من شراء السلاح إلى صناعته: هل تتحول مصر إلى قاعدة للصناعات الدفاعية التركية؟

لم يعد التعاون الدفاعي بين تركيا ومصر يقتصر على شراء منظومات أو توقيع اتفاقيات توريد، بل بدأ يتجه نحو نموذج أكثر تعقيدًا يقوم على تطوير القدرات والإنتاج المشترك ونقل الخبرات والتكنولوجيا. وإذا استمر هذا المسار، فقد تتحول مصر تدريجيًا من سوق للمنتجات الدفاعية التركية إلى شريك صناعي يمكن أن يخدم أيضًا أسواقًا ثالثة في إفريقيا والمنطقة العربية.

وقعت تركيا ومصر، في تموز/ يوليو 2026، خطاب نوايا لإقامة إطار للتعاون في الصناعات الدفاعية وتطوير القدرات المشتركة، بحسب رئاسة الصناعات الدفاعية التركية (SSB). ولم يبق التعاون عند المستوى الحكومي، إذ انتقل سريعًا إلى الجانب الصناعي.

فقد أعلنت وزارة الإنتاج الحربي المصرية توقيع مذكرة تفاهم مع شركة MKE التركية للتعاون في مجالات دفاعية، وتبادل الخبرات والتكنولوجيا، والاستفادة من القدرات التصنيعية لدى الطرفين. وفي السياق نفسه، أعلنت MKE إنشاء شركة Zafer في القاهرة لتطوير مشاريع إنتاج مشتركة، مشيرة إلى أن وجودها في مصر يستهدف أيضًا أسواق إفريقيا والخليج.

لكن أهمية هذا المسار تظهر بصورة أوضح في المشاريع التي تتجاوز نموذج التصدير التقليدي.

ففي مشروع HAMZA-1، وقعت HAVELSAN والهيئة العربية للتصنيع (AOI) اتفاقًا يتعلق بالمسيّرة التي طورها الطرفان، بعد اتفاق سابق للتعاون في إنتاج طائرات مسيرة ذات إقلاع وهبوط عمودي (VTOL) في مصر. ووفق وكالة الأناضول، جمع المشروع بين خبرة HAVELSAN في الأنظمة الذاتية وقدرات الهيئة العربية للتصنيع في مجال الإنتاج.

هذه التطورات تشير إلى تغير مهم في طبيعة العلاقة. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بعدد المنظومات التي يمكن لتركيا بيعها إلى مصر، وإنما بحجم القيمة التي يمكن للطرفين إنتاجها داخل مصر.

من المشتري إلى الشريك الصناعي

عندما تنتقل العلاقة من بيع منظومة جاهزة إلى المشاركة في تطويرها وتصنيعها، تتغير طبيعة العلاقة بين الطرفين.

بالنسبة إلى مصر، يمكن لهذا النموذج أن يوفر وصولًا أوسع إلى الخبرات والتقنيات، إلى جانب تطوير قدرات محلية في الإنتاج والصيانة والتحديث. ومع تراكم الخبرات، يمكن أن تمتد الشراكة من تصنيع منظومات محددة إلى تطوير قدرات صناعية أكثر اتساعًا.

أما تركيا، فتحصل على أكثر من عائدات التصدير. فهي تكتسب شريكًا صناعيًا محليًا، وقاعدة إنتاج خارجية، وإمكانية للوصول إلى أسواق جديدة، إضافة إلى توسيع شبكة سلاسل الإمداد المرتبطة بصناعاتها الدفاعية.

وتمنح مصر هذه الشراكة قيمة إضافية بحكم موقعها الجغرافي، وقاعدتها الصناعية، وعلاقاتها مع أسواق إفريقيا والعالم العربي. وهنا تحديدًا تظهر أهمية البعد التصديري.

إذا تطورت المشاريع المشتركة من اتفاقات محدودة إلى برامج إنتاج مستمرة، فقد لا يكون الهدف النهائي هو تلبية احتياجات السوق المصرية فقط. يمكن أن يصبح جزء من الإنتاج موجهًا إلى أسواق ثالثة، وهو ما يفسر أهمية إعلان MKE عن استهداف الأسواق الإفريقية والخليجية من خلال وجودها في مصر.

هل تصبح مصر قاعدة إقليمية؟ هذا هو السؤال الأهم في قراءة المسار التركي–المصري.

ليس من الممكن القول إن مصر أصبحت بالفعل قاعدة إقليمية للصناعات الدفاعية التركية، لكن المؤشرات الحالية تفتح الباب أمام هذا الاحتمال إذا توسعت المشاريع المشتركة وارتفعت نسبة التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا.

وفي هذه الحالة، يمكن أن تتطور العلاقة على 3 مستويات متوازية: إنتاج منظومات للقوات المصرية، تطوير قدرات صناعية مشتركة، ثم تسويق بعض المنتجات في أسواق خارجية.

وهذا النموذج، إذا نجح، سيكون مختلفًا جذريًا عن علاقة المورّد بالمشتري.

فالشراكة الصناعية طويلة الأمد تخلق مصالح مشتركة في الإنتاج والصيانة وسلاسل الإمداد والتحديث والتطوير. ومع ارتفاع حجم الاستثمار والتكنولوجيا والخبرات المتبادلة، تصبح العلاقة الصناعية نفسها جزءًا من العلاقة الاستراتيجية بين الدولتين.

ماذا يعني ذلك للخليج؟

لا تقتصر أهمية هذا التحول على مصر وتركيا.

دول الخليج التي تعمل على توطين الصناعات الدفاعية وتنويع الشراكات التقنية يمكن أن تراقب هذا النموذج باهتمام، خصوصًا إذا أثبتت المشاريع التركية–المصرية قدرتها على الانتقال من الإنتاج المحلي إلى تطوير منتجات قابلة للتصدير.

وقد يفتح ذلك مستقبلًا المجال أمام نماذج تعاون ثلاثية، تجمع بين الخبرة التقنية التركية، والقدرات التصنيعية المصرية، والاستثمارات أو الطلب من دول أخرى في المنطقة.

لكن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب أكثر من توقيع مذكرات تفاهم. العامل الحاسم سيكون قدرة الطرفين على تحويل الاتفاقات إلى خطوط إنتاج فعلية، ونقل معرفة مستدام، وبرامج تطوير مشتركة، ومنتجات تتمتع بقدرة تنافسية في الأسواق الخارجية.

وبغض النظر عن الطرف الذي بادر إلى دفع هذا المسار، فإن الأهم استراتيجيًا هو طبيعة النموذج الذي بدأ يتشكل.

فمصر وتركيا لا تختبران فقط صيغة جديدة للتعاون الدفاعي بين دولتين، بل تضعان أساسًا محتملًا لعلاقة تجمع بين التكنولوجيا والإنتاج والأسواق.

وإذا نجح هذا النموذج، فقد لا تكون القيمة الأكبر في المنظومة التي يتم إنتاجها اليوم، بل في القدرة الصناعية التي يمكن أن تُبنى حولها غدًا.

تقرير العقيد الركن م. ظافر مراد