“رافال” فرنسا تنضم إلى سرب أوكرانيا: تحول استراتيجي يُعيد رسم موازين الجو في أوروبا

رافال

أكد السفير الفرنسي لدى السويد تييري كارليه، في الأول من يونيو/ حزيران 2026، أن مقاتلات “رافال” ستنضم قريباً إلى ترسانة الطائرات الغربية التي باتت تُشكّل العمود الفقري لسلاح الجو الأوكراني، لتقف جنباً إلى جنب مع “إف-16” و”ميراج 2000-5″ و”غريبن” في مسيرة تحوّل غير مسبوق يخرج بأوكرانيا نهائياً من دائرة الموروث الجوي السوفياتي.


من كييف السوفياتية إلى أوروبا الغربية: قفزة جيلين في أربع سنوات

في فبراير/ شباط 2022، كان سلاح الجو الأوكراني يعتمد كلياً على مقاتلات “ميغ-29” و”سو-27″، المُصمَّمة وفق العقيدة العسكرية والمنظومة اللوجستية السوفياتية. وبحلول منتصف 2026، انتقلت أوكرانيا إلى أسطول غربي قيد التشكّل يضم “إف-16″ و”ميراج 2000-5” و”غريبن”، في تسارع يعكس الدعم السياسي والعسكري غير المسبوق الذي تتلقاه كييف من حلفائها الغربيين.

وكانت قمة الأول من يونيو/ حزيران امتداداً لإعلان جوهري سبقها؛ إذ وقّع الرئيسان إيمانويل ماكرون وفولوديمير زيلينسكي في السابع عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 إعلان نية يرسم إطاراً لاقتناء ما يصل إلى مئة مقاتلة “رافال” بحلول عام 2035.


أسطول يتخطى المئتين: الأرقام والمصادر

بحسب التعهدات القائمة، قد تدخل أوكرانيا مطلع ثلاثينيات هذا القرن وهي تشغّل خمسة أنواع من المقاتلات الغربية في آنٍ واحد:

تمثّل مقاتلات “إف-16 إيه إم/بي إم إم إل يو” العمود الرقمي للأسطول المستقبلي؛ إذ أقرّت هولندا بنقل 24 مقاتلة، والدنمارك 19، والنرويج 22 (بعضها لأغراض قطع الغيار)، فيما تناقش بلجيكا التنازل عن ما يصل إلى 30 مقاتلة، مما يرسم أسطولاً محتملاً يتراوح بين 75 و98 وحدة تشغيلية.

أما مقاتلات “ميراج 2000-5 إف” الفرنسية، فقد بلغ عدد الواصلة منها ثلاث طائرات بحلول مطلع 2026 من أصل ستة مُتعهَّد بها، في حين تفتح مباحثاتٌ حول مقاتلات “ميراج” اليونانية وتلك القطرية المتقاعدة آفاقاً لأسطول قد يبلغ بين 15 و40 طائرة.

وعلى الصعيد السويدي، أقرّت ستوكهولم نقل 16 مقاتلة “غريبن سي/دي”، مع مباحثات متقدمة لبيع 20 مقاتلة “غريبن إي/إف” كدفعة أولى ضمن مستهدف قد يبلغ بين 100 و150 طائرة على المدى البعيد.

مجتمعةً، تشير هذه الأرقام إلى أن أوكرانيا لا تسعى إلى استبدال مقاتل بمقاتل؛ بل هي تُشيّد قوة جوية تكتيكية غربية قد تتجاوز مئتي مقاتلة، تفوق في حجمها عدة جيوش جو لدول حليفة في الناتو.


“رافال إف4”: المقاتل الذي يُغيّر قواعد اللعبة

تنضمّ “رافال” بمواصفاتها المرجعية في إصدار “إف4” حاملةً تفوقاً نوعياً واضحاً على ما يشغله سلاح الجو الأوكراني حالياً. بوزن إقلاع أقصى يبلغ 24.5 طناً، وسعة وقود داخلي تتخطى 4.7 أطنان، وحمولة خارجية تصل إلى 9.5 أطنان موزعة على أربعة عشر نقطة تعليق، تمتلك “رافال” مدى قتالياً يتجاوز ألف كيلومتر؛ مما يمنحها القدرة على شنّ ضربات في العمق ضد مراكز القيادة والبنى اللوجستية والقواعد الجوية والأهداف البحرية البعيدة عن خطوط الاشتباك المباشر.

وتتكامل هذه الإمكانات مع منظومة تقنية رفيعة تضمّ رادار “آر بي إي 2 إيه إيه” (AESA)، ونظام الحرب الإلكترونية “سبيكترا”، وأجهزة الاستشعار الأمامي للقطاع الأمامي، وحقيبة أسلحة تشمل صاروخ “سكالب إي جي” للضرب البعيد، و**”ميكا إي إم/آي آر”** و**”ميتيور”** للاشتباك خارج المدى البصري، و**”آزم هامر”** للضربات الدقيقة، و**”إيزوسيت”** للأهداف البحرية.

