أ.د. غادة محمد عامر
زميل ومحاضر الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجي
أستاذ هندسة النظم الكهربائية – جامعة بنها
انتقل الذكاء الاصطناعي خلال العامين الأخيرين من أداة مساندة في معالجة البيانات إلى عنصر مؤثر مباشرة في دورة الاستهداف وصناعة القرار العملياتي، وقد شهدت منطقتنا، لا المختبرات الغربية، أول تطبيق ميداني واسع لهذه القدرات. وقد زاد النقاش الدولي هذا الشهر حول احتمال فقدان السيطرة على النماذج المتقدمة، وتُرجم إلى مطالبات بمفاتيح إيقاف إلزامية في المملكة المتحدة ودعوات في الكونغرس الأميركي إلى تعليق تطويرها. لكنه نقاش يدور في الغرب بصيغة المخاطر المحتملة، أما في الشرق الأوسط فقد وقع الأمر بالفعل حيث استخدمت على منطقتنا برامج تختار أهدافاً للقصف، وأنظمة تجمع الاستخبارات من مصادر كثيرة وتحلّلها، وأدوات متاحة للجميع على الإنترنت استُخدمت في صناعة أسلحة. وأهمية هذه التقنية عسكرياً لا تأتي من كونها سلاحاً جديداً، بل من أمرين هامين أولهما إنها تختصر زمن القرار في ساحة المعركة، وهو قرار يمر بأربع خطوات هي ملاحظة ما يجري، ثم فهمه وتحديد موقعه من الصورة العامة، ثم اختيار ما يجب فعله، ثم تنفيذه، وهي الدورة المعروفة عسكرياً باسم OODA اختصاراً لعباراتها الإنجليزية (Observe–Orient–Decide–Act)؛ والثاني أنها تجعل امتلاك قدرات متقدمة أرخص وأسهل على من لم يكن يقدر عليها. وكلاهما يغيّر موازين الردع في المنطقة مباشرة.
توظيف الذكاء الاصطناعي في دورة الاستهداف
لقد اعتمد الجيش الإسرائيلي في حرب غزة منذ أكتوبر 2023 على أنظمة تحلّل بيانات ضخمة لترشيح الأهداف وتسريع دورة القرار، وهو ما وثّقته تقارير إسرائيلية وغربية ودراسات عربية، من بينها مؤسسة الدراسات الفلسطينية ومركز المستقبل للأبحاث ومجلة دفاع العرب، وهي قدرات تمتدّ جذورها إلى الوحدة 8200 للاستخبارات الإشارية، الحاضنة الأولى لقطاع التقنية الإسرائيلي. ولم تكن هذه المنظومة إسرائيلية خالصة؛ فقد أشارت تقارير إلى دور منصة “مافن” التابعة لشركة “بالانتير” الأميركية في دمج صور الأقمار الصناعية والبيانات البيومترية وإشارات الطائرات المسيّرة وسجلات الاتصالات في قاعدة واحدة، تعالجها خوارزميات ثم تمرّرها إلى الوحدات المنفذة. وهنا ظهرت المشكلة الأخطر؛ فالشركات المطوّرة نفسها اعترفت بأنها تعجز أحياناً عن تفسير كيف وصل البرنامج إلى نتيجة بعينها. وحين يعرض النظام قائمة أهداف يعجز الجميع عن فهم منطقها أو شرحه، تبقى مسؤولية الضربة على القيادة لا على البرنامج.

النماذج التجارية بوصفها ممكّناً للتسليح
أعلنت شركة “أنثروبيك” في سبتمبر 2026 رصدها استخدام خلية يمنية لنموذجها “كلود” في تطوير برمجيات توجيه وملاحة لثلاثة مشروعات صاروخية. ودلالة الحادثة أن الخلية لم تحتج إلى قنوات نقل معرفة تقليدية ولا إلى فريق هندسي متخصص، بل إلى أداة تجارية متاحة عالمياً بكلفة زهيدة. ومعنى ذلك أن النماذج العامة صارت أداة مزدوجة الاستخدام تخفض عتبة اكتساب القدرات لدى الفاعلين من غير الدول في إقليم مشبع بهم، بما يستدعي إعادة النظر في أطر الردع القائمة على احتكار الدول للخبرة الهندسية. يضاف إلى ذلك أن الإفصاح لا يجري بمعيار واحد؛ فحالة الخلية اليمنية أُعلنت سريعاً وبتفصيل، بينما لم تُعلن بالقدر نفسه استخدامات مشابهة لمنصات أميركية في عمليات أخرى. ولذلك لا يصحّ أن يُبنى تقدير الموقف الوطني على بلاغات طوعية، بل على قدرة تقييم مستقلة نملكها نحن.
إسرائيل في سلسلة إمداد التقنية
وإذا كان ما سبق يخص استخدام هذه الأدوات، فالأهم من يصنعها. وهنا يقع التحول الحقيقي في حالة إسرائيل، إذ تنتقل من موقع المستخدم إلى موقع المنتج. ففي 16 يناير 2026 وُقّع في تل أبيب إعلان بين مسؤول رفيع في الخارجية الأميركية ورئيس المديرية الوطنية الإسرائيلية للذكاء الاصطناعي، رأى فيه محللون تمهيداً لإقامة قاعدة أميركية للذكاء الاصطناعي هناك ضمن التنافس مع الصين، فيما تُبحث خيارات لتحويلها إلى حلقة في سلسلة إنتاج الرقائق المتقدمة. لذلك فإن ميزان القوة التقني لم يعد يُقاس بعدد الباحثين، بل بموقع الدولة من سلسلة الإنتاج؛ فمن يعتمد كلياً على أنظمة تُدار من الخارج يترك بيده نقطة ضعف تُستخدم ضده وقت الأزمات.
