باتت كوريا الجنوبية على أعتاب مرحلة جديدة كلياً في تطوير منظومتها الدفاعية، إذ أعلنت إدارة برامج اقتناء الدفاع “داپا” (DAPA) رسمياً الشروعَ في الإنتاج الفعلي لأول منظومة ليزر قتالية ستُدخَل في الخدمة العملياتية لجيش نظامي في العالم، مما يجعل سيول أول عاصمة على وجه الأرض تحوّل هذه التقنية من مختبرات البحث إلى الميدان الحقيقي.
عقد ضخم مع “هانوها إيروسبيس”
جاء الإعلان مصحوباً بتوقيع عقد إنتاج مع شركة “هانوها إيروسبيس” بقيمة تبلغ نحو مئة مليار وون كوري، ما يعادل نحو 72.5 مليون دولار أمريكي، وذلك لإطلاق خط الإنتاج الرسمي لمنظومة “الليزر المضاد للطيران بلوك-1″، المعروفة في الأوساط الدفاعية الكورية بمشروع “حرب النجوم”. وتقوم الفلسفة التصميمية للمنظومة على اصطياد الطائرات المسيّرة الصغيرة والمركبات الجوية غير المأهولة متعددة الأجنحة، عبر شعاع ليزر يُولّده نظام ألياف ضوئية متطورة.
مواصفات تقنية استثنائية وتكلفة تشغيل ضئيلة
تتمتع المنظومة بمعطيات عملياتية لافتة؛ إذ يستمر كل إطلاق ما بين عشر وعشرين ثانية، فيما ترتفع درجة حرارة المنطقة المستهدفة إلى ما يتجاوز 700 درجة مئوية، بما يكفي لإحراق المحركات وشلّ منظومات التشغيل في الهدف بشكل تام. والأبرز في هذا السياق هو الزهد الشديد في تكلفة التشغيل؛ إذ وصف الناطق باسم “داپا”، جو يونغ-جين، تكلفة الإطلاق الواحد بأنها “زهيدة للغاية مقارنةً بالأسلحة الموجّهة التقليدية، مما يجعل التصدي للمسيّرات الرخيصة فعّالاً وناجعاً من الناحية الاقتصادية”. ويعمل الليزر في صمت مطبق، وهو في الوقت ذاته خفيٌّ على العين المجردة، مما يمنحه ميزةً تكتيكية إضافية يصعب التعامل معها.
مسيرة تطوير خمس سنوات
انطلق مشروع التطوير عام 2019، بإجمالي استثمارات بلغت 87.1 مليار وون، وتولّت قيادته مؤسسة تحليل الدفاع الكورية بمشاركة فعلية من “هانوها إيروسبيس”. وبحلول أبريل/ نيسان 2023، اجتاز النظام سلسلة اختبارات إطلاق حي ناجحة وأُعلن رسمياً جاهزيتُه القتالية. ومن المقرر أن يُنشر في وحدات الجيش الكوري الجنوبي قبل نهاية العام الجاري، مما سيُعزز قدرة سيول على مواجهة ما باتت تعدّه تهديداً راهناً ومباشراً قادماً من الشمال.
الدرون الشمالية: الشرارة الاستراتيجية
جاء الاهتمام الكوري الجنوبي المتصاعد بمنظومات مكافحة الطائرات المسيّرة استجابةً مباشرة لحادثة الاختراق الصادمة في ديسمبر/ كانون الأول 2022، حين تجاوزت خمس مسيّرات كورية شمالية الحدود المشتركة وتحليّقت فوق الأراضي الكورية الجنوبية دون أن تتمكن الدفاعات التقليدية من اعتراضها بفاعلية. كشف ذلك الحادث عن فجوات أمنية جوهرية في مواجهة التهديدات الجوية الصغيرة منخفضة التكلفة، ودفع سيول إلى تسريع وتيرة برامج التسليح اللاكينتيكي.
من “بلوك-1” إلى إسقاط الصواريخ الباليستية
لا تتوقف الطموحات الكورية الجنوبية عند هذا الحد؛ إذ تعمل إدارة “داپا” بالتوازي على تطوير الجيل الثاني من المنظومة تحت مسمى “بلوك-2″، الذي سيضم ليزراً بقدرات تُقاس بمئات الكيلوواط، مصمّماً لاستهداف أجسام أكبر حجماً بما فيها الطائرات والصواريخ الباليستية. وقد وصفت الإدارة هذا المشروع بأنه قد يمثّل “نقطة تحوّل جوهرية” في منظومة الدفاع الكوري الجنوبي، مبشّرةً بمرحلة جديدة في حقبة الأسلحة الموجّهة بالطاقة.