مقارنةً، تحمل “إف-16 إم إل يو” وقوداً داخلياً يبلغ نحو 3.1 طن وحمولة خارجية حول 7.7 طن، فيما تصل سعة وقود “غريبن إي” إلى نحو 3.4 طن بحمولة خارجية قرب 7 أطنان. والفارق ليس مجرد أرقام: فكل مئة كيلومتر مدى إضافياً يعني أهدافاً مختلفة تماماً يمكن بلوغها، وكل طنٍّ إضافي في الحمولة يعني طلعةً بدون منظومات دعم إضافية.


“رافال” في مواجهة “غريبن”: المقارنة الأكثر دلالة

لعلّ المقارنة الأجدى هي تلك بين “رافال إف4” و**”غريبن إي”**، لا بين “رافال” و”إف-16″؛ إذ تتشابه المقاتلتان في انتمائهما الجيلي: كلتاهما تعتمد رادار AESA ومنظومات حرب إلكترونية وروابط بيانية رقمية ومتوافقة مع صاروخ “ميتيور”. تحديداً:

  • تجمع “غريبن إي” بين رادار “رافن إي إس-05” (AESA) ونظام “سكاييورد-جي” للكشف بالأشعة تحت الحمراء، مع مزايا التشغيل من مطارات ثانوية وطرق سريعة بفرق صيانة صغيرة وتكاليف تشغيل أدنى.
  • تجمع “رافال إف4” بين الرادار والحرب الإلكترونية والاستشعار الأمامي مع حمولة أثقل ومدى أطول وقدرة أعلى على اختراق الفضاء الجوي المحمي.

وتُبرز الجغرافيا الأوكرانية والبيئة التشغيلية في ظروف الحرب مزايا متمايزة لكلا المقاتلتين: “غريبن” للتوزع والمرونة وإرباك مراكز الاستهداف، و”رافال” لتوليد أثر قتالي أكبر بطلعات أقل عدداً.


الكمّ في مواجهة الكيف: معادلة الأسراب

رغم التفوق النوعي لـ”رافال”، يظل حجم الأسطول متغيراً استراتيجياً لا يمكن تجاهله. فأسطول من 80 مقاتلة “إف-16” بمعدل طلعتين يومياً يُنتج 160 طلعة قتالية في الأربع والعشرين ساعة، في حين يُولّد أسطول من 24 مقاتلة “رافال” بالمعدل ذاته 48 طلعة فحسب. ومهما عظمت الحمولة في كل طلعة، يبقى الفارق العددي بالغ التأثير على المخرج القتالي اليومي.

هذا ما يطرح أمام مخططي القوة الأوكرانية تساؤلاً جوهرياً: هل تتطلب الحاجة التشغيلية مئة مقاتلة “رافال”، أم أن أسطولاً يتراوح بين 24 و48 طائرة كافٍ لتوفير القدرة النوعية في الضرب العميق والاعتراض الاستراتيجي، تتولى أعداد أكبر من “إف-16″ و”غريبن” توفير الكتلة القتالية اللازمة للعمليات اليومية؟


تكامل الأسلحة: الأثر الأعمق من الطائرات

قد تكون حقيبة الأسلحة أكثر أهمية من الطائرة نفسها على المدى البعيد. تشغّل أوكرانيا بالفعل صواريخ “أيم-120 أمرام” على “إف-16″، و**”ميكا”** على “ميراج 2000-5”. ويضيف “غريبن” و”رافال” إمكانية دمج صاروخ “ميتيور” بعيد المدى، مما يمنح المنظومة الجوية الأوكرانية تنويعاً في الباحثات وأغلفة الاشتباك يُرغم المخططين الروس على مواجهة سيناريوهات أشد تعقيداً.

ويحمل صاروخ “سكالب إي جي” ثقلاً إضافياً، كون أوكرانيا تملك تجربة تشغيلية مع هذا السلاح سابقاً، مما يعني أن “رافال” ستدخل على منظومة هجومية جاهزة دون الحاجة إلى بناء قدراتها من الصفر.


خلاصة: سؤال التصميم لا الاقتناء

لا تواجه أوكرانيا في مرحلتها الراهنة سؤالاً عن كفاءة “رافال”، فهذه مُسلَّمة لا جدال فيها، بل تواجه سؤالاً أكثر تعقيداً عن تصميم القوة: كيف توزّع استثماراتها بين عدد “رافال” وعدد “إف-16” وعدد “غريبن”، وكيف توازن بين التفوق النوعي في الضربات العميقة والكتلة الكمية في العمليات اليومية؟ وسيكون الجواب عن هذا السؤال، أكثر من أي صفقة مقاتلات، هو ما يحدد ملامح القوة الجوية الأوروبية في العقد المقبل.