الموقف العربي
الدول العربية ليست غائبة؛ فقد أنشأ عدد منها مجالس وطنية للذكاء الاصطناعي، وأصدر استراتيجيات حُدّثت أكثر من مرة، ثم أطراً للحوكمة وأدلة لاستخدام النماذج التوليدية، وصارت المنطقة تستضيف مؤتمرات كبرى تجمع عشرات الدول. لكن هذه الجهود موجّهة في معظمها إلى الاقتصاد والتنمية، فهي تتحدّث عن مساهمة القطاع في الناتج المحلي، وتدريب القوى العاملة، وزيادة الصادرات الرقمية، وجذب الاستثمار إلى مراكز البيانات. وهنا مكمن الخطر، فهذه الوثائق مكتوبة بلغة التنمية وسوق العمل لا بلغة الأمن وإدارة المخاطر؛ فهي تجيب عن سؤال كيف نستفيد، وتترك بلا إجابة السؤال الأصعب وهو ماذا نفعل حين تتعطل هذه الأنظمة أو تُوجَّه ضدنا؟ وهو السؤال ذاته الذي تبني حوله الدول الصانعة اليوم تشريعاتها وأجهزتها الرقابية.
تقدير المخاطر على الأمن القومي
وتتركز المخاطر ذات الأولوية في ثلاثة، أولها هجمات سيبرانية مدعومة بالذكاء الاصطناعي على البنية التحتية الحرجة، من شبكات الطاقة والمياه إلى الموانئ ومرافق الملاحة؛ وقد بلغ الأمر أن إحدى الشركات المطوّرة صنّفت قدرات نموذجها الأحدث في هذا المجال عند مستوى “حرج” للمرة الأولى. وثانيها عمليات التأثير والتزييف العميق، فيكفي مقطع مفبرك واحد في بيئة إعلامية شديدة الاستقطاب لإشعال أزمة قبل أي اشتباك مادي. وثالثها أثر الأتمتة على سوق عمل شاب يقوم على قطاعات خدمية وتعهيدية معرّضة للاستبدال، وهو ضغط اقتصادي يتحول بالتراكم إلى مسألة استقرار داخلي.
خريطة طريق عاجلة
لذلك فخريطة الطريق العاجلة لمنطقتنا لابد أن تبدأ بالخطوة الأولى وهي نقل هذا الملف من دائرة التنمية التي تديرها وزارات الاتصالات إلى دائرة الأمن القومي، لتُشرف عليه آلية تنسيق دائمة تجمع الجهات الدفاعية والاستخبارية والاقتصادية والإعلامية؛ فتقنية تدخل في اختيار الأهداف وحماية الشبكات وتشكيل الرأي العام أكبر من أن تبقى مسؤولية جهة واحدة. كما يحتاج المسار إلى بُعد عربي مشترك، فتقييم قدرات النماذج ومخاطرها عمل مكلف لا معنى لأن تكرره كل عاصمة على حدة، بينما يستطيع كيان عربي واحد أن ينهض به يضع معايير الاستخدام في المجالات الحساسة، ويمنح الدول موقفاً تفاوضياً موحداً في الطاولات الدولية التي تُصاغ فيها اليوم قواعد الأسلحة ذاتية التشغيل، وهي قواعد ستُطبَّق على المنطقة شاركت أم غابت. وداخلياً، تُلزَم الجهات الحكومية ومشغّلو المرافق الحيوية بخطط تفترض فشل الأنظمة الذكية لا نجاحها، بإجراءات تشغيل يدوي بديلة وآليات إيقاف تُختبر دورياً. ويبقى الإنسان في قلب أي قرار باستخدام القوة فلا تُترك الضربة لخوارزمية مهما بلغت دقتها. ويُستثمر جدياً في سيادة رقمية عبر مراكز بيانات وطنية ونماذج عربية وطاقة كافية لتشغيلها، لأن الاعتماد الكامل على أنظمة تُدار من الخارج قرار سياسي قبل أن يكون خياراً تقنياً.
وتبقى النصيحة التي ينبغي أن يضعها كل مسؤول عربي أمامه، هي أن هذه التقنية وامتلاك أدواتها لم تعد شأناً مؤجلاً ولا ترفاً يُعرض في المؤتمرات، بل عنصر فاعل في الحرب والاقتصاد والإعلام الآن. ومن يشتريها دون أن يعرف كيف تعمل، ويخطط للاستفادة منها دون أن يخطط ليوم تعطّلها أو توجيهها ضده، لا يبني قدرة، بل يراكم انكشافاً خطيرا يهدد أمنه وسلامة أراضيه وشعبه. فالمطلوب اليوم ليس مزيداً من الاستراتيجيات والشراكات الدولية الغير محسوبه، بل قرار بوضع هذا الملف على طاولة الأمن القومي، بمسؤولية محددة وجدول زمني لا يحتمل التأجيل.




