م والكثير من الأحداث التي كان لإيران فيها دور كبير ومسار مختصر للعلاقات مابين الحليف السابق والخصم حالياً.
أولاً: من الحليف إلى الخصم كيف انقلبت المعادلة بعد ثورة 1979.
المفارقة التي يغفل عنها كثيرون أن إيران كانت حليفة استراتيجية لأمريكا وإسرائيل قبل عام 1979. والانقلاب الذي دبرته المخابرات الأمريكية والبريطانية عام 1953 ضد رئيس الوزراء محمد مصدق أعاد الشاه محمد رضا بهلوي إلى سدة الحكم بصلاحيات مطلقة، وازدهرت بعده العلاقة الإيرانية الإسرائيلية طوال عهده على أكثر من صعيد أمني واقتصادي واستخباراتي.
غير أنه بقيام الثورة الإسلامية عام 1979 انقلبت المعادلة بالكامل, إذ وصل الإمام الخميني وتياره الديني إلى الحكم في طهران، فقطعت إيران علاقاتها مع إسرائيل، واتهمتها بالإمبريالية واحتلال الأراضي الفلسطينية، وتبنت خطاباً معادياً صريحاً لواشنطن وتل أبيب.
وكانت هذه نقطة التحول الحقيقية التي ينبغي أن ننطلق منها في فهم الصراع: فالعداء ليس دينياً أو حضارياً بقدر ما هو نتاج تبدل موقع إيران من حليف تابع إلى لاعب إقليمي مستقل يرفض الوصاية الخارجية على قراره السيادي.
ثانياً: لماذا إيران تحديداً؟ الإجابة المركبة.
سؤال مقدمة المقال له ثلاث محاور متكاملة للإجابة عليه , ويمكن قراءتها وتفصيلها كالتالي:
- محور الردع النووي: فامتلاك إيران التقنية النووية المحظورة يكسر احتكار إسرائيل الإقليمي للسلاح النووي غير المعلن رسمياً، وهو ما يهدد ما تسميه إسرائيل بـ”الغموض الاستراتيجي” ويجعلها في مواجهة وتحد مستمر.
- محور الوكلاء الإقليميين لايران : المتألف من حزب الله وحماس والحوثيين والفصائل المسلحة في العراق تمنحها نفوذاً يتجاوز حدودها الجغرافية، وهو ما يقلق الرياض وواشنطن وتل أبيب معاً وكل دول الخليج.
- محور النظام السياسي: هناك بعض التفسيرات التي ترى أن الهدف لا يقتصر على تحجيم القدرات العسكرية، بل يمتد إلى استهداف قادة النظام وإضعاف بنيته المؤسسية القوية وفق ما قدمته تقارير بعض مراكز الدراسات البحثية السياسية والعسكرية.
ثالثاً: حرب الاثني عشر يوماً 2025 من حرب الظل إلى المواجهة المباشرة.
بدأت المواجهة المباشرة في أولى ساعات فجر يوم الجمعة 13 يونيو 2025، حين شنّت إسرائيل مدعومة بتقنيات ومتابعة أمريكية هجوماً واسعاً على إيران بهدف وقف ما وصفته بالتقدم السريع لطهران في تطوير الأسلحة النووية، أطلقت عليه اسم “عملية الأسد الصاعد”، واستهدفت مواقع نووية رئيسية ومنشآت عسكرية وقيادات عسكرية وعلماء نوويين إيرانيين.
لم تشارك الولايات المتحدة في الهجوم الإسرائيلي الأولي، لكنها دخلت الصراع في أسبوعه الثاني حين أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقصف عدة مواقع نووية إيرانية بشكل مباشر , ثم توصل الطرفان إلى وقف لإطلاق النار في 24 يونيو 2025 بوساطة أمريكية.
رابعاً: عودة الحرب ما بعد الهدنة في فبراير 2026.
الهدنة كانت هشة ولم تصمد وتستمر طويلاً , إذ لم يمض وقت حتى أطلقت إسرائيل عملية جديدة اسمتها “زئير الأسد”، وفي ذات الوقت أطلقت الولايات المتحدة عملية أسمتها “الغضب الملحمي” بدأت بضربات جوية واسعة النطاق صباح يوم السبت 28 فبراير 2026، لتستهدف عدة مواقع خصوصاً في طهران، تضم القصر الرئاسي ومقار أمنية لمحاولة القضاء على الهيكل التنظيمي للحكومة والحرس الثوري.
