الصين تختبر صاروخًا نوويًا قادرًا على ضرب أهداف على بُعد 10,000 كيلومتر

أجرت البحرية التابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني، يوم الاثنين 6 يوليو/ تموز 2026، تجربة إطلاق صاروخ استراتيجي من غواصة نووية، تتمتع بقدرة على إصابة أهداف داخل الأراضي القارية للولايات المتحدة، في خطوة تحمل دلالات ردع استراتيجي واضحة.

ووفق التقديرات المتاحة، يُرجَّح أن يكون الصاروخ الذي خضع للاختبار هو «جيه إل-3»، وهو صاروخ باليستي يُطلق من الغواصات من الجيل الثالث ضمن منظومة الردع البحري الصيني، ويعمل بالوقود الصلب.

وتنتمي سلسلة صواريخ «جولانغ»، التي يعني اسمها بالصينية “الموجة الكبرى”، إلى فئة الصواريخ الباليستية العابرة للقارات المصممة خصيصًا لتسليح الغواصات النووية الصينية.

وأوضح المتحدث باسم البحرية الصينية، الكابتن الأول وانغ شيويه منغ، أنه في تمام الساعة 12:01 ظهرًا من يوم الاثنين، نجحت البحرية الصينية في إطلاق الصاروخ الاستراتيجي من غواصة نووية استراتيجية، مزودًا برأس حربي تجريبي غير قتالي، باتجاه منطقة محددة في المياه الدولية بالمحيط الهادئ، حيث أصاب هدفه البحري المحدد بدقة عالية.

وشدد وانغ على أن هذا الإطلاق يندرج ضمن برنامج التدريب العسكري السنوي الاعتيادي الذي تجريه الصين، مؤكدًا أنه جرى إخطار الدول المعنية مسبقًا بإجراء الاختبار، في محاولة لنزع الطابع التصعيدي عن الخطوة.

ويُعد هذا الإطلاق ثاني اختبار استراتيجي تجريه الصين، منذ أن أطلقت صاروخًا باليستيًا عابرًا للقارات نحو المحيط الهادئ في 25 سبتمبر/ أيلول 2024، وهو الاختبار الذي كان الأول من نوعه منذ عام 1980، حيث يعكس ذلك تسارعًا ملحوظًا في وتيرة اختبارات الردع النووي الصيني خلال العامين الأخيرين.

Chinese JL 3 missile 4.jpg

«جيه إل-3»… السلاح الذي يمنح الصين “قدرة ثانية على الرد” من أعماق المحيطات

وتشير التقديرات، بحسب تحليل نشرته مجلة “ذا ناشيونال إنترست” الأمريكية، إلى أن مدى «جيه إل-3» يتجاوز 10,000 كيلومتر، فيما ترفع مصادر تحليلية أخرى هذا التقدير إلى ما بين 12,000 و13,000 كيلومتر. ويظل هذا التفاوت في الأرقام قائمًا نظرًا لغياب أي مواصفات رسمية معلنة من الجانب الصيني حتى الآن، ما يجعل الاعتماد على تقديرات مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام المتخصصة أمرًا لا بد منه، مع التحفظ على دقتها المطلقة.

ويأتي التحول الأبرز في «جيه إل-3» مقارنة بسلفه «جيه إل-2»، الذي كان مداه محصورًا بين 7,200 و8,000 كيلومتر تقريبًا، في أن الصاروخ الجديد يتيح للغواصات الصينية من طراز «تايب 094» (Jin-class) إطلاق ضرباتها من مياه ساحلية قريبة نسبيًا، مثل بحر الصين الجنوبي أو خليج بوهاي، دون الحاجة إلى المجازفة بالتوغل عميقًا داخل المحيط الهادئ حيث تتمتع القوات الأمريكية المضادة للغواصات بتفوق واضح. وترى تحليلات غربية أن هذا التطور يرفع بشكل ملموس من قدرة الغواصات الصينية على البقاء والصمود في أي سيناريو نزاع محتمل.

ومن الناحية التقنية، يعمل «جيه إل-3» بالوقود الصلب، ما يمنحه زمن إعداد أقصر للإطلاق مقارنة بالصواريخ التي تعمل بالوقود السائل، ويقلص بالتالي من مدة تعرّض الغواصة على السطح أو قربه. كما يُرجَّح أنه يعتمد نظام إطلاق بارد (cold-launch) يسمح بدفع الصاروخ خارج الغواصة قبل إشعال محركه، ما يحد من احتمالية كشفه لحظة الإطلاق.

أما بخصوص الحمولة، فتذكر تحليلات مبنية على تقديرات “ذا ناشيونال إنترست” أن الصاروخ قادر على حمل ما بين 3 و5 رؤوس حربية نووية مستقلة التوجيه (تقنية MIRV)، فيما تذهب مصادر أخرى أقل توثيقًا إلى تقديرات أعلى تصل إلى 10 رؤوس، وهو رقم لم يحظَ بتأكيد مستقل من مصادر استخباراتية غربية رسمية حتى تاريخه، وينبغي التعامل معه بوصفه تقديرًا تحليليًا وليس حقيقة مؤكدة. وتتيح هذه التقنية، في حال صحتها، توزيع الرؤوس على أهداف متعددة ومستقلة، إضافة إلى دمج رؤوس وهمية ووسائل مساعدة على اختراق أنظمة الدفاع الصاروخي المعادية.

وفي ما يخص الدقة، تفيد التقديرات بأن «جيه إل-3» يعتمد نظام توجيه يجمع بين الملاحة القصورية وشبكة تحديد المواقع الصينية «بيدو» (BeiDou)، مع احتمال الاستعانة بالملاحة الفلكية كوسيلة مساندة، بما يمنحه دائرة خطأ محتمل (CEP) تُقدَّر بنحو 100 إلى 150 مترًا عند أقصى مدى، وفق ما نقلته تقارير متخصصة. وتُظهر هذه المصادر أن كل غواصة من طراز «جين» يمكن أن تحمل نحو 12 صاروخًا من هذا الطراز.

ووفق تحليل “ذا ناشيونال إنترست”، بدأ تطوير «جيه إل-3» مطلع عقد 2010، وفُصل لاحقًا في عام 2020 عن برنامج الغواصات من الجيل التالي «تايب 096» بهدف تسريع وتيرة إنجازه. وأكدت البحرية الأمريكية في عام 2022 أن غواصات «تايب 094» أُعيد تسليحها بهذا الصاروخ، في مؤشر على دخوله الخدمة الفعلية. وظهر «جيه إل-3» علنًا لأول مرة خلال العرض العسكري الذي أقامته الصين في بكين يوم 3 سبتمبر/ أيلول 2025 لإحياء الذكرى الثمانين لانتصارها في الحرب ضد اليابان، إلى جانب صواريخ استراتيجية أخرى من قبيل «دي إف-5 سي» و«دي إف-31» و«دي إف-61».