من البرازيل إلى باريس: شركة EDGE الإماراتية تبني إمبراطورية دفاعية عابرة للقارات

تتحرك EDGE باتجاه واضح في إستراتيجيتها لتطوير قدراتها وتوسيع نشاطاتها وعلاقاتها مع المنطقة والعالم، وهي تعتمد حالياً إستراتيجية توزيع القدرات الصناعية خارج الحدود، ثم إعادة ربطها بالداخل الإماراتي في قاعدة مركزية، ويعتبر ذلك تطوراً يتجاوز أهمية الصفقات المنفردة المرحلية، ليكشف تحولاً جذرياً في طريقة بناء القوة الصناعية الإماراتية في قطاع الأمن والدفاع.

أعلنت EDGE في 4 سبتمبر/ أيلول 2026، استكمال الإستحواذ على شركة AKAER البرازيلية المتخصصة في هندسة الطيران، الشركة التي تأسست عام 1992 راكمت أكثر من 10 ملايين ساعة خبرة هندسية في برامج عسكرية وتجارية، وشاركت في أعمال مرتبطة بـGripen NG  وHürjet وSuper Tucano  وKC-390، إضافة إلى برامج أخرى. ووفقEDGE، تمتلك AKAER فريقاً هندسياً متعدد الاختصاصات يغطي دورة المنتج من التصميم إلى التصنيع الصناعي.

هذه الأرقام تحمل دلالة استراتيجية أكبر من الجانب التجاري للاستحواذ، عشرة ملايين ساعة هندسية تعني زمناً لا تستطيع أي دولة أو شركة اختصاره بمجرد ضخ الأموال في مصنع جديد، المعرفة المتراكمة في التصميم، الاختبار، معالجة الأعطال، دمج الأنظمة والتعامل مع متطلبات برامج الطيران المعقدة تشكل رأس مال عسكري بحد ذاته، ولهذا اختارت EDGE امتلاك القدرة بدلاً من انتظار بنائها تدريجياً.

الأهم أن AKAER لم تكن جزيرة صناعية منفصلة عن مجموعة EDGE، فقد أعلنت الأخيرة أن الشركة البرازيلية كانت تعمل معها أصلاً في تطوير وتصنيع الأنظمة غير المأهولة، ما يعني أن الاستحواذ جاء بعد اختبار علاقة تقنية قائمة، وليس كمغامرة استثمارية منفصلة. كما أن الصفقة توسع قدرات EDGE في الأنظمة الكهروبصرية والحرارية والتقنيات الفضائية والأنظمة غير المأهولة.

تظهر أولى قواعد الاستراتيجية الصناعية الجديدة عند EDGE، بشراء الخبرة الجاهزة عندما يكون زمن بنائها أطول من زمن تحقيق متطلبات رؤية الشركة، فهذه الخبرة تحتاج زمناً طويلاً لاكتسابها، وبذلك يصبح الإستحواذ عليها وضمها كاملة، خيار لا بد منه ولا مثيل له.

لكن EDGE لا تتبع نموذج الاستحواذ وحده، ففي 17 يونيو/حزيران 2026، وقعت المجموعة اتفاق إنشاء مشروع مشترك مع EM&E الإسبانية في الإمارات. المشروع يتضمن نقل تكنولوجيا يسمح بتصنيع أجزاء من محطات الأسلحة داخل الإمارات، بينما يستمر تصنيع مكونات أخرى في إسبانيا. وتقول EDGE  إن محفظة الفرص التجارية للمشروع ارتفعت إلى 1.725 مليار دولار.

المعادلة هنا مختلفة، والإستراتيجية تعمل في عدة إتجاهات، في البرازيل تدخل EDGE إلى المعرفة؛ وفي الإمارات تستقبل التكنولوجيا؛ وفي الحالتين تكون النتيجة توسيع دورة الإنتاج والتطوير تحت مظلة واحدة، ثم تأتي الشراكة مع Leonardo لتضيف طبقة أكثر حساسية. ففي يونيو/حزيران أعلنت الشركتان خطط مشروع مشترك لتطوير وتصنيع وتسويق أنظمة استشعار ودفاع متقدمة، بينها رادارات جوية لمنصات الجيل القادم، ورادارKronos Grand Mobile HP، وأنظمة إدارة القتال وأجهزة استشعار الطائرات متعددة المهام، والمشروع لديه عقود مضمونة بمئات ملايين اليورو، مع محفظة مستهدفة تتجاوز 4 مليارات يورو خلال خمس سنوات.

مع ذلك، لا يجب قراءة الصورة بأنها تعني فقط توسعاً تجارياً في أسواق متعددة، بل يجب تحليل هذه الخطوات ومعرفة الاهداف الحقيقة لهذه الإستراتيجية المتبعة، حيث يظهر دون أدنى شك بأنها هندسة لسلسلة قيمة دفاعية موزعة جغرافياً، متنوعة المصادر، متعددة الخبرات، موزعة بشكل يؤمن توازن العلاقات والأسواق، في زمن أصبحت فيه التكنولوجيا العسكرية باباً للتقدم العلمي، ومفتاحاً للإستقلالية السياسية والإقتصادية والدفاعية، فهذا النموذج يمنح EDGE ميزة يصعب الحصول عليها من التوسع المحلي وحده، فالبرازيل تمنحها قاعدة هندسية وعلاقات داخل واحدة من أهم البيئات الجوية والدفاعية في أميركا اللاتينية؛ أوروبا تمنحها الوصول إلى منظومة صناعية وتقنية عميقة؛ والإمارات توفر مركزاً للتمويل، والتكامل، والإنتاج، وإدارة البرامج، والوصول إلى أسواق المنطقة.

وما يؤكد هذا التوجه، أنه أصبح أكثر وضوحاً مع إطلاق EDGE Europe في يونيو/حزيران 2026، بمقر في باريس ومنشأة هندسية وتصنيعية في بوردو، وتقول EDGE إن وجودها الأوروبي يستند أيضاً إلى استثمارات وشراكات في إستونيا وسويسرا وبولندا وإيطاليا، إضافة إلى شراكات مع Leonardo  وSafran  وFincantieri  وIndra، والمهم في كل ذلك هو أن تكون مفاتيح المعرفة والتمويل والتكامل والقرار الصناعي داخل منظومة تسيطر عليها المجموعة.

من هنا، يجب الاخذ بعين الإعتبار أن الجغرافيا تعتبر جزءاً من القوة، فالقدرات الصناعية التي تعتمد على موقع واحد يمكن أن تتأثر بقيود الموقع وتقييداته وظروفه الجيوسياسية، أما الشبكة الصناعية المعتمدة عند EDGE، فتوزع المعرفة، وسلاسل الإمداد، والموارد البشرية، والأسواق، ومراكز التطوير على أكثر من بيئة، بحيث تبني ما هو ابعد من التوسع الافقي، إنها محاولة لبناء عمق استراتيجي صناعي، كما أن الإعتبار النهائي والأكثر أهمية وحسماً، لا يقاس بعدد الشركات التي استحوذت عليها  EDGE، بل بزمن تصنيع المنتج المطلوب ضمن المهل الحرجة، ففي الحرب الحديثة، الزمن الصناعي أصبح جزءاً من القوة القتالية، ولهذا، فإن أهم ما تشتريه EDGE خارج الإمارات ليس المصانع ولا الحصص في الشركات، إنها تشتري زمن التصنيع ومهل تحقيق متطلبات الأمن والدفاع عند الزبائن.

تقرير العقيد الركن م. ظافر مراد