وقد سبقت هذه الجولة تعزيزات عسكرية أمريكية كبيرة في الشرق الأوسط شملت نشر حاملات طائرات وأنظمة دفاع جوي ومقاتلات، بالتوازي مع اتهام الرئيس الأمريكي لإيران بإحياء جهودها لبناء أسلحة نووية وتطوير قدرات صاروخية متقدمة يمكن أن تهدد الولايات المتحدة وأوروبا والقواعد الأمريكية في الخارج.
اتسعت رقعة الحرب إقليمياً بشكل لافت فقد تعرضت قواعد ومنشآت في الكويت والبحرين والسعودية والإمارات لهجمات صاروخية ومسيّرات إيرانية جرى التصدي لمعظمها، كما اعترضت قوات حلف الناتو صواريخ باليستية فوق الأراضي التركية بمشاركة سفن حربية أمريكية، فيما أعلنت بريطانيا اعتراض طائرات مسيّرة إيرانية كانت متجهة نحو العراق.
هذا الاتساع الجغرافي للمواجهة يكشف عن طبيعة الحرب الجديدة كصراع إقليمي متعدد الأطراف وليس مجرد ثنائية أمريكية إيرانية.
ميزان القوى الصاروخي والدفاعي.
تمثل القوة الصاروخية الباليستية الركيزة الأساسية للعقيدة العسكرية الإيرانية، إذ تعتمد عليها طهران بوصفها وسيلة الردع التقليدية الأكثر أهمية في مواجهة التفوق الجوي لخصومها، نظراً لعدم تكافؤ القوة الجوية مع إسرائيل وأمريكا.
وتقدر التقييمات العسكرية الحديثة، أبرزها تقييمات القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، أن طهران تمتلك أكثر من 3000 صاروخ باليستي محلية الصنع من مختلف المديات، عدا ترسانتها المتنامية من صواريخ كروز، وهو رقم يتجاوز بكثير التقديرات السابقة.
من الناحية النوعية، تتصدر صواريخ “سجيل” و”خرمشهر” قائمة الأسلحة الأكثر خطورة بمدى يتراوح بين 2000 و3000 كيلومتر وبرؤوس حربية ثقيلة، بينما شهدت التكنولوجيا الصاروخية الإيرانية تحولاً نوعياً من الاعتماد على الوقود السائل في الأجيال الأولى إلى الوقود الصلب في الأجيال الجديدة ، وهو ما يمنحها سرعة أكبر في التحضير للإطلاق وصعوبة أكبر في الرصد المسبق.
ويرى خبراء عسكريون أن العامل الأبرز الذي أربك منظومات الاعتراض الإسرائيلية لم يكن قوة صاروخ بعينه أو حجم الرشقة الصاروخية ، بل التنوع التقني المتعدد الأوجه في المنظومات الصاروخية الإيرانية، الذي يجعل التصدي لكل موجة إطلاق مهمة مختلفة عن سابقتها.
وفي المقابل اعتمدت إسرائيل استراتيجية “المظلة متعددة المستويات”، وتُعد منظومتا “آرو-2″ و”آرو-3” حجر الأساس فيها ضد الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، إذ صُممتا للاعتراض داخل الغلاف الجوي وخارجه وتفكيك الرؤوس الحربية بعيداً عن المناطق المأهولة.
على الجانب الآخر، أظهرت إيران قدرة دفاعية صاروخية تفوق التقديرات المسبقة؛ إذ ساهمت أنظمتها الصاروخية الموجّهة ومسيراتها من مختلف الأنواع في رسم المشهد العسكري في المنطقة بشكل عام وواقعي وهذا الوضع أعاد الجدل حول مدى قدرات طهران الدفاعية والهجومية الفعلية رغم إعلان واشنطن تدمير هذه الأنظمة في الأيام الأولى من الحرب.
استنزاف بلا حسم , لماذا لم تتكرر سرعة الجولة الأولى؟
على خلاف حرب 2025 التي حُسمت خلال اثني عشر يوماً بوقف إطلاق نار سريع، تحولت جولة 2026 بعد شهر من انطلاقها من حرب خاطفة إلى حرب استنزاف، مع غموض أمريكي متزايد بشأن أهدافها ومداها الزمني , وهذا التحول مؤشر مهم: فالجولة الثانية لم تحقق حسماً سريعاً ، بل تحولت إلى استنزاف طويل، مما يعكس تصلب الموقف الإيراني رغم حجم الأضرار التي لحقت ببنيته العسكرية والقيادية.
هدنة أم سلام؟ قراءة في هشاشة الاتفاق الأخير.
بعد أشهر من الاستنزاف، توصل الطرفان إلى اتفاق لإنهاء العمليات العسكرية وبدء مفاوضات تفصيلية لمدة ستين يوماً للوصول إلى تسوية دائمة غير أن هذا الاتفاق حمل بذور هشاشته في تعدد جولاته؛ إذ أعلنت إسرائيل نفسها أنها ليست طرفاً ملزماً بالاتفاق الأمريكي الإيراني، وأن قواتها لن تنسحب من جنوب لبنان. وهذا يكشف أن ما يُوصف بـ”السلام” الحالي هو في جوهره هدنة تكتيكية لا حل استراتيجي، ما دامت الفجوة قائمة بين ما تطلبه واشنطن وهو تفكيك كامل للبرنامج النووي ووقف التخصيب وما ترفضه طهران وهو استبعاد صواريخها الباليستية وحلفائها الإقليميين من أي طاولة تفاوض.
وهذا الوضع جعل هذه الحرب يمثل نموذجًا متقدمًا للحروب الحديثة، حيث تتداخل القوة الصلبة مع القوة الناعمة، ويعاد فيه تعريف مفاهيم الردع والانتصار , حيث أن فهم هذه الحرب لا يقتصر على تحليل أحداثها، بل يتطلب استيعاب التحولات العميقة في طبيعة الصراع الدولي، والتي ستشكل ملامح الحروب المستقبلية لعقود قادمة.
كيف غيّرت هذه الحرب مفهوم الردع؟
أظهرت الحرب الإيرانية–الأمريكية–الإسرائيلية أن مفهوم الردع العسكري لم يعد يقوم على منع الخصم من استخدام القوة بصورة مطلقة، كما كان سائداً خلال الحرب الباردة، بل أصبح يهدف إلى إدارة التصعيد والحد من نطاقه مع الحفاظ على القدرة على إيقاع تكلفة مرتفعة بالطرف الآخر وضمن هذا السياق برزت عدة تحولات رئيسية:
– من الردع بالعقاب إلى الردع بالاستنزاف.
كان الردع التقليدي يقوم على التهديد برد ساحق يمنع الخصم من المبادرة بالهجوم، أما في هذه الحرب فقد استمرت العمليات العسكرية رغم الضربات المتبادلة، ما يشير إلى أن الأطراف أصبحت تتقبل قدراً من الخسائر مقابل تحقيق أهدافها السياسية والعسكرية، وهو ما يجعل الردع وسيلة لإدارة الحرب وليس لمنعها بالكامل.
– الردع متعدد المجالات.
لم يعد الردع قائماً على الصواريخ أو القوة الجوية وحدها، بل أصبح نتاجاً لتكامل القدرات الصاروخية، والدفاعات الجوية، والحرب السيبرانية، والاستخبارات، والفضاء، والقدرات الاقتصادية والإعلامية. وأصبح نجاح أي طرف في هذه المجالات مجتمعة أكثر تأثيراً من تفوقه في مجال منفرد.
– صعود الردع الشبكي عبر الوكلاء.
أثبتت الحرب أن النفوذ الإقليمي لم يعد يقاس فقط بحجم القوات المسلحة النظامية، وإنما أيضاً بقدرة الدولة على توظيف حلفائها وشركائها الإقليميين لتوسيع نطاق الضغط العسكري والسياسي دون الانخراط المباشر في كل جبهة، وهو ما جعل أي مواجهة ثنائية معرضة للتحول إلى صراع إقليمي متعدد الساحات.
– تراجع فكرة النصر الحاسم.
كشفت الحرب أن امتلاك التفوق العسكري أو التكنولوجي لا يضمن تحقيق نصر نهائي، إذ تمكن كل طرف من الاحتفاظ بجزء معتبر من قدراته القتالية والاستمرار في توجيه الضربات، الأمر الذي عزز مفهوم الردع المتبادل القائم على قدرة كل طرف على إلحاق ضرر مستمر بالطرف الآخر حتى بعد تعرضه لهجمات واسعة.
– عودة أهمية الردع التقليدي في ظل غياب الردع النووي.
رغم استمرار الحديث عن البرنامج النووي الإيراني، فإن المواجهة دارت في معظمها باستخدام وسائل تقليدية متطورة، ما يعكس تزايد أهمية الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والدفاعات الجوية باعتبارها أدوات الردع الرئيسية في النزاعات الإقليمية المعاصرة.
أكدت هذه الحرب مبدأً جديداً وهو أن الردع لم يعد يعني منع الحرب بصورة مطلقة، بل أصبح يعني منع انهيار التوازن الاستراتيجي، وإدارة التصعيد ضمن حدود تمنع تحوله إلى مواجهة شاملة. وبذلك انتقل مفهوم الردع من معادلة «منع الخصم من الهجوم» إلى معادلة أكثر تعقيداً تقوم على “إقناع الخصم بأن تكلفة استمرار التصعيد ستظل مرتفعة، حتى وإن لم تمنعه من البدء به”.
الدروس المستفادة.
- نهاية الحروب التقليدية الكبرى (نسبيًا) حيث تبين أنالقوى الكبرى باتت تتجنب المواجهة المباشرة.
- أهمية الردع متعدد الأبعاد اذلم يعد الردع عسكريًا فقط، بل أصبح يشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام والفضاء السيبراني.
- صعود الفاعلين غير الدوليين الذينأصبحوا عنصرًا حاسمًا في ميزان القوى.
- إدارة التصعيد أهم من الحسم العسكري فالهدف لم يعد الانتصار الكامل، بل تجنب الخسارة الكبرى والحفاظ على التوازن.
- الصراع لم يعد يبدأ وينتهي، بل هو حالة دائمة منخفضة الحدة مرهقة التكاليف لكل الأطراف.
- أهمية المعلوماتوالتفوق الاستخباراتي الذي كان حاسمًا أكثر من التفوق العددي.
هذه الحرب تُظهر أن العالم دخل مرحلة جديدة من الصراعات يمكن وصفها بـ”حروب اللا حسم”، حيث لا يوجد منتصر واضح ولا مهزوم بشكل كامل بل توازن هش قائم على الردع المتبادل وهو ما يعكس انتقال النظام الدولي من منطق الحسم العسكري إلى منطق إدارة الصراع.
وهكذا يتضح أن ما جرى ويجري بين طهران وواشنطن وتل أبيب ليس صراعاً عابراً تطفئه هدنة أو يبرمه اتفاق مؤقت، بل هو صدام إرادات متجذر في تاريخ من الريبة المتبادلة، يتجدد كلما ظن أحد الطرفين أنه اقترب من الحسم.
فحرب الاثني عشر يوماً التي ظُنّ أنها كسرت شوكة إيران، عادت لتتجدد بعد أشهر قليلة في حرب أشد ضراوة وأطول أمداً، لتؤكد أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع سلاماً دائماً، وأن الاتفاقات التي تُعقد تحت وطأة القصف تحمل في طياتها بذور انهيارها، ما لم تبن على اعتراف متبادل بحق كل طرف في أمنه وسيادته.
فسبيل الحل الحقيقي لا يكمن في مزيد من الغارات ولا في مهل تمنح ثم تخترق، بل في حوار متكافئ يعترف بأن إيران دولة إقليمية لها مصالحها المشروعة، وأن الأمن لا يبنى على إقصاء طرف وإخضاعه، وإنما على توازن يحفظ لكل الأطراف حقها في العيش دون خوف , فهل تملك الإرادة السياسية في طهران كما في واشنطن وتل أبيب الشجاعة الكافية لاختيار هذا الطريق الأصعب، أم أن التاريخ سيعيد نفسه كما اعتاد في حروب وغارات تتلو بعضها من التصعيد والهدنة الهشة؟






